الأربعاء 29 يونيو 2022
43 C
بغداد

    مع كتابات.. فاطمة كرومة: الشعر هو الغدير الصّافي أرى من خلال صفحة مائه ذاتي

     

    “فاطمة كرومة” شاعرة تونسية، باحثة في القانون العام. أصدرت ديوان “أخطاء فادحة” وحاز على جائزة “الطاهر الحداد” لأدب المرأة سنة 2018، وصدر سنة 2019، وديوان “بلا فرامل تهوي في منحدر” صدر في 2022.

    إلى الحوار

    ** متى بدأ شغفك بالكتابة وكيف تطور؟

    – لشغفي بالكتابة بدايات كثيرة، ومثل كثير من الشّاعرات بدأ هذه الشّغف في الطفولة الباكرة منذ تعلّمي القراءة والكتابة وتعلّقي بهما، قرأت مبكّرا لكتّاب كبار عرب وأجانب، وجذبتني عوالمهم الصّاخبة والصّامتة في آن، وساهم تكويني الدّراسي الأدبي ثم الحقوقي في الحفاظ على هذه السُّكنى في عالم الكلمات قراءة وكتابة ونظما.

    ولم أسمح للواقع بتدمير علاقتي بالكتابة أو عرقلة تطويرها رغم محاولاته، بل طوّعته من أجل تطويرها، فلكلّ مرحلة قراءاتها واطّلاعاتها وملاحظاتها، لذلك أعتبر أنّ الحياة مسرح وقاعة سينما مفتوحة طوال الوقت، كتاب بصفحات لا تنتهي، وقصص نشهد بداياتها وأحيانا نهاياتها.. لتتطوّر الكتابة أثناء السّير بالتّوازي بين الحياة الخياليّة التي نحياها داخل كلّ كتاب، والحياة الواقعيّة التي نحياها مرّة واحدة لكن بولادات متجدّدة مع كلّ كتاب نقرأه، مع كلّ نصّ نكتبه أو نقوم بمحوه.

    ** ماذا يعني الشعر بالنسبة لك؟

    – دائما ما أعتبر الشِّعر مثل الحبّ يزورنا عندما لا نبحث عنه، وهو جلسة استماع للذّات، فلا أتخيّل وجودي من دون الشِّعر، خاصّة قراءته، وكلّما أردت التّخلّص من الضّغط وتشابه الأيّام ألجأ إلى دواوين الشِّعر أتصفّحها لأخذ نصيبي من الدّهشة.

    ** في ديوان “أخطاء فادحة” أحاسيس الاغتراب والهزيمة والحديث عن الحرب وعن حب غير مكتمل..هل أصبح الشعر مرآة الذات التي هزمتها الحياة الواقعية بمشاكلها؟

    – الفنّ سبيل الإنسان في الانتصار على هزائمه ومحدوديّته، والفنّان كائن تعتريه الهشاشة، وربّما كان من حسن حظّه أو من سوئه أن يكون فنّه وسيلته في تقبّل الهزائم بصدر رحب، وسلاحه في مواجهتها في تناقض مفزع. الشِّعر في ديوان “أخطاء فادحة” ليس مرآة فقط، بل الغدير الصّافي الذي أطلّ من خلال صفحة مائه السّاكن على ذاتي، وفوهة البئر التي عندما أصرخ فيها يرجع إليّ صوتي مع الصّدى، أرى انعكاس صورتي على السّطح، لكن أهدأ نفس وأصغر حصاة يمكن أن تموّه الصّورة فتستحيل مشوّشة ضبابيّة، وتضعني وجها لوجه مع شخص مجهول أحاول التعرّف عليه. مكنتني قصائد “أخطاء فادحة” من استحضار صوتي واستعادة علاقتي بالكلمات بعد فترة انقطاع عن الكتابة والذّات.

    ** في ديوان “بلا فرامل تهوي في منحدر” ما سر الإيجاز الشديد والتكثيف وهل تحاولين خلق لغة خاصة بك تتقنينها بعناية؟

    – أتمنّى خلق لغة خاصّة بي وأن أتقنها بعناية، أشتغل على ذلك باستمرار من خلال القراءة المتنوّعة والاستئناس بآراء الأصدقاء في ما أكتب، ولم يكن الإيجاز الشديد أو التّكثيف متعمّدا في ديوان “بلا فرامل تهوي في منحدر”، إذ تركت الحريّة التّامة للقصائد كي تتشكّل كما يحلو لها، ولاحظت عند رؤية الدّيوان ورقيّا أن بعض القصائد فقط امتدّت على أكثر من صفحة. ربّما انعكس ضيق التّنفس الذي عانى منه العالم – ومازال يعاني منه- زمن كتابة الدّيوان على طول أنفاسي في الكتابة، وربّما كان السّبب وراء ذلك هو الصّمت الذي أميل إلى اللّجوء إليه.

    ** في ديوان “بلا فرامل تهوي في منحدر” نشعر بالحزن والشجن وكذلك بعض الميل إلى الحدة والعنف في وصف معاناة الذات حدثينا عن ذلك؟

    – يصعب فصل اللّغة عن المعنى الذي أرادت إيضاحه، مثلما يصعب فصل اللّحن عن الكلمة في الأغاني التي اخترقت أرواحنا، فالتّعبير عن المعاناة أبلغ وأصدق بلغة تشبهها وأخرى تواجهها، وأحيانا تمكّن المفارقة التي تبنيها اللّغة من وصف الشّعور الذي يسكن القصيدة ومن استقباله من قبل أرواح أخرى.

