مع كتابات.. مصطفى لغتيري: عشق الكتابة يتكون تدريجيا مع قراءة واعية وتكوين مستمر للذات

     

    خاص: حاورته- سماح عادل

    “مصطفى لغتيري” روائي وقاص مغربي،  ولد عام 1965 بالدار البيضاء، وتلقى تعليمه الابتدائي والإعدادي والثانوي والجامعي بنفس المدينة. حاصل على الإجازة في اللغة العربية وآدابها من كلية الآداب والعلوم الإنسانية – عين الشق بالدار البيضاء. انتمى لمهنة التدريس منذ عام 1991، وبدأ الكتابة خلال تسعينيات القرن العشرين من خلال نشر قصص قصيرة جدًا، ومقالات في الجرائد والمجلات، قبل أن تصدر له قصة في كتاب جماعي يضم نصوص الأدباء الشباب.

    فيما صدر له أول كتاب عام 2001 وهو عبارة عن مجموعة قصصية تحمل عنوان “هواجس امرأة” وقد صدرت عن وزارة الثقافة المغربية، ثم تتابعت إصداراته في القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا والرواية. صدرت أول رواية له عام 2007 وتحمل عنوان “رجال وكلاب”. حصل على العضوية في اتحاد كتاب المغرب عام 2002، واُنتخب في مجلسه الإداري، وفيما بعد أصبح عضوًا في مكتبه التنفيذي في عام 2012. شغل منصب رئيس الصالون الأدبي، ومؤسس غاليري الأدب ومديره العام.

    رواياته:

    • “رجال وكلاب”، 2007.
    • “عائشة القديسة” (تتضمن رواية “أحلام النوارس”)، 2008.
    • “ليلة إفريقية”، 2010.
    • “رقصة العنكبوت”، 2011.
    • “ابن السماء”، 2012.
    • “على ضفاف البحيرة”، 2012.
    • “أسلاك شائكة”، 2012.
    • “تراتيل أمازيغية”، 2013.
    • “امرأة تخشى الحب”، 2013.
    • “حب وبرتقال”، 2014.
    • “حسناء إيمزورن”، 2014.
    • “الأطلسي التائه”، 2015.
    • “زنبقة المحيط”، 2015.
    • “ضجيج الرغبة”، 2017.

    الأعمال الأخرى:

    • “هواجس امرأة” (مجموعة قصصية)، 2001.
    • “شيء من الوجل” (مجموعة قصصية)، 2004.
    • “مظلة في قبر” (قصص قصيرة جدا)، 2006.
    • “تسونامي” (قصص قصيرة جدا)، 2008.
    • “ربيع تونس رحلة الإنسان والأدب”، 2013.
    • “تأملات في حرفة الأدب” (مقالات أدبية)، 2013.
    • “الأدب في خدمة التربية” (مقالات تربوية)، 2014.

    إلى الحوار:

    ** كيف بدأ شغفك بالكتابة وكيف تطور؟

    – الشغف بالكتابة عشق يتكون لدى المرء تدريجيا، ولا يأتي دفعة واحدة ولا بضربة حظ، بل يتشكل عبر مجهود متواصل، تسنده القراءة المكثفة والواعية، وتكوين مستمر للذات، ينهل من جميع مجالات المعرفة. كانت البداية بالقراءة، التي هيمنت على اهتمامي منذ نعومة أظافري، إذ فتحت لي عوالم لم أكن أتوقعها، فتملكت علي جماع قلبي وذهني، فأصبحت عادة ثم إدمانا لازمني إلى يوم الناس هذا، وخلال ممارستي لهذا الفعل القرائي بوتيرة مرتفعة جدا، بدأ تدريجيا يتسلل إلى فؤادي الحلم بممارسة الوجه الثاني لهذه العملة التي فتنتني.

