مع كتابات.. سامي الغباشي: القصيدة هي انعكاس شعري لاصطدامي مع الواقع ومعايشتي له

السبت 18 كانون ثاني/يناير 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

 

خاص: حاورته- سماح عادل

“سامي الغباشي”  شاعر مصري، عضو اتحاد كتاب مصر، من مواليد دمياط. تلقى دراسات حرة طويلة في النحت وحفر على الخشب، كما درس اللغة الروسية وآدابها بالمركز الثقافي الروسي بدمشق أثناء إقامته هناك للعمل والدراسة في الفترة من 1984- 1989. عاد إلى مصر عام 1989 ونشر أول كتاب بعنوان (فوق ذاكرة الرصيف). شارك في الحركة الأدبية بمصر منذ بداية التسعينيات وساهم مع آخرين في إصدار عدة دوريات لمتابعة (قصيدة النثر) في مصر و(جيل التسعينيات) مثل مجلة (تكوين 2000). له عدة مقالات منشورة عن النحت المصري المعاصر بعنوان (ذاكرة الإزميل).

أعماله..

  • فضاء لها ومسافة لي 1995.
  • هزيمة الشوارع 1998.
  • وتسميهم أصدقاء، الهيئة العامة للكتاب2002 .
  • رصيف يصلح لقضاء الليل، دار سنابل المصرية الإسبانية 2005.

إلى الحوار..

(كتابات) متى بدأ شغفك بالكتابة؟

  • كمعظم الأطفال الذين نشئوا في القرى كانت النشأة الدينية هي المسيطرة، فكان هناك “كتاب” يحفظ فيه الأطفال القرآن على يد شيخ مجيد لفنون التجويد، فحفظت الكثير من القرآن الكريم وفتنت بموسيقى اللغة وطاقات المفردات المنغومة وحركات الحروف والسكنات والتمثيل الصوتي للمعنى. ثم تسللت إلى حلقات المنشدين الصوفيين وقوافيهم ودندناتهم. وبعد ذلك وفى مرحلة أخرى تعرفت على فنون “العروض” وتمكنت منه وكنت من محبتي لإيقاع التفاعيل وتقسيماتها أتقصاها في خطواتي على الأسفلت وفى صوت شواكيش “النجارين والأويمجية”. كل ذلك بالتأكيد أضاف لي خبرة لغوية وموسيقية فريدة يفتقدها من لم يعترك مع هذه الحياة الصاخبة الثرية، ومن هنا بدأت الكتابة في شكل بدائي في البداية وتطور مع الزمن والتمرس.

(كتابات) ما هو الشعر بالنسبة لك ؟ وهل لابد أن يعبر عن المجتمع وقضاياه؟

  • القصيدة هي كتابة أتحرر بها وفيها من كل القيود والجدران، وفيها أسيطر تماما على رقباء الجمجمة والمنابر والمكاتب لذلك تجدني في الكتابة أمارس حياة صاخبة متحررة أوسع من طبيعتي المتدينة، فالقصيدة بالنسبة لي هي إرادة الحياة التي تشتبك بشراسة مع كل ما هو يقيني ومستقر، لذلك أستسلم لها وأحصد المشاكل. القصيدة هي انعكاس شعري لاصطدامي مع الواقع ومعايشتي له أو هي استخلاص أصوات عاقلة من فوضى الذات وتناقضاتها. لذلك لا تتوارى الذات، خاصة في قصيدة النثر، خلف المجازات بل تتجلى لتسمى الأشياء بأسمائها وتحتفي بتفاصيل اليومي كما هو. المهم هنا هو المهارة في اقتناص اللحظة الفاتنة من العادي والمألوف.

(كتابات) حدثنا عن تجربتك مع النحت منذ البداية؟

  • النحت بالنسبة لي هو معركة مع الكتلة والفراغ لصالح الجمال والفكرة، وقد مارست النحت كفن تشكيلي أشارك به في المعارض لفترة، ولكنني رضخت لسطوة الشاعر داخلي منذ البداية فتحول النحت في حياتي إلى “مشروع تجارى لإنتاج التحف”، ولكن خبرة النحت والاشتباك مع الخامات الصعبة والصبر عليها واستنطاقها أضافت الكثير لطريقة تعاملي مع اللغة والتشكيل بها في فضاء القصيدة.

