مع كتابات.. فتاح خطاب: ما قصمت ظهر اليسار سوى شعاراته الرنانة وذيليته وازدواجيته الفكرية.

الخميس 08 تشرين ثاني/نوفمبر 2018
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

خاص: حاورته- سماح عادل

“فتاح خطاب” كاتب ومخرج مسرحي عراقي كردي، عمل مدرساً في معهد الفنون الجميلة، قدم أعمال مسرحية في بغداد وأربيل واليمن والسويد.. وقد عرف نفسه قائلا: “تورط في ممارسة النقد المسرحي في جرائد يمنية, هرباً من الجوع والعوز، تورط في الترجمة الشعرية أثناء حرب الأنصار، ترضية للضمير الأدبي ومد الجسور الثقافية بين مثقفين العرب المتواجدين معه في سوح الكفاح المسلح، تورط في كتابة النصوص المسرحية لتتلائم وأطروحاته الفكرية”.

إلى الحوار:

(كتابات) متى بدأ شغفك بالكتابة وكيف تطور؟

• بعد صعود صدام إلى سدة الحكم وتوجيه ضربات متلاحقة للحزب كانت جريدتا (طريق الشعب) و (الفكر الجديد) لازالتا تصدران بإصرار من بغداد, رُغم هروب الكثير من الكتاب والعاملين فيهما وتقليص كوادرهما.. فوجئت برسالة بعثها الصحفي والقيادي البارز (عبد الرزاق الصافي) وهو يطلب منا عموماً الإسهام في تزويد الجريدة بكتابات وترجمات إبداعية, فاخترت قصائد نارية وبدأتُ بترجمتها تباعاً، وإذا بأحد الرفاق الذي كان قد شارك معي كممثل في أكثر من مسرحية أخرجتها, يصيح بأعلى صوته وفي الشارع العام (رسالة إلى ناظم حكمت) أي اسم القصيدة المترجمة المنشورة تواً, فقلت له اقرأ لي بصوت عال رجاءً.. كان هو يقرأ وأنا أبكي بصمد وإباء, مُتحَدّين الوضع القائم, استعدادا لما سيأتي..

وبعد التحاقنا بحركة الأنصار في جبال كوردستان وانضمامنا لفصيل الفنانين والإعلام، حيث الإذاعة وإصدار المجلات الأدبية، وإرسال النتاجات إلى الخارج لنشرها في مجلة (الثقافة الجديدة) و لكي لا أُحرم من التواصل والمشاركة في العطاء، هممت بترجمة قصائد كوردية مختارة لشعرائنا المبدعين، وإلقائها في مناسبات كنا نخلقها نحن، غصباً على المستمعين.. وأشهد بأنني كنت مزعجاً لكثيرين منهم ـ كنت قد اقترحت على آمر الفصيل بأن يرتب أمر حراستي الليلية بعد الثالثة صباحاً على مدى أيام الشتاء القارص، حيث لا يحبذه الآخرون، لأمتع نظري بعد الحراسة بذلك الاختراع العظيم (الفانوس النفطي) أتدفأ بحرارته، أُشعل سيجارتي بلهيبه، وتحت ضوئه الحزين أكتب ما يحلو لي من كلمات مجنحة.. حتى مطلع الفجر.. أما أعجب ما في الأمر أنني لم أعرف بنشر كل تلك القصائد ولم أرَها إلا بعد وصولي إلى ستوكهولم, بعد مضي أكثر من عشر سنوات.

(كتابات) لما اخترت مجال المسرح.. وكيف كان انجازك فيه منذ البداية وحتى الآن؟

• لأنني ترعرعت في أُسرة كل أبناءها, عدا أخي الأكبر, من الفنانين الفطريين, خطاطين, رسامين ونحاتين.. فكانت الجدران وخلفيات الأبواب كلها مغطاة بلوحات سُريالية غير مكتملة وبقايا وآثار الكتابة على اللافتات منذ ثورة “عبد الكريم قاسم”, وقتها كنت قد نويت أن أٌقدم لقسم الفنون التشكيلية, نظراً لفوزي بالجائزة الثانية في مسابقة مدرسية, إلا أن صديقاً شيوعياً (نزار جرجيس) ونحن في طريقنا لبغداد أقنعني بأهمية وقدسية المسرح ودوره في التوعية والتعبئة..