    فأخذت أراودها عن نفسها، ومن حظي أنها لم تستعص، بل منحت نفسها شيئا فشيئا، فكتبت خواطر ورسائل وأشعارا، الفضيلة التي صاحبت مرحلة التعلم هذه، أنني لم أكن متعجلا، فلقد تعلمت من سير الأدباء، التي قرأتها أن الصيف يأتي واعدا لمن استعد له، واعتنى بما يزرعه جيدا، وأحسن الانتظار حتى تينع الثمرة وتنضج في أوانها.. وحين شعرت بأن الوقت أصبح مناسبا اقتحمت هذا العالم بكثير من الحماس والجرأة والإصرار، وكانت النتيجة أن تعددت إصداراتي وتنوعت موضوعاتها واختلفت الأجناس الأدبية التي كتبت فيها. وهكذا ترسخ الشغف بالكتابة في نفسي ولم أعد قادرا على العيش بدونه.

    ** في رواية “ضجيج الرغبة” تناولت علاقة حب بدأت عن طريق “فيسبوك” وتناولت تعقيدات الحياة التي يعانيها المهاجرون إلى البلدان الغربية وتعرضهم للصعاب. حدثنا عن ذلك؟

    – يمكن تأطير الحديث عن هذه الرواية ضمن السياق الجديد الذي عرفته الإنسانية خلال بداية الألفية الثالثة، وخاصة فيما يتعلق بالثورة المعلوماتية وهيمنة وسائل الاتصال وشبكة التواصل الاجتماعي، مما أحدث ثورة حقيقية أثرت وستؤثر بعمق في حياة البشر، خاصة على مستوى سهولة التواصل فيما بينهم، مع ما يترتب عن ذلك من علاقات اجتماعية جديدة، لا شك أن لها تعقيداتها، التي تفرض نفسها بقوة على الحياة، وستتجلى بوضوح في تفاصيل حياة الناس الاجتماعية والثقافية والسياسية..

    وقد حاولت في رواية “ضجيج الرغبة” أن أصور هذه العلاقات الإنسانية التي تنبني انطلاقا من وسائل التواصل الاجتماعي، فالأدب جزء من الحياة لذا فهو يتأثر بكل ما يحدث فيها، ويتعين أن ينقله للقراء، في الرواية بدأت العلاقة بين شخصين، شاب موسر في المغرب وامرأة متزوجة مهاجرة، أخذت خيوط الدفء تمر لكليهما خلف شاشة الحاسوب وانتهت في الواقع، وبالتحديد في أوروبا، وكانت الفرصة سانحة لتصوير حياة الناس في المهجر، وخاصة ما يتعلق بصراع الهوية، والنضال من أجل كسب القوت اليومي للمهاجرين في مدن كسمبوليتية تتميز بتعدد الأعراق والأجناس.

    والصراع من أجل فرض الذات، مع فرضية التعايش مع الآخر وثقافته التي أبدا لا تكون هينة، خاصة من طرف أشخاص يحملون معهم عاداتهم وتقاليدهم وثقافتهم في قلوبهم وعلى سحناتهم، فيصعب عليهم التعايش.

    ** قلت أن روايتك “تراتيل أمازيغية” تعد في أحد مستويات التأويل “صرخة ضد الإقصاء، ودعوة لقبول الاختلاف، انسجاما مع الدعوات المتكررة على أكثر من صعيد للاعتراف الكامل بهذا المكون الأساسي للهوية المغربية، وإدماجه إدماجا كاملا في حياتنا”. هل كنت تقصد المكون الأمازيغي الذي يتعرض للتهميش والإقصاء والإنكار من قبل البعض؟

    – في الوقت الذي كتبت فيه الرواية كانت الثقافة الأمازيغية كمكون أصيل في الهوية المغربية يعاني من التهميش، لكن الأمر يختلف الآن بعد أن أصبحت الأمازيغية لغة رسمية، لغة في الدستور، وأضحت لغة تدريس معترف بها في المدارس.. حين كتبت هذه الرواية كنت أفكر في أنها قد تساهم في لفت الانتباه  وإيلاء الأهمية لهذا المكون الأصيل في ثقافتنا المغربية، بالإضافة إلى مكونات أخرى كاللغة العربية واللغة الحسانية والمكون الإفريقي والأندلسي.

    لقد مررت في هذا الصدد بتجربة تركت أثرها على نفسي، لقد مارست مهنة التدريس في منطقة أمازيغية وسط المغرب، وقد أثر في نفس أن الطفل في تلك المنطقة لا ينطق كلمة عربية واحدة، ومع ذلك فهو ملزم بالدراسة منذ البداية باللغة العربية، فتمنيت لو أن هذا الطفل تمكن يوما من التعلم بلغته الأم، وهذا سيجعله حتما يفتخر بوطنه الذي اعترف بلغته ولم يقصها..

    باختصار المغرب يتميز بتعدد عناصر الهوية لديه، ولدي اعتقاد راسخ أن الاعتراف بهذا التنوع يعطي قيمة أكبر للبلد ويجعله أقوى، فأي إقصاء لأي مكون حتما سيأتي من يستغله بشكل خبيث.

    ** في رواية “رجال وكلاب” اعتمدت الرواية على فكرة الوسواس القهري الذي يصيب البطل، وكان أسلوب التداعي الحر هو وسيلته للكشف عن مرضه ومحاولة التخلص منه.. هل لديك شغف بعلم النفس ودراسة العقد والأمراض النفسية التي تصيب الإنسان؟

    – أومن بأن الأديب يجب أن يتوفر على ثقافة موسوعية، فكتابته تصبح غنية إذا ما اغترفت من مجالات الفكر المتنوعة، لذا أحاول شخصيا أن تكون قراءاتي متنوعة، تحاول ملامسة أهم الاتجاهات الفكرية والمعرفية بما فيها الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس والتاريخ، والتراث وغيرها.

    وقد أفادني ذلك كثيرا في تنويع كتابتي، ففي رواية “رجال وكلاب” مثلا وظفت التحليل النفسي من خلال وسيلتين مهمتين وهما الإحالة على مرض الوسواس القهري، وثانيا من خلال التركيز على ما يسمى بالتداعيات الحرة، التي يستعملها الطبيب النفسي لعلاج المريض، فمن خلال استفادتي من  أدبيات التحليل النفسي كما نظر لها الطبيب النفسي “سيغموند فرويد”، دعوت القارئ من خلال السارد طبعا، إلى ممارسة لعبة ما، وتتعلق بمحاولته الكشف عن الأسباب العميقة التي جعلت البطل “علال” يصاب بمرض الوسواس القهري، وذلك من خلال تتبع حكايته التي يحاول فيها تقمص دور مريض في العيادة، وهو متمدد على سرير المرض، ويحكي أدق التفاصيل عن حياته منذ الطفولة المبكرة، بل حتى الفترة التي سبقت ولادته بحثا عن الأسباب الوراثية التي لا يمكن استبعادها في مثل هذه الحالات.

     ** في رواية “عائشة القديسة” وظفت أسطورة “عايشة قنديشة”  للكشف عن أبعاد الذهنية الخرافية المغربية. هل يسعى الأدب لنشر الوعي ومحاربة السلوكيات والممارسات الخاطئة في رأيك أم يكتفي برصدها بهدف الكشف عنها؟

    – في تلك الرواية راهنت على التنوير بالدرجة الأولى من خلال وضع المثقف المغربي والعربي عموما أمام إشكالية يعاني منها بحدة، وتتجلى في نوع من الفصام الذي يصيب شخصيته، ففي الوقت الذي نجده فيه يفاخر بامتلاكه لناصية العلم، وادعاء الحداثة في العيش والتفكير، نجده في أول محك حقيقي يكشف عن حقيقته الكامنة، فما إن يواجه مشكلة اجتماعية أو نفسية حتى يلتجئ إلى الفكر الخرافي من أجل حل مشاكله.

    فتوظيفي لجنية مشهورة في المغرب، كان له هدفان هدف فني جمالي من أجل كتابة رواية ممتعة تنال استحسان القارئ، وهدف عميق يتجلى في الوقوف على المفارقة الكبيرة والمعبرة التي يعاني منها العقل العربي عموما ما بين النظري والممارسة. هذا فضلا عن جانب يمكن اعتباره تعليميا من خلال الكشف عن الأبعاد التاريخية والسياق الذي انبثقت فيه هذه الجنية في المخيال الشعبي، لعل ذلك ينقص من الرهبة التي يشعر بها البعض تجاهها، كما أن الرواية تختلق جوا مرعبا تضع القارئ بسببه أمام عالم غرائبي، لعل ذلك يطهره من مخاوفه ووساوسه، فهي تمارس نوعا من ” الكتاراسيس” بمفهوم أرسطو.