(كتابات) حدثنا عن الغربة في تجربتك الشعرية ؟

  • الغربة إحساس أصيل في شخصيتي فقد رفضت اليقين العائلي وأنا في سن السادسة عشرة، فتمردت على محاولات رسم خرائط الرأس وسافرت إلى سوريا في هذا العمر للعمل والدراسة، بحثا عن براح يليق بمراهق مشاكس. ولذلك تجد ذلك الإحساس واضحا في قصائدي وبين السطور والغربة التي أقصدها هنا ليست اغترابا عن المكان وفقط، ولكنها غربة عن الذات وفيها وعن المحيطين بك والمقربين، هي غربة نفسية كنت أقرأ عنها عندما كنت صغيرا ولم أفهمها إلا عندما اعتركت مع الحياة بتفاصيلها وتناقضاتها وفى ديوانى “وتسميهم أصدقاء” تجد ذلك واضحا وقد كتب عن هذا الإحساس الناقد “أحمد لطفي رشوان”، دراسة فريدة بعنوان “انشطار الذات والبحث عن صيغة للتفاعل”.

(كتابات) في رأيك هل ما زالت قصيدة النثر تثير الجدل؟ وماذا تقول عن المعارك التي تثار كل فترة حول التفعيلة والنثر؟

  • آن الأوان أن نكف عن هذه المعارك المفتعلة لننظر بجدية ولنبحث عن “ماذا يقال فى هذا الشعر؟” في أي إطار كان، وبعيداً عن تشنجات أدعياء الحداثة وما بعدها، فواقعنا الآن يحتاج إلى قصيدة تحتفى بـ “الهنا” و”الآن” في انحدارهما المزعج نحو هاوية مجهولة بعيدة فصراحة ليس كل ما يقدم في القصيدة النثر جيدا، وليس كل ما يكتب داخل إطار التفعيلة رديئا، فهناك من يكتبونها جيدة.

كتبت قصائدي الأولى داخل الإطار العروضي الذي يعتمد على التفعيلة “كوحدة موسيقية” وداخل النسق اللغوي الذي يحتفي بالبلاغة التقليدية، وقد نشرت هذه التجربة في ديوانين بعنوان “فوق ذاكرة الرصيف”1991، و “فضاء لها ومسافة لي” 1995 ومنذ ذلك التاريخ بدأت “كتابة أخرى”  تتسلل إلى قناعاتي الشعرية على استحياء في البداية، وبجرأة شديدة بعد سنوات قليلة حين أفردت لها القسم الأول من ديوان “هزيمة الشوارع” 1998 وأقصد بهذه “الكتابة” قصيدة النثر كما أفهمها بعيداً عن غوايات المشاع الذي ازدحمت به الساحة.

وتدريجياً بدأت أتخفف من اللغة اليقينية المثقلة بالمجاز، لصالح لغة أكثر التصاقاً بكل ما هو بسيط وصادق، وبعيدا ً عن “دندنة” التفعيلة أو “أكروبات المجاز” وتعتبر قصيدة النثر هي الوسيلة التعبيرية الأكثر صدقا ً في ظل هذا الواقع المضطرب، لأن المسافة فيها تتضاءل بين التجربة “المعاشة” والنص ليصبحا كتلة واحدة قادرة على نقل شحنة الذات الشعورية بلغة تسمى الأشياء بأسمائها، ففي هذه القصيدة الأقرب إلى نفسي، أستطيع أن أتلصص على ذاتي في انقسامها وهزائمها واصطدامها بعالم الأسفلت والحوائط العالية والعلاقات اليومية الشائهة.

وفى ديوان الجديد “رصيف يصلح لقضاء الليل” قررت أن أتجاهل قليلا ً شروط المشهد الشعري التسعيني الذي أنتمي إليه والذي ينفى، بعصبية، كل قصيدة تكتب خارج “النثر” وجمعت في هذا الديوان قصائد النثر إلى جوار قصائد التفعيلة، بدون تقسيم أو فاصل بينهما، وتركت للملتقى الحكم على التجربة، واستثمرت إنجازات “قصيدة النثر” وجماليتها في قصائد اعتمدت على التفعيلة، واستحلبت كل التاريخ النغمي الخاص “بقصيدة التفعيلة” واستثمرته فس قصيدة النثر.

“فاليومي والمعيش والمشهدي والمفارقة والكثافة والتوهج” كل هذا يتوفر في قصائد الديوان سواء في التفعيلة أو النثر، فقد آن الأوان أن نكف عن هذه المعارك المفتعلة لننظر بجدية ولنبحث عن “ماذا يقال في هذا الشعر؟” في أي إطار كان، وبعيدا ً عن تشنجات أدعياء الحداثة وما بعدها، فواقعنا الآن يحتاج إلى قصيدة تحتفي بـ “الهنا” و “الآن” في انحدارهما المزعج نحو هاوية مجهولة بعيدة. وقد حاولت أن أمارس حريتي الإبداعية كاملة في هذا الديوان فجاءت قصائده صادقة وطازجة من وجهة نظر من أثق في أذواقهم، رغم وجود بعض الجرأة.