أما عن إنجازاتي في عالم المسرح الساحر قد بدأتْ مبكراً جداً, إذ بعد رجوعي إلى “أربيل” خلال عطلة الصيف بانتهاء السنة الأولى, زارني أحد الممثلين (رسمي جلال) واقترح بأن أزور فرقتهم الناشئة لإبداء الرأي حول بروفاتهم اليومية. ضقت ذرعاً منهم حد الاشمئزاز والاستفزاز.. ثم بدأتُ بتلطيف الجو والجلوس على خشبة المسرح وبحركة مني جلسوا على شكل نصف دائرة، سائلاً عن النص والعودة للقراءة الأولية ومحاضرة قصيرة عن (الصوت والإلقاء) حسب نفسية ومكانة والحالة الدرامية للشخصيات المسرحية، فقدمنا فيما بعد عشرات العروضات المسرحية رغم الرقابة الشديدة والمحاربة والملاحقة والطرد والفصل السياسي..

وشاركنا بعد ثلاث سنوات في مهرجان المسرح المتجول المقام في بغداد بمسرحية (المنجل) وحصدنا الجائزة الأولى في عام 1973، وفي ذات العام وأنا في رابع مسرح قدمت في مهرجان المعهد مسرحية شعرية مُعدة من قصائد الشاعر الكبير (سعدي يوسف) إعداداً, إخراجاً وتمثيلاً، ومن حسن حظي كان الشاعر جالساً في صالة العرض. لذا كنت معفياً في تقديم الأُطروحة في السنة الأخيرة من قبل الأستاذ الدكتور (عبد الإله كمال الدين)، ورغم ذلك لم أُقبل كطالب في أكاديمية الفنون ببغداد لسبب عدم انتمائي لحزب البعث الغاشم.

وفي أثناء تواجدي في اليمن قدمت أربع مسرحيات, تأليفاً, إخراجاً وتمثيلاً وفي السويد شكلت فرقة مسرحية وقدمنا مسرحية (الأذناب) تأليفاً وإخراجاً، ومسرحية إذاعية (خيوط العنكبوت) وعندي الآن 21 نصاً مسرحياً مطبوعاً، وديوان شعر مترجم وكتاب (المسرح هو الأسلوب) 320 صفحة خاص لدراسة المسرح (رابع معهد)، ولكن للأسف لعدم انتمائي للحزب البارتي قطعوا راتبي منذ سبع سنوات وعشرة شهور ولحد هذه اللحظة.

(كتابات) هل يمكن اعتبار مسرحية “حرب التفاحات” من المسرح السياسي الذي يناقش قضايا سياسية أم ماذا؟

• إن مسرحية (حرب التفاحات) فكرية وفلسفية ولكن لابد من أن تتخللها السياسة، لأن السياسة بإطارها الإيجابي والبنائي والنفعي هي قدر البشرية ولا يمكن الفكاك منها، وهي أصلاً كنص وجودي, تناقش مسألة التصورات الأولية والبدائية حول بدء الكون والخلق ونشوء الكينونة المجتمعية، وحول التفاحة المقدسة والرموز الأُخرى في السياق العام، وهي محاولة لتفكيك الرموز ودعوة لإعادة النظر لما جاءت من مفاهيم وأفكار ومعتقدات ودعوات وفلسفات..

(كتابات) أيهما أقرب إليك الكتابة للمسرح أم الإخراج؟

• الإخراج المسرحي والسينمائي أولا وأخيرا.. وكنت اتمنى أن يسمعني أو يقرأني من هنا الكاتب الكبير الراحل  (علي سالم)، أقول هذا لأنني حين كنت في القاهرة جالساً أمام (نجيب محفوظ) في ندوته الخميسية في كازينو قصر النيل, حينها سألني (علي سالم) عن سبب سفري إلى “لوس أنجلز” فقلت أنا فنان مسرحي أصلاً لكنني سافرت لأجل دراسة كورسات عن علم السينما،وهنا انفجر (علي سالم) كعادته قائلاً: “شوف يا أستاذ نجيب.. إنه يستنكف أن يكون فناناً مسرحياً.. ولا يسعني هنا إلا أن أشكر البعث والبارتي معاً لأنهما كانا السبب الرئيسي في أن أجلس في البيت عاطلاً، وأن أكتب وأُترجم وذلك لمنعهما لي الاستمرار في عطاءاتي المسرحية.

(كتابات) تكتب الشعر لكن لا تعتبر نفسك شاعرا.. هل هذا صحيح؟

• صحيح جداً.. وأنا لا أكتب إلا نادراً..  وهذا ما حصل معي أول مرة في (أبين) عند استشهاد (عبد الفتاح إسماعيل)، كنت مدعواً لندوة ثقافية بمناسبة استشهاده فقلت ما قلت:

اختفاء الشاعر

مهداة لروح الشهيد عبد الفتاح إسماعيل..