    ** حصلت على جائزة الطاهر الحداد لأدب المرأة.. ماذا تحقق لك الجوائز وهل تدعم الكاتب في طريق الكتابة؟

    – الجوائز تساعد القارئ في رحلة بحثه عن الكتاب الجدير بالقراءة، أكثر من دعم الكاتب في طريق الكتابة. أثر نيل الجوائز بالنّسبة لي معنويّ بالأساس، قبل أن يكون أثرا ماديّا يؤثّر في طريق الكتابة أو طريقتها، الجوائز تحمّل مسؤولية لمن ينالها، فتضع الكتابة تحت المجهر لتُقيّم تبعا لذلك مرّات عديدة وبقسوة، مرّة لمحتواها، ومرّة لمدى جدارتها بالجائزة. كما يمكن أن تكمن خطورة الجوائز في الضّوء الذي يُسلّط على الكاتب وكتاباته ويَسرق منه عزلته، وقد يتحوّل الضّوء إلى محرقة.

    ** ما تقييمك لحال الثقافة في تونس وهل تدعم الكتاب الشباب؟

    – رغم عُلوّ سقف الحرّيات في تونس وما تمنحه من حرّية في التعبير والنّقد، ورغم استغلال هذه المكاسب في التّعبير عن رفض السّياسات الثّقافية التّقليدية المنتهجة، فإنّه يغيب التّفاعل مع الدّعوات المتتالية للإصلاح والنّهوض بالثّقافة، ويغيب التّعامل الجدّي معها.

    تعاني الثّقافة في تونس من عدم الثّبات على حال، تنتعش أحيانا وتنتكس أحيانا أخرى، كما تعاني من غياب رؤية واضحة وشاملة ومتكاملة بسبب المركزيّة المفرطة والبيروقراطيّة في اتّخاذ القرارات المتعلّقة بالقطاع الثّقافي، وعدم انفتاح وزارة الثقافة في تونس على بقيّة الوزارات كالتّعليم والتّعليم العالي والسّياحة..

    وهي ثقافة أشخاص وليست ثقافة مشاريع فنّية متواصلة في الزمن لها ما يؤسّس لها ويبرّرها، والدّليل على ذلك ندرة كلّ دعم للكتّاب الشّباب، وتطغى عليه المحسوبية في حال وجوده، ويكفي أن نشير إلى أنّ الكثير من المشاريع الثّقافية توقّفت بانسحاب أصحابها من مراكز اتّخاذ القرار ، أو اندثرت باندثار رغبة المشرفين عليها في استكمال تنفيذها، في قطيعة مستفحلة بين المشاريع والأجيال.

    ** هل واجهتك صعوبات في النشر؟

    – الصعوبات التي واجهتني في النّشر كان لها وجه إيجابي، مكّنتني رحلة البحث عن ناشر من المراجعة المستمرّة للكتاب وإعادة التّفكير في ما كنت قد كتبته. أعتبر أن تعطّل النّشر أحيانا نعمة، لكن الصّعوبات الفعليّة تأتي في مرحلة توزيع الكتاب فالنّاشر يكتفي بطبع الكتاب والمشاركة به في بعض المعارض، دون أيّ مجهود لتوزيعه وتقريبه من القارئ، وهذه الإشكاليّة لا يتحمّل النّاشر التونسي وحده مسؤوليّتها، بل وزارة الثّقافة أيضا، فلا يحظى ترويج الكتاب داخل وخارج تونس باهتمامها، لكن رغم كلّ عيوب منظومة النّشر، لا يمكن إنكار فضل بعض المبادرات الفرديّة للفاعلين في القطاع الثقافي من كتّاب ونقّاد وبعض دور النشر، ومجموعات القراءة.. في إيصال صدى الكِتاب إلى أكبر عدد ممكن من القرّاء داخل البلاد وخارجها.

    ** في رأيك هل تختلف كتابة الشعر عند الكاتبة عن الشعر لدى الرجال وما هي الاختلافات؟

    – تعرّفنا الكتابة على الآخر المختلف عنّا بجنسه أو لغته، أو انتمائه الجغرافي.. وتمكّننا من تقمّص نظرته أحيانا، أو البناء انطلاقا منها، أو تجاوزها أحيانا أخرى. الاختلاف مثمَّن في الكتابة، فالمرأة أو الرجل يحكي كلّ منهما عن عالمه الخاص، وعن الآخر في عالمه، الكتابة مرآة يظهر فيها عالم كاتِبها، واختلاف العوالم أو تشابهها، يحقق للشّعر استرساله في الزمان والمكان، اكتماله وتناقضه الذي نحتاجه.

    ** ما حكاية عملك في مجال الترجمة؟

    – هي حكاية بالفعل. كنت أتهرّب من كلّ ما يمكن أن يسحبني من الشِّعر والصَّفاء الذي يتطلّبه، لكن قراءتي لقصائد بديعة بلغات أجنبيّة وتصوّري لها مترجمة إلى لغتنا العربيّة نداء لا يمكنني مقاومته. ولا أمارس الترجمة كعمل بل كهواية، إذ دفعتني مشاركتي في ورشات ومشاريع ترجمة إلى التعلّق بهذا الفنّ وما يفتحه من أجنحة للقصيدة وشاعرها، فأصبحت التّرجمة حاجة ملحّة مثل الكتابة والقراءة، حاجة لاكتشاف عالم شاعر مّا ولعب دوره داخل قصيدته وإعادة كتابتها بلسان عربيّ مع الحفاظ على أجراسها وعلى أكبر قدر من سحرها في لغتها الأمّ، وهنا يمكنني استعارة عبارة الكاتبة البريطانية “آيريس ماردوخ :”أستمتع بالترجمة، إنها مثل فتح المرء فمه وسماع صوت شخص آخر يصدر منه” .

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا