مع كتابات.. فتحي نصيب: إزالة عقلية السلطة الغاشمة تتطلب جهدا سيزيفيا

الاثنين 27 نيسان/أبريل 2020
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

 

خاص: حاورته- سماح عادل

“فتحي نصيب” قاص وكاتب ليبي، من مواليد مدينة بنغازي العام 1957، حاصل بكالوريوس اقتصاد وعلوم سياسية- جامعة بنغازي. و دبلوم دراسات عليا بقسم العلوم السياسية بجامعة بنغازي. كتب في الصحافة المحلية والعربية، كما تقلد عديد من المناصب في مجموعة من المجلات الليبية، قدم مجموعة من البرامج الإذاعية.

صدر له: (المد) مجموعة قصصية مصادرة. (مرايا السراب) مجموعة قصصية. (مقاربات في الفكر والأدب) مقالات فكرية ونقدية.

قضى الكاتب الليبي عشر سنوات في السجن زمن العقيد معمر القذافي بسبب مواقفه ككاتب مع مجموعة من أبناء جيله وبعد الثورة كان يحلم بالحرية التي سجن من أجلها لكنه وجد نفسه في المنفى الأوروبي بسبب المليشيات وغياب الدولة.

إلى الحوار:

(كتابات) متى بدأ شغفك بالكتابة وكيف تطور؟

– شغفي الأول كان وما يزال القراءة، ومن ثم شرعت بالكتابة وبداخلي شعور أنني أحاور من قرأت لهم، وكذلك كنت أريد أن أعبر عن نفسي كتابة، وأذكر أنني نشرت أول مقالة بعنوان (دعوة إلى التفكير) وأنا في الصف الثاني الإعدادي، وكنت نشطا في إصدار الصحف الحائطية بالمدرسة، وفي المرحلة الثانوية كنت أكتب وأنشر المقالات والقصص في أغلب الصحف والمجلات الليبية والعربية، إلى أن توقفت إجباريا في السنة الجامعية الأولى نتيجة سجني رفقة أصدقاء آخرين خلال مشاركتنا في أسبوع ثقافي، واتهمنا بأننا نشكل حزبا يهدف إلى قلب نظام الحكم بالقوة، ولكن داخل السجن الذي استمر عشر سنوات لم أتوقف عن الكتابة بل زاد حماسي ربما كرد فعل مقاوم لهذا السجن البغيض والظالم.

وبعد خروجي إلى الحياة توقفت عن الكتابة عدة سنوات أمضيتها بالقراءة لأعوض حرماني من تصفح أي كتاب خلال العشر العجاف، وكذلك لأطلع على ما فاتني من اصدرات وأفكار وتغيرات في الثقافة والأدب، وبعدها عدت الى النشر وإقامة الأمسيات القصصية والمشاركة بالبحوث والدراسات في ليبيا أو في القاهرة وتونس بغداد والجزائر ودمشق وغيرها.

(كتابات) في مجموعتك القصصية (الحلم الذي ينأى) وفي قصة “الشيء الذي حدث” حكيت عن عثرات الزواج نتيجة لضغوط الحياة والأحلام المحبطة. حدثنا عن ذلك؟

– بداية أود الإشارة إلى أنني أسعى في كل قصة أكتبها إلى استخدام تقنية جديدة ومغايرة، أي بمعنى ألا أقع في التكرار، ربما أسميها التجريب الدائم في الشكل الفني، هنا في قصة (الشيء ..) أردت أن أقدم إحدى مشكلات الحياة الزوجية من خلال صوتي الزوجين، كل منهما يقدم (مرافعته) إن جاز التعبير ولكن دون حوار بينهما وإنما من خلال تداعي الذاكرة، لذا لا نجد أي تفاعل بينهما في الزمن الحاضر أي زمن السرد، ولكن القارئ يعرف مشكلاتهما من خلال التذكر لكثير من الوقائع الحميمية والعاطفية بينهما، إلى أن تراكمت المشاكل وقررا أن الحل هو الانفصال ولكن تركت النهاية مفتوحة، والقارئ سيكتشف أن حجج كل منهما مقنعة وربما سيصاب بالحيرة في تحميل أحدهما أسباب فشل هذه العلاقة. أي لم أنحز إلى طرف دون آخر وتركت الأمر إلى القارئ.

(كتابات) في مجموعتك القصصية (الحلم الذي ينأى) ما سر احتفاءك بالتفاصيل الصغيرة؟

– الرواية والقصة يحكمها قانون اللعبة الفنية والذي يتلخص في تواطؤ الكاتب والقارئ ضمنيا على قراءة العمل المتخيل وكأنه حقيقة واقعة، والاحتفاء ببعض التفاصيل في بعض قصصي لضرورة فنية لإضفاء الواقعية، ولذا يظن البعض أنني أكتب ما رأيته فعلا، وأظن أنني متأثر بالسينما كثيرا، فعندما تشاهدين فيلما ربما تركزين على الشخصيات والحوار والأحداث، ولكن العين تلتقط التفاصيل التي  تشكل مكان وقوع الأحداث، ولأعطي مثلا تخيلي أن البطلة في غرفتها تدندن أغنية مرحة، المشاهد سيتابعها ولكن في خلفية الكادر توجد مزهرية أو ساعة حائط وربما ستارة على النافذة التي تطل على حديقة، وكذلك يوجد فستان مرمي بإهمال على حافة السرير، وصورة لطفلة مع والدها موضوعة على (كوميدينو) صغير إلخ.. هذه التفاصيل ليست زائدة بل كل منها يخبرك عن فكرة ما يتم تجميعها لتشكيل صورة وإحداث انطباع لدى المتلقي. المهم أن تكون التفاصيل لخدمة الفكرة الأساسية وإلا تعد حشوا.

لأضرب لك مثلا من قصة (العطب) التي تركز على فكرة تحول المجتمع إلى أداة مراقبة لكل أفراده وتغول الأجهزة الأمنية التي تريد أن تعرف توجهات وأفكار بل وأحلام كل مواطن من خلال فتح ملف له لحين استخدامه وقت الحاجة، وبطل القصة حير هذه الأجهزة، فلم يعرفوا كيف يصنفونه لذا يقبض عليه ويريدون إجابة منه لأن التقارير التي عندهم متضاربة. وهنا تأتي المفاجأة حين يكتشف هذا المسكين أنه مراقب منذ أن كان طالبا في المرحلة الثانوية، وأن كتبة التقارير عنه هم من أقرب الناس إليه، بداية من رفاقه الطلبة  مرورا بجيرانه وانتهاء بزوجته، وكل تقرير يصنفه بشكل مغاير عن الآخر، فمرة هو وجودي وأخرى إسلامي وثالثة شيوعي إلخ… هنا نجد بعض التفاصيل الواردة عنه ولكنها تغني العمل بهدف وصف هذه الشخصية المحورية، وكذلك مزج السخرية بالواقع المأساوي والكابوسي الذي أذهل بطلنا ما دفعه إلى حافة الجنون.

(كتابات) في قصصك هل تنتقي أحداثك والشخصيات من الواقع أم يلعب الخيال دورا كبيرا؟

– هذا السؤال يرتبط  بالإجابة السابقة. ليس هناك عمل في الماضي أو المستقبل غير مرتبط بالواقع حتى في أدب الخيال العلمي أو الروايات السحرية وحتى الأساطير. في قصصي تلعب الذاكرة والمخيلة دورا مهما، فالذاكرة تختزن كل التجارب الشخصية والأحداث التي مررت بها أو تلك التي سمعتها أو قرأت عنها من الناس، أو الكتب أو الأفلام إلخ.. والمخيلة تجمع الخيوط من هذه الذاكرة ومن ثم عندما تطرأ على ذهني فكرة قصة فإنني استعين بمخزوني وأضيف التخييل لأنه ليس كل حدث أو شخصية تصلح لأن تكون حكاية، ومن هنا يأتي التأليف والتخيل واختيار الحبكة وأسلوب السرد واللغة وهو خيار من بين عشرات الخيارات: من أين أبدأ وكيف انتهي؟ وفي كل هذا كيف اقنع المتلقي أن ما يقرأه قصة تروي حدثا ما وقع بالفعل وليس وهما أو توهما.

(كتابات) سجنت في أثناء حكم القذافي وبعد زواله اضطررت إلى الاغتراب .. احكي لنا؟

– هي حكاية طويلة سيدتي، ربما حكاية شعب يريد العيش بكرامة وحرية في ظل دستور وقانون يمنحه حق أن يكون مواطنا. هذا لم يتحقق في ظل النظام السابق الذي حكمه الفرد السوبرمان الذي يفكر ويقرر وينفذ ويحكم نيابة عن الشعب، وليس أمام الناس إلا الإذعان ومن يخرج عن هذا الخط فالعقوبة إما السجن أو التهميش أو الاغتيال الجسدي أو المعنوي، فالحاكم هو القائد والمفكر وصانع البلاد والمنعم على العباد والوطن مزرعة له ولأسرته ولأتباعه المقربين.

ونتيجة لأكثر من أربعين عاما من هذا الوضع الشاذ وغير الطبيعي  من غياب القانون وسيادة شريعة الغاب، والفساد الإداري والاقتصادي وتشوه النفوس فإن الحصيلة لابد أن تكون سيئة. وظن البعض أن الثورة على النظام السابق هي مشروع جديد لإعادة إنتاج المنظومة السابقة وعلى نطاق أوسع هذه المرة. فإذا كان عندنا ديكتاتور واحد فقد فرخ عشرات المستبدين الصغار والذين يتلخص لديهم الوطن في صورة غنيمة الحرب، وأراد البعض أن يتحكم من خلال السلاح أو العقيدة أو القبيلة.

إضافة إلى أن كل الثورات تعرف ما يسمى بالثورة المضادة، وهذا أدى إلى اغتراب العشرات من المثقفين الذين دفع بعضهم ثمن مواقفه سابقا من أجل وطن حر وشعب ينعم بخيراته. لقد أسقطنا نظاما سياسيا ولكن إزالة منظومة الفساد والإفساد وعقلية السلطة الغاشمة تتطلب سنوات طويلة وجهدا (سيزيفيا)، وإذا كان حال الثورات الكبرى في التاريخ والتي مهد لها الفلاسفة والمفكرون أخذت سنوات طوال كي تعيد بناء أوطانها فما بالك بأوضاعنا العربية التي نعرفها جميعا.

(كتابات) ما تقييمك لحال الثقافة في ليبيا في ظل الأوضاع الراهنة؟

– بعد زوال الرقابة الصارمة انتعشت حركة الكتابة والنشر وظهرت أسماء أدبية عديدة، وأعمال كانت حبيسة أدراج أصحابها في القصة والرواية والكتب السياسية، صحيح أن الوضع الراهن غير مستقر مما أثر في عقد الأمسيات والندوات و معارض الكتب، إلا أن هذا الوضع لن يستمر إلى الأبد.

 

(كتابات) لك كتاب بعنوان (مقاربات في الفكر والأدب) ما رأيك في حال النقد في ليبيا؟

– حال النقد متعثر مقارنة بالإنتاج الأدبي، ومقارنة أيضا بحركة النقد في المغرب أو مصر، توجد لدينا بضعة أسماء اجتهدت وأنتجت ولكن لا تشكل حركة ذات زخم، ولذا فإن معظم المبدعين اتجهوا إلى الكتابة النقدية لتعويض هذا النقص.

(كتابات) قدمت بعض البرامج الإذاعية احكي لنا عن تلك التجربة؟

– تجربة ممتعة وتختلف كثيرا عن عالم الصحافة، فجمهور الإذاعة متنوع  وأكثر اتساعا لأنه يشمل المثقف والقارئ العادي والأمي. الإذاعة تتواجد في كل مكان تقريبا وبرامج الراديو تذهب إلى الجمهور عكس الصحف. لذا أسلوب الخطاب يختلف وأكثر صعوبة لأنه يعتمد على الاستماع وليس الرؤية البصرية، كما أن التفاعل أسرع حيث كانت تردني رسائل المستمعين كل أسبوع تقريبا، وفور بث إحدى حلقات برامجي ومنها كنت اعرف اتجاهات وتفضيلات المتلقي.

أعددت أكثر من عشرة برامج إذاعية منها ماهو يومي ومنها الأسبوعي. أصعب برنامج كان (قصص وحكايات) وهو برنامج أسبوعي في15  دقيقة للحلقة، وفكرته أن أحول مجموعة من القصص القصيرة الليبية إلى عمل درامي، وكنت أرمي إلى إحياء القصة المطبوعة في كتاب وربما لا يستطيع البعض الوصول إلي هذه المجموعات، إضافة إلى أن ليس كل الجمهور قارئا.

مكمن الصعوبة أن الكثير من الأحداث والشخصيات مسموح أن تظهر في كتاب عكس الراديو، وهنا أتكلم عن معايير المراقبة في الإذاعة عندنا، وكذلك لابد الحفاظ على زمن الحلقة وكثير من القصص إما طويلة لا يمكن اختصارها إلى ربع الساعة، أو قصيرة جدا بحيث لا يمكن تمطيطها، ولكن تغلبت على هذه الصعوبات وقدمت البرنامج وكان من إخراج الفنانة الليبية كريمان جبر وكان ناجحا.

(كتابات) الحنين إلى الوطن كيف يظهر في نصوصك؟

– يظهر الحنين في المكان، أي استدعاء المدن التي عشت بها في ليبيا أو بالخارج، ويظهر في الزمن حيث ترحل الذاكرة إلى أحداث كانت لها وقعا كبيرا في نفسي كفترة الصبا والشباب، وأحاديث الجدات وفترة السجن وما بعدها، وما مر على ليبيا من أحداث، كل هذا يتخلل بعض القصص لأنها تسيطر على وجداني.

(كتابات) في رأيك لماذا لا ينتشر الأدب الليبي في باقي البلدان العربية؟

– سابقا كانت بضعة أسماء معروفة عربيا، والآن بدأت الساحة الثقافية العربية تلتفت إلى الكتاب الليبيين، والمؤشرات عديدة منها: أن دور النشر العربية أفسحت مجالا لنشر الأعمال الليبية، وكذلك وصول الكثير من هذه الأعمال إلى الترشح، بل والفوز بالجوائز الأدبية في المحافل العربية والدولية، أي ثمة اهتمام بمعرفة ليبيا تلك القارة المجهولة لدى الكثيرين بمن فيهم المثقفين العرب.

حوارنا هذا ربما يكون وسيلة للتعريف ببعض زوايا الثقافة والأدب الليبي، لذا أشكرك على فتح هذه النافذة من خلال أسئلتك المهمة والعميقة.



الكلمات المفتاحية
الكاتب الليبي فتحي نصيب

الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.