مع كتابات.. سعد سعيد: أعيش في عالم روايتي الذي أقيمه بنفسي وأحاور شخصياتي

السبت 18 أيار/مايو 2019
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

 

خاص: حاورته- سماح عادل

“سعد سعيد” كاتب عراقي، ولد في مدينة خانقين التابعة إلى محافظة ديالى شمال شرقي بغداد، وأكمل دراسته الابتدائية فيها. انتقل عام 1971 إلى بغداد العاصمة حيث أنهى دراسته المتوسطة والإعدادية فيها. درس في كلية الإدارة والاقتصاد في الجامعة المستنصرية التي تخرج فيها عام 1978 ليبدأ خدمته العسكرية الإلزامية التي تسرح منها في عام 1980، ولكن قيام الحرب العراقية الإيرانية أرغمه على العودة إلى الجيش لأداء خدمة الاحتياط التي استمرت حتى بدايات عام 1989، حين تسرح وبدأ بالانخراط في العمل الحر. كان حلم الكتابة يراوده منذ طفولته، وفي عام 2000 توفرت الظروف التي جعلته يعود إلى حلمه القديم فكتب روايته الأولى “الدومينو”. اندفع بعدها في ممارسات كتابية شملت تأليف حلقات إذاعية، وقصص أطفال وسيناريوهات أفلام تسجيلية.

أعماله:

  • “الدومينو”، 2007.
  • “قال الأفعوان”، 2009.
  • “يا حادي العيس”، 2010.
  • “فيرجوالية”، 2012.
  • “ثلاث عشرة ليلة وليلة”، 2013.
  • “هسيس اليمام”، 2015.
  • “انسانزم” 2017.
  • “كواليس القيامة” (مجموعة قصصية)، 2008.

إلى الحوار:

(كتابات) متى بدأ شغفك بالكتابة، وكيف تطوّر؟

  • أما عن الكتابة كفعل، فأنا بالحقيقة لا أستطيع أن أتبيّن متى بدأ اهتمامي بها من بين ركام الذكريات الهائل الذي تجمع عندي بعد كل تلك السنين التي عشتها، ولكنني أشعر الآن كأنني كنت أكتب طوال عمري، ولا يخطر ببالي أبدا أن أسأل متى بدأ الأمر، ولكن إن كان السؤال عن الكتابة الأدبية تحديدا فأنا أستطيع أن أذكر بأن أول قصة، أو لنقل محاولة قصة، كانت وعمري تسع أو عشر سنوات، وكانت محاولة نشر في محلة “ميكي” المصرية التي كنت مولعا بها، وطبعا لم تنشر القصة، ولكنني تسلمت رسالة شكر وتقدير من السيدة رئيسة تحرير المجلة في حينها، وكان هذا أمرا كبيرا لطفل بذلك العمر، واستمرت بعد ذلك علاقتي الوثيقة بالكتابة.

أما كيف تطورت، فالمؤكد هو أن للقراءة المستمرة، المنتقاة والواعية أثر كبير في تطوير ملكة الكتابة في داخل الشخص، ولكنها لن تتطور بحسم إلا حين يبدأ المرء بالكتابة فعليا وبغضّ النظر عن النتائج المترتبة عليها، فالقراءة وحدها لا يمكن أن تطور الكتابة، فهما مهارتان منفصلتان داخل الإنسان، ولكل منهما شرط تطورها الخاصة.

(كتابات)  في رواية “صوت خافت جدا” كيف استطعت تمثل شخصية الفتاة وفهم رؤيتها عن الحب والحياة؟

  • بالحقيقة أنا لا أعرف كيف، بل أعرف فقط أن هذا الموضوع كان من اختياري أنا، وكنت ملزما بالتعبير عنه بأفضل طريقة ممكنة وإلا لما كنت كاتبا، لم يكن الأمر سهلا بكل تأكيد، ولكن كان لا بد من أن أكون بمستوى المهمة التي ألقيتها على عاتقي، وإلا لضاعت الرواية، وعلى العموم فإن الأنثى ما هي إلا إنسان يعاني كالذكر تماما، فقط هي تختلف عنه في وقع الأشياء على نفسها بسبب الفارق في طرق التفكير والتفاعل، فإن أخذنا عدم عدالة المجتمعات الشرقية بعين الاعتبار فإننا سنستطيع بكل تأكيد أن نفهم معاناتها ونستنطقها بطريقة تمكنّنا من شرحها بالتفصيل على ظهر الأوراق، وهذا ما حدث في الرواية كما أعتقد.

(كتابات) في رواية “صوت خافت جدا” رصدت بطالة النساء والصعوبات التي تواجههن في مجتمع مليء بالصراعات.. حدثنا عن ذلك؟

  • في ظل انتشار الفقر والحاجة في مجتمعنا كما هو واضح، فإن حاجة الفتيات والنساء إلى العمل ستكون حقيقة واقعة، خاصة بعد فقدان المعيل التقليدي، وأيّ مراقب بسيط لما يدور يمكنه أن يتأكد بأن المرأة العاملة، خاصة في المشاريع الخاصة، ستتعرض إلى كل أنواع التحرش الجنسي، بسبب الكبت والحرمان اللذين يولدان رجالا لا قبل لهم بمقاومة أثر الرغبة الجنسية عندهم حين تستثار، وهل هناك أكثر إثارة للرغبة الجنسية لإنسان مكبوت، من فتاة محتاجة في مكان يمكن أن يؤمن الخلوة والفرصة للتنفيس؟! فريسة سهلة، والطامع بها لن يتوقف حتى ينال منها وطرها، ليتركها ويذهب باحثا عن غيرها من تعيسات الحظ اللواتي شاءت أقدارهن أن يكنّ تحت رحمة العوز المادي، وبالتالي تحت رحمته، وهذا ما حدث مع بطلة الرواية التي رفضت كل تلك المحاولات، ودفعت ثمنها بالتالي في انتقالها ما بين مهن متعددة.

(كتابات) في رواية (هسيس اليمام) امرأة متعددة العلاقات، برغم ذلك لم تدِنْها الرواية وإنما رصدت ما بداخلها من مشاعر وأفكار ومبررات نفسية وعقلية.. حدثنا عن ذلك؟

  • أمر طبيعي جدا ألا تدين الرواية أحدا ولا أن تمجده، فواجب الرواية هو عرض الحقائق بأفضل طريقة فنية ممكنة، من دون التورط بجعل الآراء الشخصية تتدخل في تحديد ملامح أو نقد تصرفات الشخصيات داخل الرواية، فالكاتب مؤتمن على الحقيقة داخل النصّ، وليس مراقب أخلاق يحاول أن يؤثر على انطباعات المتلقي أو طريقة حكمه على الشخصيات والأحداث، هو راوٍ فقط ويجب أن يترك أمر الحكم على الأشياء للمتلقي الفاهم الذي سيعرف بكل تأكيد غرض الكاتب من نصّه، إن كان الأخير صادقا بالفعل.

(كتابات) هناك اهتمام كبير باختيارك لعناوين رواياتك.. هل هذا صحيح؟

  • لا، ليس صحيحا فأنا لا أعطي للعنوان أكثر مما يستحق أبدا، فهو مجرد إشارة إلى متن النصّ، ولا يتعدى دوره الفني غير أن يعطي دلالة لثقافة الكاتب وصدقيته حين يكتشف المتلقي أن العنوان كان يشير بالضبط إلى صلب الموضوع الذي تناقشه الرواية، وغير أن يكون العنوان جميلا، فلا أهمية أخرى تضاف إليه.. أنا أعرف بأن ضجّة ستحدث حين يقرأ الحداثويون جوابي هذا، ولكنني لن أقول غير أن هذا رأيي، فهلا سمحتم لي به.

(كتابات)  في رواية “إنسانزم” هل قصدت أن ترصد رؤية الحيوان للإنسان ووحشيته؟

  • الحقيقة هي أنني أؤمن بأن الإنسان أكثر وحشية مما يوحي به مظهره، ومصدر خطورة وحشيته هو إنها مدعمة بعقل منطقي يراقب ويحلل ويختار ويقرر وهو ما لا تتمتع به بقية الوحوش في العالم، ولكن الذي وددت قوله هو إنني لم أحاول رصد رؤية الحيوان للإنسان، فالحيوان حتى إن رأى البشر فإنه لا يستطيع بمحدودية عقله أن يسبر أغوار الإنسان العميقة بسبب تعقيده وغموض طبقات وعيه بالنسبة للمراقب الخارجي.. الذي أردته من الرواية هو عرض شكل الإنسان العادي على إنسان يقترب من درجة النقاء الحيواني، ولعدم وجوده على أرض الواقع، اضطررت لصنعه من خلال “تيمو” بطل الرواية، فحينها فقط ستتاح لنا الفرصة لخوض حوار مفتوح قد يعطي لكل ذي حق حقه.

(كتابات)  في رواية “انسانزم” رصد لتفاصيل يومية عن الحرب.. هل تشعر بأن تسجيل تفاصيل الحرب جزء من تأريخ لأحداث هامّة أثّرت في المجتمع العراقي؟

  • الذي لا شك فيه هو أن تلك الحرب الطاحنة والطويلة كان لها بالغ الأثر في المجتمع العراقي لأنها نخرت به عميقا، وما زلنا نعيش تداعياتها حتى لحظتنا الآنية هذه، ولكن لا يجدر بالرواية أن تكون مجرد رصد لتفاصيل ما حدث، فبعد أكثر من ثلاثين عاما على انتهائها، لم يعد شيئا خافيا على أحد، كما أنه ليس من واجبها تحليل مسبباتها، أو حتى إفرازاتها، فتلك من واجبات الدراسات النفسية والاجتماعية التي لها خبراؤها.. الرواية حسب اعتقادي يجب أن تتصدى لأثرها على النفس الإنسانية على مستوى فردي وجماعي وبعيدا عن التورط في الجوانب السياسية لها، والأهمّ من كل ذلك أنها يجب أن تكون غير منحازة أبدا، فواجب الرواية الأهمّ هو حياة الإنسان، وروحه، من دون تمييز.

 (كتابات)  هل كثرة أعداد الروايات العراقية التي تناولت الحرب لا تفسد حقيقة أن الكتابة عن الحرب مازالت تحتاج للمزيد؟

  • هي كثيرة بالفعل، ولكن السؤال الأجدر بالطرح هنا هو، ما أهمية ما كتب؟.. طبعا أنا لن أتبرع بالإجابة على هذا السؤال لأنه ليس من واجبي، ولكنني أستطيع كمتلقٍ أن أقول، بأن ما قرأته منها لا يمكن أن يعتدّ به بسبب نقص الخبرة أو الموهبة وهيمنة الافتعال واعتماد المصادر غير الموثوقة فيها، أنا أستطيع أن أزعم وبراحة ضمير أنني لم أقرأ نموذجا واحدا يمكن أن يبثّ في داخلي الأمل بأن نقرأ يوما ما رواية حقيقية عما حدث في تلك السنوات المجنونة.. أنا أعرف بأن الأمر ليس سهلا أبدا، فبعد توفر الموهبة الحقيقية يجب على الكاتب أن يستوعب تلك التفاصيل التي يجب أن تكون حقيقية، لا أن تكون معتمدة على إشاعات أو قصص شعبية متداولة، قبل أن يحاول كتابة رواية عنها، والأهمّ من ذلك، يجب أن نعترف بأن الجوَّ العام غير مهيأ بالمرة لتقبل رواية منصفة عن الحرب تعطي لكل ذي حق حقه.

(كتابات) ما تقييمك لحال الثقافة في العراق، وهل يمكن الحديث عن نهضة ثقافية؟

  • أنا لا أرى نفسي مؤهلا للإجابة عن مثل هذا السؤال، فمثله يحتاج إلى خبراء وأساتذة وأكاديميين يعرفون ما يفعلون ويعطون الأمر حقه من الدراسة والتمحيص قبل التورط في إعطاء آراء وأحكام قد تكون بعيدة عن الصواب تماما، ولكنني أستطيع أن أخمّن استدلالا بالفوضى العارمة التي تضرب في أعماق المجتمع العراقي بسبب تخبط الدولة وعدم قدرتها على إدارة ملفاتها بكفاءة، بأن الوسط الثقافي في العراق ليس بخير حاليا، بل كيف لنا أن نتوقع بأنه بخير في ظلّ التدهور الحاصل في جميع مفاصل المجتمع في حال لا يمكن أن يسرّ صديق، ولكنه بالتأكيد يسرّ الأعداء.