(كتابات)  تنتمي شعريا إلى جيل التسعينيات، حدثنا عن بعض سمات هذا الجيل؟

  • انتمى شعرياً إلى “جيل التسعينيات” كما يحب بعض النقاد أن يصنفوا أجيال الشعراء زمنياً، وهذا الجيل يميل، بحكم اللحظة المفصلية التي تفتح وعيه عليها اجتماعياً وسياسياً، إلى الفوضى وإلى تحطيم المستقر في الوجدان الجمعي، وتميزت تجربته بالجرأة في تناول بعض المسكوت عنه واجتراحه. وساعدت أوائل التسعينيات وفوران التنوير الجميع على هذه الجرأة فاستثمروها واستفادوا من هذا الظرف التاريخي.

وازدحمت الساحة الأدبية بشعراء حقيقيين و أدعياء لا رهان لقصيدتهم سوى أنها اجترأت على الله “الغيبى” رغم أن معركتهم الشعرية والإنسانية الحقيقية في “قصيدة النثر” كما أعلنوا عن أهدافهم في بداية التسعينيات، تدور وتشتبك مع اليومي والمعيش والإنساني و”الهنا- والآن” وقصيدة التفاصيل. وقد انشغلنا كثيراً بتأمين مصدات نقدية كافية لقصيدتنا حتى تحقق لها في أقل من عشر سنوات ترجمات ورسائل جامعية ناقشتها، ونقاد حرصوا على التواجد في دائرة الضوء المشاكس.

ولكن وبعد أكثر من عشرين سنة الآن ما زالت “الفوضى” وغياب الفرز الحقيقي للتجربة وما زال الأعلى صوتاً والأشرس في المقاهي والندوات والصحافة هم “الأكثر حضوراً” بغض النظر عن جدية مشروعهم الشعري وما أنجزته قصيدتهم. وجيل التسعينيات جيل مرتبك بحكم ظرف الظهور الذي صاحبه فهو بطبيعته المتمردة كان خارج حسابات المؤسسة الثقافية في هذه الفترة، ولكن الصخب وردود الفعل العنيفة دفاعا عن التواجد من هذا الجيل هو الذي أتاح الظهور القوى للنصوص الأولى الجيدة التي تحمل سمات التجربة التسعينية، من خلال مجلات الهامش كما كنا نحب أن نسميها ومطبوعاتنا، وكان لها بالغ الأثر في إثارة الراكد الجمالي المستقر ولفت النظر للجيد من نصوص هذه التجربة. وكنت دائما بالقرب من كل شعراء هذا الجيل وعلى صلة طيبة بهم لكن وبحكم طبيعتي المتمردة كانت لي عزلتي الخاصة وخصوصيتي، لذلك تجدني دائما بعيدا عن حسابات التواجد الجماعي ومكاسبه. وأنا مقل في الكتابة بطبيعة الحال فلم أتهافت لأنشر قصيدة أو كتابا وكتبت ما يخصني ويكفيني أن ديوان ك “وتسميهم أصدقاء” لا يذكر اسمي إلا مصحوبا بالأثر الطيب الذي أحدثه هذا الديوان في الوسط الأدبي.

(كتابات) ماذا تقول عن اهتمام النقاد بتجربة قصيدة النثر؟

  • في زماننا هذا يا صديقي لا يمكن تقييم المبدع من خلال التفات النقاد للتجربة أو الكتابة عنها، لأننا جميعا نعرف كيف تسير الأمور في شبكات المصالح، ونقاد كل الموائد أصبحت رائحتهم تزكم الأنوف، وإذا أردت أن تتقصى الظاهرة،فقط، قم برصد كتابات النقاد عن الأدباء الذين يعملون بالصحافة أو لديهم منابر “للسبوبة” وقارن ذلك بكتابات النقاد عن الأدباء الذين لا يملكون سوى نصوصهم وتجربتهم، وستجد عجبا.

وعن تجربتي فقد حظيت بعدة دراسات جادة من نقاد محترمين قاموا بالكتابة عن تجربتي بحياد مثل (د/ صلاح فاروق-  د/ مجدي توفيق- والباحث/ أحمد لطفي رشوان- د/ بهاء عبد المجيد) ومعظم النقاد يفعلون عكس رسالتهم في الحياة الثقافية لأنهم يتلمسون اتجاه الريح وبوصلة مؤتمرات “بدلات السفر والعطايا” ومدى ترحيب رؤساء التحرير بالكتابة عن فلان أو فلان. وهذا جعلهم تابعين لا طلائع مبشرين.

(كتابات) وماذا عن الممارسة السياسية في حياة الشاعر؟

  • الممارسة السياسية للأديب من وجهة نظري موقف شخصي وانحياز لقيم الحرية، ولا أعنى بالممارسة السياسية “التحزب” فهذه التجربة أتحفظ عليها كثيرا لأنها في الغالب تجعل من الأديب “بوقا كبيرا” وهو لا يدرى، فالأديب ينحاز طيلة الوقت لقيم الحق والخير والجمال والحرية وللإنسان أيا كان معتقده وعليه أن يمارس ذلك بحرية بعيدا عن أجندات الأحزاب حتى وأن تقاطعت الأفكار وتوافقت، فليكن حرا طليقا أفضل.

(كتابات) وماذا عن العزلة والتوقف عن النشر التي تتكرر كثيراً في تجربتك؟

  • في فترة ما قبل الثورة بسنوات أصاب الوسط الأدبي ما أصاب كل قطاعات الحياة في مصر من فساد وتواطؤات حتى تمييع المشهد الشعري، وأصبح التواجد إهدارا للكرامة والوقت، وكنت وقتها فعلا في حالة مراجعة لكل قناعاتي وأحتاج لعزلة أعود فيها لنفسي كما أحبها، ولأنفض ما علق بأخلاقي من غبار التصعلك في مصر وخارجها، ولكنني لم أتوقف عن الكتابة والتواصل مع أصدقاء تجمعنا مدارات الروح والشعر.

وأرى الآن أن الواقع قد اختلف كثيرا بفضل توافر شبكات التواصل الاجتماعي، فالأديب بطبيعته الثقافية والنفسية متفاعل وفاعل في الأحداث، وقبل ظهور شبكات التواصل الاجتماعي وانتشارها كان الأديب يجد ملاذه ومتنفسه في مقاهي المثقفين والمنتديات الثقافية، لتبادل الآراء وعرض وجهات النظر وتطبيق نظرياته وفرضها أحيانا، فكان دائما يقضى معظم يومه وسهراته خارج البيت، أما الآن فقد وفر “الفضاء الالكتروني” له براحه ومتنفسه وهو في بيته أو مكتبه، ليخوض من المعارك الأدبية والفكرية ما شاء ولينثر أفكاره بحرية ويدافع عنها في جريدته/ صفحته الخاصة فى شبكات “الانترنت”. وله حرية أن ينتقل من مجموعة إلى أخرى فالعالم مزدحم دائما في “الانترنت” بآخرين يشتركون معك، عكس حياة المقاهي التي كانت الخيارات فيها ضيقة. ففي هذا الفضاء الإلكتروني لا رقيب ولا حذف ولا انتظار موافقة للنشر، أنت تصنع فضاءك الحر وتستضيف فيه من تشاء، وفى سنين العزلة كما تسميها كنت موجود بكثافة على صفحات “الانترنت” بقصائدي وآرائي.

قصيدتين لسامي غباشي..

خبر وفاة مفاجئ على الفيس بوك

عندما

ينتشر خبر وفاتك على الفيس بوك

ستجد حتى القتله وحاملى الخناجر

يرفرفون حول اسمك وصفحتك كعصافير

وسيبحثون عن أي صورة معك

ليكتبوا فوقها

كم كنت جميلا جدا

أيها الرجل الطيب كسنبلة،

حتى فتاتك التي تركتك في ظلمة الفقد

منذ ثلاثين عاما

ستكتب على صفحتها (وداعا يا توأم الروح)

والمرابي الذي لجأت إليه يوما

لإنقاذ حياة ابنتك الوحيدة من الموت

واشترط ضعفين ليقرضك عاجلا

سيقيم مأتما في جلسته الأسبوعية

وسيرفع يديه عاليا إلى السماء ليدعو لك

وبالتأكيد لن يستجيب الله له،

عندما سينتشر خبر وفاتك على الفيس

ستبحث حبيباتك عن أي أسود محتشم

ليظهرن به في الندوات لمدة أسبوع على الأقل

رغم أنهن ساهمن في جلطاتك المتكررة

لكن للفقد غواية

وللموت سحر على القلوب

وحينها..

ستصبح جميلا جدا

وطيباً كسنبلة أساءوا لها

وأشعلوا القش بجوارها.

***

غرفتان متجاورتان في فندق لــ خجولين

___ 1 ___

هي الآن

تُطلق مُهرين على بستانك

تُحرر أحصنة جامحة

وتدعى أنها لا تراك

___ 2 ___

بالتأكيد… هي تعرف

أنك طيلة الليل تجلد شيطانك

تفجّر براكين اشتهاءاتك

وتبــرّدها بصوت المؤذّن

المرة تلو المرة ….

لكي تظل في عينيها الرجل النبيل .

____3 ____

في الصباح

سيحكى كل منكما للآخر ما كان

وستضحكان

وأنتما تتناولان وجبة الإفطار

وفى المطار

وعند الباب الأخير قبل الطائرة تحديدا

ستقول لها صراحة: بالأمس تشهيتك

وستقول لك بلا خجل: لماذا لم تطرق الباب.

 



الكلمات المفتاحية
الشاعر سامي الغباشي

الانتقال السريع

النشرة البريدية