    ** في رواية “الأطلسي التائه” كان في ثنايا الحكي عن المتصوف الشهير “أبو يعزي الهكسوري” رصد للتفاوت الطبقي ما بين الأمازيغ والأشراف، وإشارات عن وجود الفقر والجوع بسبب فساد الحكام.. حدثنا عن ذلك؟

    – الجميع يعرف أن الأمازيغ هم السكان الأصليون للمغرب، دون إغفال المكون الإفريقي الذي امتزج منذ القدم مع المكون الأمازيغي فالتحما فيما بينهما، ونجد ذلك يعبر عن نفسه بشكل قوي وسط المغرب، في مدن مثل ورزازات وزاكورة والراشيدية وطاطا، ويمتد هذا الأمر إلى تخوم الصحراء المغربية، ونعرف كذلك أن العرب وفدوا على المغرب في فترة الفتوحات الإسلامية، وبعد صراع امتد لمدة طويل استتب الأمر للعرب فامتزجوا بالأمازيغ، وكونوا مزيجا يصعب فصل مكوناته، لكن مع ذلك بقي جزء من الأمازيغ يعيشون في الجبال، وبحكم التضاريس الوعرة فهم يعانون من صعوبات في العيش، خاصة خلال فصل الشتاء حين تحاصرهم الثلوج.

    أما بخصوص الرواية، فهي تتحدث عن فترة من تاريخ المغرب خلال القرن 12 الميلادي الذي تميز بالصراع على السلطة ما بين المرابطين والموحدين، وقد كانت آثار هذا الصراع الدامي صعبة على الجميع، فظهرت مجاعات واكتسحت البلاد أوبئة، فرغم الزخم الحضاري الذي خلفته تلك الفترة، إلا أنها عرفت مآسي على المستوى الاقتصادي والاجتماعي. في هذه الأجواء المتوترة ظهرت شخصية “أبي يعزى الهسكوري” بطل الرواية.

    ** رواية “الأطلسي التائه” هل كتبتها بسبب اهتمامك بالتصوف والمتصوفين الذين يزهدون في الدنيا وأطماعها؟

    – كتبت الرواية لأسباب متعددة أهمها محاولة تقديم شخصية مغربية أصيلة تتميز بمجموعة من الخصال، ومن حق الناس أن يتعرفوا عليها، هي “أبو  يعزى الهسكوري” المشهور لدى العامة ب”مولاي بوعزة”، وقد كان وليا صالحا، عرف بكراماته التي نسج حولها مخيال الناس الكثير من المبالغات، ما كان يهمني في هذه الشخصية هو أنها تقدم نموذجا للتدين يتميز بالتسامح وقبول الآخر المختلف، ففي عصرنا هذا ابتلينا بالتطرف، وأصبح للأسف كثير من المتدينين متعصبين بشكل لا يطاق، مما ساهم في خلق أزمات عدة محليا، وأصبح العالم ينظر إلينا بشكل غير جيد، لهذا فنحن في أمس الحاجة لنموذج في الدين يكون متسامحا، ما دمنا لم ننجح في جعل الدين أمر شخصي جدا لا حق لأحد التدخل فيه.

    ** تتميز بغزارة الإنتاج الأدبي والسعي إلى التنوع في تناول الموضوعات. لذا تنوعت موضوعات رواياتك.. هل لديك مشروع أدبي تسعى لتنفيذه وتخطط له قبل الكتابة؟

    – تنوع الكتابة لدي وغزارتها تأتي بالأساس من تعدد القراءة وغزارتها، فالقراءة لدي طقس يومي ورافد أساسي للكتابة، والقراءة عندي تلامس كل مجالات المعرفة، التي أستطيع التعاطي معها، لقد شغلتني كثير من الموضوعات وحاولت الكتابة فيها، يمكن أن تسمي ذلك مشروعا، وممكن كذلك أن أقول عنه أنه مجرد مساهمة متواضعة في طرح انشغالات تتميز بطابعها المتنوع، إذ حاولت أن أوظف المجال النفسي في رجال وكلاب، والبعد الميثولوجي في “عائشة القديسة” والهوية الإفريقية للمغرب ومشاكل الأفارقة المهاجرين في “ليلة إفريقية” والثقافة الأمازيغية في “تراتيل أمازيغية”.