أنا لا أريد هنا أن أنتقص من قيمة المثقف العراقي، ولا أن أنكر وجوده، فأرض مثل العراق لن تعجز يوما عن ولادة المثقفين الحقيقيين والعقول المبدعة، ولكن ما فائدة وجودهم في وسط طارد لهم بسبب هيمنة الأدعياء والمنتفعين فيه، فحين تختلّ الموازنة في مثل الأوساط فإن النماذج السيئة ستطرد النماذج الجيدة التي لا يريدها الساسة المرتشون ولا أرباب الفساد الذين يكادون يخنقون كل أوجه الحياة في هذا المجتمع المسكين المبتلى بوجودهم.. وبعد كل هذا، هل سيكون أمرا منطقيا أن نتحدث عن نهضة ثقافية الآن؟!.. دعونا فقط نوقف التدهور أولا، وبعد ذلك نفكر بأمور أكثر إيجابية.

(كتابات) هل واجهتك صعوبات ككاتب، وما هو جديدك؟

  • أمر طبيعي جدا أن أواجه ككاتب صعوبات جمة في طريقي وأنا أحاول أن أنفّذ مشروعي الروائي، وإن حاولت أن أدخل بالتفاصيل فإنني سأحتاج إلى مساحات واسعة لن تسعها جرائد أو مواقع إلكترونية، ولكن عموما أستطيع أن أذكر أمرين مهمين يدخلان في إطار الصعوبات، وأولهما شرطي: المجتمع الذي هو أقسى وأشدّ ظلما حتى من الرقيب الفكري والسياسي الذي كان موجودا، وهذا يمنع الكُتّاب من التصدي للمواضيع الأهمّ التي يمكن أن تفيد المجتمع وتساهم في تطهيره من أسباب التخلف والجهل عسى أن يكون لديه أملا بالتطور والخروج من حالة القهر التي تكاد تقضي على أمله برؤية غد أفضل.

والثاني شخصي بحت، فأنا لكي أكتب رواية تستحق التقدير، يجب علي أن أعيش في عالمها الذي أقيمه بنفسي، أن أحاور شخصياتي، وأستشيرهم أو أن أكبح جماحهم، وبالتأكيد لا أستطيع أن أفعل هذا إن لم أعش معهم في عالمهم، ولكن العيش في عالم خيالي يتقاطع بشدة مع العيش في عالم واقعي يفرض عليك التفاعل وأداء واجباتك كربّ أسرة أو شخص اجتماعي يجب أن يتواصل مع الآخرين الذي يهمونه ويحبهم.

أما عن جديدي، فلديّ رواية جاهزة للطبع، وأخرى أعمل عليها حاليا.

 

(كتابات) هل تفكر بالنقاد وأنت تكتب روايتك؟!

  • هذا خطأ لن أرتكبه يوما، فأنا لا أسمح لأحد بأن يتدخل في نصي وأنا أرسي بنيانه، وبعد أن أكمله، وقبل اتخاذ قرار الطبع، أعرضه على قرائي المعتمدين لأسمع منهم وآخذ بالآراء التي تقنعني، ولكن لن يتخذ قرار النشر في النهاية غير القارئ المحترف في داخلي.. ثم عن أيّ نقد ونقاد نتحدث ونحن في خضمّ هذا البحر اللجب من الاختلاف والصراع والتخبط الذي يعمّ هذا الوسط المهم جدا لتطور الرواية في العراق، ولكن أين هو من ناحية عملية؟!

جزء من رواية هسيس اليمام ..

تساءلت مع نفسها:

  • “من أين تأتي أنامله بكل هذا السحر؟”

كانت مستسلمة له كليا وهو يداعب جسدها الملتهب.. تتطلع إليه، فتشعر وكأنه ليس حقيقيا.. بل لعله بدا لها حقيقيا أكثر من اللازم!.. حاولت جاهدة أن تستجيب لرفضها الكامن في أعماقها، ولكن ولعها المفاجئ به، وأصابعه الماهرة التي تعتصر اللذة من كل خلية في جسدها تلامسها، كانا يمنعانها.. لامس خديها وعنقها.. داعب ثدييها وحنّت أنامله على حلمتيها، ثم انحدرت ببطئ، فانبجست لذة عارمة من المكان الذي ظنت أنه واصل إليه.. شعرت بخوف ففكرت بأن تطلب منه التوقف، ولكنها عجزت عن أن تنطق بالكلمات اللازمة.. فكرت بنهاية تلك الملامسات فعرفت أنها واصلة الذروة التي حرمت منها طويلا، في تلك الليلة.. تذكرت مناكدات صديقتها هديل، ففكرت مع نفسها “(بس لا يشوف مخطان الشيطان هناك!)”.. ولكنها ولدهشتها، راحت تصيح بشكل محموم:

  • استمر.. استمر.. استمر حبيبي.

عدّلت جسدها لتتخذ الوضعية المناسبة، وأغمضت عينيها، ولكنها شعرت فجأة بغياب أثر أصابعه على بشرتها المتحفزة، أدركت أنه سيتوقف فصاحت:

  • لا تتوقف ماهر أرجوك.. استمر.. انقذني فأنا في ورطة.. هيا تابع.. استمر.. أقوى.. أقوى.. ألذ.

أمعنت اصابعه في الغياب، ففتحت عينيها، ولكنها لم تره.. كسر بصيص النور المتسلل من بين ستائر نافذتها شوكة الظلمة المحيطة بها فأدركت حقيقة الموقف.. شعرت باحباط لأنه لم يكن أكثر من حلم، ولكنها سرعان ما تمالكت نفسها وأرغمتها على أن تسعد لأن الأمر لم يكن حقيقة.. كانت مغطاة بالعرق، فبذلت جهدا حتى تنهض من سريرها وهي تقول لنفسها:

  • أبعد كل تلك السنوات تريدين أن تسقطي هكذا يا سلمى.. تبا لك.

أنارت الغرفة وتوجهت إلى (لاب توبها) الرابض على المنضدة الوحيدة في الغرفة.. فتحته فبدأت الشاشة تعمل حتى اكتملت صورتها.. ضغطت على أيقونة (الفيسبوك).. بحثت بين الرسائل حتى ظهرت آخر (دردشة) لها مع ماهر في تلك الليلة قبل أن تنام.. قرأت لبعض الوقت فشعرت بالحرج.. ضغطت على اسمه في أعلى النافذة فظهرت صفحته الشخصية.. بحثت في الاعدادات حتى ظهر لها خيار الحظر فضغطت عليه بالمؤشر.. أغلقت الشاشة وتنفست الصعداء.. نهضت وهي تخاطب شبحا:

  • أتريد أن تلعب دور الشيطان معي وأنت بسن ولدي.. مع السلامة.

عادت إلى الفراش لتضطجع عليه.. استعادت ذكرياتها مع زوجها الراحل، فاشتاقت إليه.. اشتاقت كثيرا، ولكن صورة هديل سرعان ما تدخلت، فارتبكت الصور في مخيلتها!.. تداعت مع الأفكار حتى قالت لنفسها “أكبر دليل على شكوكي هي الدموع الغزيرة التي سفحتها عليه أمامي خلال المأتم”.. ولكنها سرعان ما استدركت قائلة لنفسها “ولكن أليس هذا هو أيضاً دليل على مدى وفائها لي؟!”.. عرفت أنها لن تصل إلى نتيجة هذه المرة أيضاً، فنهضت للتوجه إلى الحمام، حيث جعلت المياه المنهمرة تزيل لزوجة العرق عن جسدها.. ارتدت ملابسها وخرجت.. مدّت سجادة الصلاة بالاتجاه المطلوب.. صلّت ركعتين قبل أن تجلس على السجادة وهي تردد الأدعية منتظرة سماع صوت الأذان لأداء صلاة الفجر.

…….

آه يا موتي العزيز لو تدري كم جاهدت نفسي لكي أتفادى ذكره مرة أخرى في مذكراتي هذه، ولكنني فشلت.. فشلت بامتياز، وأنا سعيدة لذلك.. فما نفع حياتي إن لم يكن يزينها هو.. فشلت وهأنذا أذكره الآن لأن وجهه ملأ عليّ حياتي حتى لم تعد ذاكرتي تستطيع أن تعاود نشاطها قبل المرور بملامحه حال استيقاظي من النوم كل يوم.. عجيب كيف يمكن لشخص أن يستحوذ على ذاكرتنا بهذه الطريقة.. ولكنه الحب أليس كذلك؟.. هو الحب بكل تأكيد، وأنا أحببته بالفعل.. أحببته بطريقة لم تخطر لي ببال يوما، ولكنها حدثت.. أنا ما عدت أطيق حياتي إلا لأنه موجود فيها ولا أريد شيئا من حياتي لأن وجوده بات يكفيني.

ولكن ما الذي أردت قوله؟.. آه تذكرت.. أردت أن أتحدث عنك يا حيّان.. من أين ظهرت لي؟ وكيف أمكن لذلك التافه أن يدخل ملاكا مثلك إلى حياتي؟.. ولكن هذا ما حدث، ولا أعرف ما فائدة السؤال ما دام الأمر قد حصل بالفعل!.. أنا ممتنة للظروف التي جعلتك تظهر في حياتي، بل أنا ممتنة حتى لعوّاد لأنه اصطحبك إليّ.

نعم يا موت، أنا أحبه.. أحب حيّان.. أحبه بطريقة لم يخطر لي ببال أنني قادرة عليها وأنا اللاهية العابثة كما كنت أتصور نفسي.. ولكنني قدرت، وهأنذا استطيب الحياة لمجرد أنها تعدني بلقياه بين الحين والآخر.. آه يا موت، ما أحلى الحب حين يتملك علينا مشاعرنا.

تبا لهذا النسيان.. قبل أن أبدأ، يكون وجداني مثقلا بالأفكار، ولكنني ما أن أمسك القلم حتى تتطافر الأفكار مبتعدة عني وابقى أتطلع في أوراق هذا الدفتر ببله.. لم يحدث هذا لي يا موت؟!

فاجأت أهلي تماما.. وما أدراك ما أهلي.. هم الذين ابتلوني ببعلي.. بئسا له من رجل.. فاجأتهم بأن قررت في اليوم التالي من لجوئي إليهم بعد طردي من بيتي، أن أتحجب.. أبي لم يتقبل الأمر طبعا، ولكنه لم يستطع منعي من تنفيذ قراري على الفور.. عدت إلى الحجاب كما فعلت تماما يوم عاقبتني أمي ذلك العقاب الرهيب.. آه يا موت، لماذا عاقبتني بهذه الطريقة.. أجبني يا موت.. لماذا؟!.. ولكنه كان رهيبا وأنا كنت مجرد طفلة!

لا تسويغ عندي للأمر يا صديقي فهكذا كنت أواجه الأمر كلما شعرت بالذنب لأمر ارتكبته ولطالما صليت ركعتين.. أو حتى صليت لأيام كلما شعرت بأنني قد اقترفت شيئا سيئا.. ثم أعود إلى سيرتي الأولى.. أنا يا صديقي بامكاني أن أكذب على الكثيرين فأنا ذكية.. ذكية أكثر مما يتصور المحيطون بي.. كذبت عليهم ونجحت، ولكنني لا أود أن أكذب عليك.. الدين لم يكن خيارا لي يوما، ولكن يبدو أنني كنت ألجأ إليه كلما سدّت الأبواب في وجهي.. هذا ما يبدو لي الآن.. أنا أعاني يا موت كثيرا من أجل التركيز وتذكر ما أريد قوله فسامحني إن أغفلت بعض الأشياء لأنني على يقين من أنك ستفهم ما أريد قوله بالضبط.. هل كنت أعي ذلك في حينها، أنا لا أذكر الآن، ولكن الخيار السماوي لم يكن خياري الروحي دائما.. هذا ما أنا متأكدة منه الآن.

المهم.. (تحجّبت) وبدأت حملتي الايمانية الخاصة، تزامنا مع العامة، أقصد حملة الدولة، باصرار، وأنا أحاول بأقصى طاقاتي أن أحقق مخططي للخلاص من هذا الـ(عوّاد) الذي ابتليت به، ولكنني لم أجد إذناً صاغية عند أحد.. بل أن الحقيقة هي أن الرياح بدأت تهبّ عكس ما تشتهيه سفني ومبادرات الوساطة المعتادة تنهمر.. آه كم أكره الآخرين حين يحشرون أنوفهم فيما لا يعنيهم وهم يتصورون أنفسهم يعملون خيرا!.. أصبح تواتر الضيوف على بيت أهلي بغية اصلاح الأمر كما يدّعون من الأحداث المعتادة حتى اضطررت للرضوخ للمطلب العام بالعودة إلى زوجي، خاصة أن حنيني ولهفتي إلى ولدي الذي حرمني الظالم من رؤيته طوال المدة التي قضيتها عند أهلي، قد أضنياني.

نسيت أن أخبرك يا موت.. مؤخرا بدأت أشعر بأن هناك من يراقبني ويعدّ علي خطاي.. من يكون، لا أعرف.. ولكنه يمكن أن يكلف أحد بفعل ذلك لأنه لم يكفّ يوما عن الشك بي، ولكنني لن آبه.. ليفعل ما يشاء.. المهم، حين عدت إليه بعد تلك المشكلة الكبرى، فرح بي.. كان ذلك واضحا عليه رغم تصنعه عدم الاهتمام، وحينها فقط اكتشفت أن خياله لم يسعفه في تصور أن ما حدث مع سرمد يمكن أن يتعدى فكرة أننا تبادلنا البطاقات، أو حتى الرسائل، فحسب.. حب افلاطوني يعني.. يا للمسكين!، ولكن هذا كان ما طيّب خاطري في حينها، وأعاد إلي شجاعتي وثقتي بنفسي وهو ما سمح لي أن أصرّ على مواقفي معه، فقد عدت مع يقين كامل بأن حياتي مع هذا المخلوق لا يمكنها أن تستمر إلى ما لا نهاية، فقد قضى بجبنه الذي عبّر عنه في أول مواجهة مصيرية له معي على أي أمل في أن تتحسن علاقتنا المتهاوية، يوما.. كنت قد انتهيت منه نهائيا في داخلي ولكنني لم أكن أعرف كيف يمكن أن أتصرف في قضية ولدي الذي حرمني منه طوال المدة التي قضيتها في بيت أهلي.. لم أكن قادرة على تكرارها، وهكذا أجبرني ولدي على أن أتحمله وإن على مضض.. بعد العودة، عشنا أياما عصيبة تعددت فيها شجاراتنا بسبب رغبته بي.. كان يريدني، ولكنني لم أستسغ أبدا فكرة أن أجدني بين ذراعيه مرة أخرى.. حاول وهدد وغضب.. بل أنه تجرأ على ضربي مرة أو مرتين، ولكنه لم ينل شيئا حتى أسقط في يده، فقرر فجأة أن يعود إلى عمّان لكي يهتم بأموال الأسرة كما قال في أول مرة.

آه يا موت، كيف يمكن للبعض أن يكرروا أخطاءهم بهذا الاصرار الغريب؟.. بدأت أتعب كثيرا وأعاني في الكتابة لك يا عزيزي لاضطراري للعودة إلى ما سبق وأن كتبته مرارا وتكرارا كلما نسيت ما كنت في سبيلي إلى كتابته.. المهم، فبعد تجربته المريرة مع سرمد الذي لم أعرف ما حدث بينهما بسببي وهو صديقه المقرب، عاد وأصرّ على أن يكل أمري إلى واحد من أصدقائه، هذه المرة أيضا!.

سلّم (شحمته) هذه المرة إلى صديقه الطبيب لؤي، وذهب.. لؤي الذي نقل إليّ ذات مرة رسالة من سرمد المتوسل لاعادة العلاقات بيننا بعد الزلزال الذي حدث.. تصور يا موت، نقل لي رسالة من سرمد الغبي، فحدس، ومن يومها لم تسقط نظرة الاشتهاء من عينيه كلما رآني.. حاولت أن أتفاداه طبعا وأنا في خضم (حملتي الايمانية) ولكن ذلك كان مستحيلا بسبب قوة الروابط ما بيننا، فقد كان صديق عوّاد المقرب، ووصيّه علي.. وهو زوج صديقتي.. ملاكي.. الانسانة الأقرب إلى روحي.. سلمى.

بعد سفر (الشفيّه).. دأب لؤي على محاصرتي كلما حضر صباحا ليوصلني إلى المستشفى على أساس أن زوجي طلب منه أن يرعاني وان لا يجعلني محتاجة إلى شيء، كنت أرفض طبعا، ولكنه لم يكلّ، ولم يتراجع يوما.. حتى إنه لم يتورّع عن جلب زوجته التي أحبها وأولاده في زيارات مستمرة، فقط ليراني وليوصل اشاراته المتواصلة إليّ.

أتعرف يا موت كم أضحك على أفكار الناس الذين يتصورون أن الزانية تستيقظ صباحا فتقول لنفسها “أشعر بالملل.. اليوم سأزني”.. يتصورونها كتلة من خطيئة اتخذت شكل امرأة.. لا.. لا، أنا لآ أقصد أنني زانية، ولكنني أزعم أنني أفهم نفسيتها ولكن.. ألست زانية؟!.. آه يا موت أنا أحبك لأنني أشعر بعدم الحاجة لتسويغ شيء لك.. أنا لا أعرف لِمَ لا يتوقعون أن الزنا يأتي نتيجة لأشياء يومية معتادة أحياناً.. أو يأتي فجأة.. أو يحدث والمرأة لا تتوقعه.. متى يفهمون أن كيميائية المرأة تختلف عن فيزيائية الرجل؟! ولذلك تراها لا تغتصب الرجل كما يفعل هو معها.

حاصرني، ولكنني صمدت لأسابيع طوال، حتى كان يوم وجدته بانتظاري عند باب المستشفى عندما خرجت بعد انتهاء الدوام.. قال أن سلمى قد ألحّت عليه أن يمر عليّ ليأخذني معه إلى بيتهم لأتناول طعام الغداء معهم.. لم أشك به، ولكننا حين وصلنا إلى بيتهم لم نجدها هناك، فقال لي أنها قد ذهبت إلى بيت أختها لشأن خاص بها، وستعود قريبا.. لم أشك به مرة أخرى لأن أولاده كانوا يلعبون في الطابق الثاني.. وضعت ولدي الذي جلبناه سوية من الحضانة في سرير بعدما نام، وذهبت لأغسل وجهي، وأنا على المغسلة، شعرت فجأة بيد قوية تحيط بي، وأخرى تكمم فمي.. حملني وهو يهمس في أذني أن “لا تخافي أرجوك”.. حاولت أن أقاوم ولكنه كان أقوى مني بكثير.. لم أستطع أن أرفع صوتي وأنا أفكر بالفضيحة فيما لو رآنا أحد أولاده ونحن على تلك الحالة.. توسلت به أن يتركني بصوت هامس، ولكنه دخل بي إلى غرفة وألقى بي على سرير وسارع إلى قفل الباب بالمفتاح.. توسلت به.. هددته، ولكنه كان قد بدأ طقوس الأغواء التي لم أستطع أن أقاومها طويلا.. فاستسلمت.

هكذا ترى يا موت أن الرجال الثلاثة الذين عرفتهم قد بدؤوا علاقاتهم معي بالاغتصاب، حتى إنني بدأت أؤمن بأن الاغتصاب غريزة عند الرجل.. صحيح أنني وافقت على الاستمرار معهم، الأول لأنه زوجي.. (گوادي) طبعا.. والآخران لأنهما حققا لي اللذة التي كنت أفتقدها، ولكن ذلك لم يكن في حسباني لولا أنهما عبرا بي محنة التجربة الأولى بالاغتصاب، فالخطوة الأولى هي الأصعب دوما وما يحدث بعدها مجرد تحصيل حاصل.

(هاي شلون شغله ويه النسيان؟.. منا أريد أحچي، ومنا كلساع أنسى شأريد أحچي.. والله تعبت، وطگّت روحي.. يابه ديلله عليش مضوجه نفسي.. يا موت يا ذكريات.. طز بكل شي.. دروحووووووووووووووووو.)”.

 



الكلمات المفتاحية
الكاتب سعد سعيد

الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.