شاعراً، قائداً ورئيساً

صمتاً أيها الرجال

ها هو ذا النجم

كما عهدناه

عارياً كوجه الحقيقة

يعلو في سماء الذاكرة

هادياً، مبشرا

ويستقر منزهاً في سويداء القلب

هلمّ إذن..

لنتبعه إلى آخر خيط الدم

الدم الذي تفجّر ذات صباح

كاشراقات غدنا الجميل

فأضاءت دياجير ليل الشؤم

وأبطلت تعاويذ الدراويش

في الساحة

تُرى..

هل قرأوا الأرض كما ينبغي؟

هل عرفوا الماركسي على حقيقته؟

أم جاءوا ملوكاً وسلاطين

في ملبس الفكر

يسحلون أذيال العار

وهم مثقلون بالآثام

معبئون بجنون نيرون

إن عدن مدانة

لأن شاعراً قد سقط

صريع الغدر

إن عدن مهيبة

لأن روح الشعر

فيها هي القدر

ماذا نقول يا عدن للأصدقاء؟

ماذا نقول للأعداء

يا عدن؟

أنقول جئنا لنبق

والمقاولون السماسرة

كانوا بالأمس ها هنا

يمرحون ويتسامرون

ماذا يا عدن؟

ماذا نقول عن جبل هيل؟

عن البوارج التي دنّست معابد الفكر

وعن اختفاء الشاعر المتنبئ

ماذا عسانا أن نقول؟

قالوا: إن الثورة تأكل أبنائها

قلنا: إن من يزرع الموت والدمار

ليس منا

أما القافلة، فستواصل مسيرها

وسيبقى الناس الخيرين

كل الخيرين

هم الجمّالة.

(كتابات) تترجم بعض القصائد الكوردية إلى العربية.. ما هو حال الشعر الكوردي.. وهل له قراء من العرب؟

• إن حال الشعر الكوردي كما هو حال الشعب الكوردي المبتلى بالاحتلالات الداخلية والخارجية والسلطوية، ويُعتبر الشعراء عموماً كالطيور النادرة المهددة بالانقراض لأسباب لا تُعد ولا تُحصى، منها تساقطهم كأوراق الخريف في زمن البعث وتورطهم بالوقوع في شباك البعث وتيجيرهم، وشراء ذممهم ككتبة التقارير والأعمال التجسسية والرقابية واستغلال طاقاتهم في مجالات الإعلام المرئية والسمعية بشكل مخيف ومكثف وبمكافآت مجزية ومغرية, وقد استمرت هذه السياسة بعد الانتفاضة، وقد تم استلام المتساقطين والمستفلسين والخنوعين القدامى والجدد بذات الطريقة و(المبلل لا يخاف من المطر)

فبدلاً عن أن يكونوا شعراء البلاط قد أصبحوا مرتزقة ومأجوري الإعلام الحزبي.. فمن أين يأتي الشعر؟ أنا شخصياً.. لا أرى ولا أبحث عن رجالات الشعر وإنما تُعجبني وردات الشعر في حديقة نون النسوة، اللاتي لم يتوسخن بلطخات سياسينا المشوهين فكراً ونهجاً.. أقول: أن القصيدة أُنثى.. وهذا أنموذج منها

أكثر نساء المدينة حَسَداً

الليلة, أحسد كل أزقة وشوارع المدينة

سأكون أكثر نساء المدينة حسداً

سأتمرد على الكائنات كلها

حتّما تعودَ من المدينة

أن قلبي ينبؤني بأنك مازلت لم تعد من زحام المدينة

يا لِبَختِها.. من مدينة

ما أسعد شوارع المدينة

تلك السيارات وأضواء الإشارات

والأشجار العاريات

واللواتي يتابعن خطواتك من مراهقات المدينة

أنا لا أُحبّذ المدينة..

حتى أعمدة الأسلاك لا يشبعن من جلال هَيبتك

وأنا كذلك.. من كل ما تملك

مثلما هي المدينة..

لا تقتلني انتظارا لعودتك

اظهر وبان..

وإلا سأملأ  المدينة صراخاً وضجيجاً

سأعُدّ إلى حد العشرة

كما يومَ كنتُ طفلة

فإن لم تعد

أجمع الحجارات لرشق زجاجات نوافذ المدينة

نذر عليّ إن عُدتَ الليلةَ من المدينة

سأطوف المدينة بمواعين  الكعكات

المحشوة جَوزاً وتمراً

بيتاً فبيتاً

زقاقاً فزقاقاً

عَدّ إذن

كي أكون أنا أكثر نساء المدينة

عُشقاً

ونكون معاً أكثر مجانين المدينة

جنوناً.

(كتابات) حدثنا عن الأدب الكوردي في الوقت الحالي؟

• إن الأدب الكوردي عموماً تحكمه التابوات الثلاث، والممنوعات والمحظورات والتقاليد الاجتماعية البالية، والعقد النفسية، والكبت الوراثي والرقابة الذاتية والحكومية.. فالغالبية العظمى يكتبون ما يعجب أو الرقابة السلطوية, ثانياً ليس كل ما يُكتب يُنشر أو يُطبع في المطابع الحكومية، وإنما هناك توجيهات أو شروط مسبقة وفي المقدمة هو أن يكون الكاتب موالياً للحزب الحاكم بشكل من الأشكال، أو يُزكّى من قبل المشرفين على الرقابة أو المطبوعات أو يتحمل صاحب دار نشر نفقات الطباعة لكون الكاتب ذائع الصيت، وله ضمان للتسويق والتوزيع والرواج.. أما الكُتاب المستقلين وأصحاب موقف ورأي لا ينسجمان مع السياسة السائدة فيُعد طبع كتبه ضرب من المغامرة والانتحار الاقتصادي.

وهذا ما حصل لي في حالتين, هنا  وفي السويد.. فلا أدب ولا فن حقيقيين بدون دعم حكومي ثابت وغير المشروط.. فإن الحزب الحاكم هو الذي يقرر إن كنت كاتباً أو من المغضوب عليهم مدى العمر.

(كتابات) في رأيك هل نعيش زمن موت اليسار أو انهزامه؟

• نحن الآن نعيش في زمن الانهيارات الكلية والتراجع التام, سياسياً, فكرياً، ثقافياً واجتماعيا, إثر مؤامرات دولية خبيثة تديرها دول وقوى, ستنهار عاجلاً أو أجلاً لتنتعش القوى اليسارية من جديد وتعود للساحة فارضة نفسها وفلسفتها على الواقع المعاش.

ولكن ما قصمت ظهر اليسار سوى شعاراته الرنانة وذيليته وتكتيكاته وأساليبه التنظيمية، وعلانيته وبراءته الطفولية وتكاسله وازدواجيته الفكرية.

(كتابات) هل تعتبر نفسك متعدد المواهب مسرحي وشاعر وناقد و…؟

• لا أبداً.. سيظل المسرح حلمي الأكبر ولكن ماذا عليّ فعله إذا كانت الأنظمة القديمة والجديدة تمنعني من ممارسة هويتي المفضلة. وقد فٌصلت في زمن البعث ثلاث مرات وفي زمن البارتي منذ 15 / 1 / 2011 ولحد هذه اللحظة؟..

(كتابات) ما هي الصعوبات التي واجهتك ككاتب؟

• إن الصعوبات كثيرة طالما الأنظمة الرجعية والمتخلفة لا تعرف سوى محاربة الأدب والفن، وتسعى جاهدة لإسقاط رموزهما

نصوص ل”فتاح خطاب”..

آربائيللو

إلى روحَيّ محسن النجار وناصر يوسف

الهائمتين في سماء مدينتي

في غابة البشرية هذه

في هذه المدينة التاريخية التي لا تاريخ لها

سوى إنها كانت مفتوحة الأفخاذ على مر العصور

ومقبرة للمحتلين الغرباء

بدءً من ذوي القرون والجنس الأصفر والأحمر والفرس والأتراك والمستعربين العدنانيين

المهجولين من صحارى نجد ونجران وعرعر

بمنطق القوة والدمار والإخضاع والاستعباد

وفق معطيات مقرونة بالاستبداد

فاقدة منذ زمن هويتها وأصالتها

إلا أنها مازالت تجري من تحتها الأنهار

والذهب الأسود يتنفط من أطرافها

. . . . .

في هذه المدينة المستباحة

ولدتُ مجهول الهوية والتاريخ

ولدت كما يولد الآخرون

من ذوى النفوس الميتة والإرادة المسلوبة

لم يفهموا من صيرورة التاريخ شيئاً

ولم يأخذوا من دروسه البالغة أي عبرة

سوى اللعبة واللهو المسموحة حسب القرار الجمهوري

لتقضية أوقات حياتهم كاملة

واللعبة المفضلة عندهم هي:

لعبة التابع والمتبوع

الرئيس والمرؤوس

العبد والسيد

الراكب والمركوب

الفاعل والمفعول به

السادي والمازوخي

الخليفة المنتصر بالله والشعب مضروب على قفاه

الأمر بالسكوت والاستسلام  والنهي عن الكرامة والإقدام

والدليل.. إن الله يُعطي من يشاء

ويُذل من يشاء

. . . . .

في هذه الغابة البشرية سأموت ذات يوم

ولكن ليس كما يموت الآخرون

وبعيداً عن الطقوسات والمراسيم والكليشات المصطنعة الكاذبة

والمعدة سلفاً من قبل أعداء الله والطبيعة والإنسان

لكسر كرامة الإنسان

. . . . .

سأبني مأواي الأخير الجديد والمتجدد دوماً

بكلمات لا تموت

سيزورنى حينها الأحرار والشرفاء

من كل الأجناس والألوان

آنئذ سأحكي لهم حكاياتي مع الزمن

مع القادة المتسولين

والرؤساء المندحرين

والمتاجرين بالدين

وإذا تجرأ أحد منهم الاقتراب مني

سأنهض من غفوتي لأملأ وجهه البشع

بُصاقاً

***

قبل فوات الأوان

 

أنتم..!

يا كبار القوم

يا طبول الغجر الفارغة

لا تَدَعوا البتة هذا المقاتل الجريح أن يستريح

في ظل مدينته المستباحة

لخراتيت موتورين، مبطّرين ومفسدين

من تجار الحروب الخاسرة

والانتكاسات الفاضحة

المدفوعة الثمن.

لا تَدَعوه أن يداري براعمه الجميلة

أن يشعل شموعه المقدسة

أن يوصل نداء العشق والجمال

إلى مسامع الناس

أن يحقق بعضاً من أحلامه الضائعة

بكشف عورة إله الشر والحرب

وإبطال سحره اللعين

تعالوا إذن!

مثلكم مثل أعداء الأمس

قَلّدوهُم كالقردة

أحرموه من جماليات المسرح وفضاءاته الرحبة

أقلعوه من مدينته الفاضلة

ودَنّسوا محرابه المقدس

كي يصعد هو الآخر إلى أعلى قمة في جبل قنديل

مثله مثل أي وليد جديد

ليرقص ويغني عارياً، مجرداً كالحقيقة

وبعد أن يعمّ الطوفان أرجاء الدنيا

سيقرأ عليكم سورة الفاتحة

***

عصرية صفراء في مقهى عنتر

في عاصمة البؤساء التاريخية

وفي زمن اهتزاز شبك مرمى الديمقراطية

بأربعة أهداف كويتية

وخروج التحزب منها صفر اليدين

كنتيجة حتمية

وهنا.. في ذات الوقت

بعد انقضاء أربعين عاما من التخندق والضياع في الجبال

واقتتال الأخوة الأعداء والتشرد في منافي الإذلال

جلس الكاتب العاطل عن العمل

منذ ولادته القيصرية

فكراً، ممارسة وإبداعاً

في إحدى زوايا المقهى

الواقع بين القلعة ومنارة اربل

وهو يتحسس جيوبه النظيفة

والفارغة إلا من قلم ومناديل ورقية

جلس بعد انقضاء عشرين شهراً بيروقراطياً

ذهاباً وإياباً

لاعناً، خائباً

بين وزارة الآغاوات والفروع الحزبية

الجيستابوية

إثر استبعادات قسرية

ذات أبعاد أخلاقية، ثقافية وفكرية

واستقطابات حزبية

بأهواء ونزعات شوفينية

جلس ينظر إلى الأعلام والإعلانات الضوئية

وإشارات المرور السياسية

ضوء أصفر ثم أصفر ثم أصفر..

لاشيء سوى الاصفرار

حتى باتت المدينة غارقة في الاصفرار

وجوه صفراء

أرقام صفراء

قاعات صفراء

أقلام صفراء

تقارير صفراء

جرائد صفراء

كتب صفراء

جمعيات صفراء

وزارات صفراء

مديريات صفراء

شركات صفراء

مقاولات صفراء

تهديدات صفراء

غزوات صفراء

بنوك صفراء

سيارات فارهات صفراوات

حتى شارات الأذرع صفراء

صفراء، صفراء، صفراء

النجدة.. النجدة..!

إني أغرق.

 



الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.