    ومشاكل المرأة المطلقة في مجتمع ذكوري في رواية “امرأة تخشى الحب”، والرواية البوليسية في “زنبقة المحيط”، ومشكل الحدود المغلقة ما بين المغرب والجزائر وتأثيرها الإنساني في “أسلاك شائكة”، كما لامست مشكلة بطالة الشباب في رواية “رقصة العنكبوت”، ومشكلة الإرهاب في رواية “أحلام المسيسبي على ضفاف سبو” والخيال العلمي في “أمومة لم تكتمل”، وغيرها من المواضيع في روايات أخرى.

    ** تكتب القصة القصيرة أيضا بغزارة رغم أنه من الشائع القول أننا في زمن الرواية وأن السرد الروائي يجذب القراء أكثر.. هل ما زالت القصة تجذب القراء في رأيك؟

    – بصراحة أحب كثيرا القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا لذا أخصصها لهما حيزا من اهتمامي ولدي الآن ثماني مجاميع قصصية تجمع فيما بينهما، القصة القصيرة أعتبرها الجنس الأدبي الذي يتميز بتكنيك الكتابة وبالتكثيف وبالدقة في التعبير، وبالمران على التقاط تلك اللحظات الفارقة في حياة الإنسان، التي تتميز بالتحول، وبالتأكيد تحتاج إلى كثير من الذكاء لالتقاطها، وغير قليل من الخبرة من أجل النجاح في التعبير عنها.

    نعم يشاع أنه عصر الرواية وربما يرجع ذلك بالأساس إلى الحظوة التي لقيتها الرواية في الفترة الأخيرة وخاصة على مستوى الجوائز، لكن هذا الأمر لا يبدو دقيقا بشكل كامل، فمراجعة بسيطة لعدد الإصدارات السنوية، نجد أن القصة القصيرة تتفوق على الرواية في هذا الصدد، رغم الصعوبات التي تعاني منها في النشر والتداول.

    ** ظهرت مبادرات ثقافية عديدة ومنها الصالون الأدبي في الدار البيضاء، وغاليري الأدب.. هل يعني هذا أن امتناع الدولة عن دعم الثقافة والأدب أصبح أمرا واقعا ومقبولا من الكتاب؟

    – يجب أن نفرق ما بين العمل الرسمي الذي تقوم به الدولة من خلال وزارة الثقافة وهو عمل رغم بعض الملاحظات التي يمكننا تقديمها يبقى كبيرا ويحتاج طبعا إلى المزيد، وما بين العمل الشعبي أو الأهلي الذي تقوم به جمعيات ثقافية تنتشر على امتداد الوطن، وهي تقوم بعمل جاد على مستوى اللقاءات الثقافية والمهرجانات والنشر وغيرها من الأنشطة الفعالة، التي تساهم في ترويج الفعل الثقافي.

    في هذا الصدد أظن أنني ساهمت بنصيبي في هذا الحراك الثقافي من خلال “الصالون الأدبي” الذي أقام عددا من الأنشطة المهمة في كثير من المدن المغربية كما نشر عددا من الكتب، وهو نفس العمل تقريبا، الذي أقوم به الآن في “غاليري الأدب” من خلال دعم الأقلام الجديدة والطاقات الشابة لترسخ أقدامها في المشهد الثقافي، من خلال الجوائز والندوات واللقاءات الثقافية الافتراضية وعلى أرض الواقع.

    ** الكاتب في منطقتنا يعاني في نشر أعماله وغالبا ما ينفق عليها من ماله الخاص، ويعاني في إيجاد نقاد يهتمون بما يكتب كما يظل سنوات طوال حتى يجد الاحتفاء.. لما لم نصل إلى مرحلة صناعة الكتاب وترويجه وإعطاء الكاتب حقوقا مادية مجزية كما في الغرب؟

    – للأسف هذه معضلتنا في الوطن العربي، فالكتاب يعانون كثيرا من أجل إنتاج رأسمال رمزي، يجعل الثقافة العربية تتمركز ضمن الثقافات الحية المبدعة والمنتجة، لكن للأسف لم تستطع دور النشر العربية استيعاب هذا الزخم الكبير الذي تتميز به الإبداعية العربية، فمازال أغلب الكتاب يصدرون كتبهم على نفقتهم الخاصة وحتى أولئك الذين ظفروا بدور نشر تهتم بكتبهم لا يتقاضون إلا نادرا جدا مقابلا ماديا عن إنتاجاتهم.

    من تجربتي الخاصة تعاملت مع  عدد كبير من دور النشر في المغرب والوطن العربي في سوريا ولبنان ومصر، ويكاد الآمر يتشابه مع الجميع.

    ** ما رأيك في حال الثقافة في المغرب وهل يعاني من مشكلات؟

    – العالم يمر بتحولات عميقة محليا وجهويا ودوليا، والمغرب هو كذلك في عمق هذه التحولات تؤثر فيه سلبيا وإيجابيا، وقد كان لوباء كورونا تأثير عميق، لا يعرف أحد إلى أي مدى يمكن أن يصل، لقد أثر على النشر الورقي، خاصة الجرائد والمجلات والكتب، وهناك تراجعات كثيرة على مستوى تسويق المنشورات الأدبية بما يؤشر على أن كارثة ثقافية سنشهدها على مستوى كل ما هو ورقي.

    كما أن أولوية الحد من انتشار الوباء والحفاظ على صحة الناس أصبحت أولوية الأولويات، مما يعني أن باقي المجالات الأخرى بما فيها الثقافة سيتراجع الاهتمام بها بشكل كبير. ولعل هذه الظروف القاهرة هي التي جعلت الأصوات لا ترتفع بقوة لتنتقد وضع الثقافة سواء في المغرب أو في غيره من البلدان،، أننا نعيش في ظل وضع استثنائي لا ندري متى سينتهي، وحينما نتخلص منه يمكنننا تقييم الوضع والحكم عليه بنوع من الموضوعية.

    ** هل نعاني من المناطقية، بمعنى أن الأدب يظل في حدود مجتمعه ويعاني في الوصول إلى البلدان المحيطة إلا أعداد قليلة من الكتاب ينجحون في تجاوز حدود مجتمعهم؟

    – للأسف يعاني الأدب من الصراعات السياسية ما بين الدول خاصة في منطقتنا، فالكتب لا تمر بسلاسة ما بين الدول، وهذا أمر يؤثر كثيرا على التبادل الثقافي، الذي يسعى الجميع لتحقيقه، لكن الأمل معقود على الثورة المعلوماتية، التي قلصت المسافات وجعلت التواصل ممكنا، بل في أرقى أحواله ما بين المثقفين، في انتظار أن يؤمن الجميع وخاصة الحكومات بضرورة فتح المجال للتواصل الثقافي حفاظا عل الحد الأدنى من الالتحام ما بين الشعوب، التي تجمع بينها كثير من القواسم المشتركة وخاصة اللغة، الأداة الحاسمة في الكتابة الأدبية.

    ** كيف ساعد التطور التكنولوجي والانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي في تطوير حركة الثقافة في رأيك؟

    -طبعا لا جدال في أن التطور التكنولوجي والانترنيت ووسائل التواصل الاجتماعي ساهمت وستساهم في الحركة الثقافية على أكثر من صعيد، ففي ظل الأوضاع الراهنة المتميزة بانتشار وباء كورونا ساهمت هذه الوسائل في عقد ندوات عن بعد، تناول العديد من المواضيع وكسرت الحواجز وفكت العزلة عن كثير من الأدباء، الذين وجدوا فيها ضالتهم من أجل المساهمة في إثراء النقاش في عدد من القضايا، التي تشغلهم.

    كما أنها يسرت التواصل ما بين المنابر الأدبية والأدباء من أجل نشر إنتاجاتهم الأدبية أو التعريف بإصداراتهم الجديدة، ولعل هذه المساهمة ستكون أكثر قوة وزخما فيما سيأتي من أيام خاصة وأن الجميع أصبح مقتنعا بأن المستقبل لن ينتظرنا لنصل عنده، بل هو الذي أسرع نحونا ليقتحمنا بكل قوة، دون أن نستعد له، مما سبب لنا الكثير من الارتباك، في انتظار التكيف مع الوضع الجديد.

     

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا