الإثنين 28 نوفمبر 2022
15 C
بغداد

    مع كتابات د. فاطمة الشيدي.. الشعر رقصة في رحم الأم أو في حلم، أن تكون حرا حتى من ذاتك

     

    خاص: حاورتها- سماح عادل

    “د. فاطمة الشيدي” شاعرة وكاتبة وروائية عُمانية، حاصلة على درجة الدكتوراه في علم اللسانيات (البلاغة) و(الأسلوبية)، وتعمل حاليا خبيرة بوزارة التربية والتعليم، وأستاذ محاضر في الجامعة العربية المفتوحة.

    صدر لها العديد من الكتب الشعرية والنقدية، منها:

    1ـ هذا الموت أكثر اخضرارا/  شعر.

    2ـ خلاخيل الزرقة/  شعر.

    3ـ مراود الحلكة /  شعر.

    4ـ حفلة الموت/  رواية.

    5ـ المعنى خارج النص، أثر السياق في دلالات النص/  دراسة.

    6ـ ملامح النص الضوئي/ دراسة.

    7ـ سيميائية النص النسوي العماني/  دراسة.

    8ـ مساءلة خطابات التلقي/  دراسة.

    كان لي معها هذا الحوار الشيق:

    * بدأت الكتابة منذ حوالي عشرين عاما ولك حوالي 12 كتاب في مختلف المجالات ما بين شعر وسرد ونقد، فهل كان طريق الكتابة صعبا عليك ككاتبة؟

    –  لا يوجد طريق سهل في الحياة بشكل عام، الحياة رحلة شاقة، وكلما كانت الطريق خاصة كانت العقبات أكثر؛ فقط أستطيع أن أقول لك الآن أن الرحلة كانت وما تزال ممتعة، الإنسان الحقيقي هو محارب بالضرورة، أما الكاتب فهو محارب من طراز رفيع، محارب ضد كل شيء من السائد حتى السلطة، محارب ضد الظلم والقهر والجهل والجوع حتى النفس الأخير، محارب متجدد الأدوات حيث يطور أدواته باستمرار ويخلق أسلحته من تطور وعيه ونمو فكرة ونضجه في الحياة والكتابة معا، وهكذا كانت رحلتي مع الكتابة وضمن الوعي بأهمية الكلمة في التغيير، الرحلة التي بدأت قبل ذلك بكثير ولكنها تجلت للمتلقي منذ ٢٠عاما.

    *   ماذا يعني لك الشعر وهل يعبر شعرك عن لحظات من انهزام الذات في العالم الواقعي؟

    – الشعر بالنسبة هو جزيرة الخلاص وملجأ الحرية، الحالة التي أستطيع أن أكون فيها كما أنا، صادقة، عارية من الزيف والخوف وأخذ أي شيء في الوجود بعين الاعتبار، إنه رقصة في رحم الأم أو في حلم، أن تكون حرا حتى من ذاتك.

    ففي كل أنواع الكتابة الأخرى هناك مجال للتفكير، لإعمال العقل، للتبرير أو التسويغ أو المواربة لجرح ما أو هزيمة وجودية؛ ربما إنك تراعي الآخر بما له عليك من سلطة أو اعتبارات ضمنية سواء كان مؤسسة كالدولة والعائلة والدين أو فرد بحقوق المحبة والتقدير، وحده الشعر حل من ذلك، وحده الشعر يمنحك لذة الحرية ومطلق الخلاص في القول المتفرد والخاص.

    الشعر جنة الروح ونعيمها بكل أوجاعها وجراحها وآهاتها الناضجة بالتجربة والممتدة في الزمن والناخرة في العظم. إنه لذة الفتنة بكل المورق منها، وفتنة الالتذاذ بكل الهزائم والجراح بكل شفافية وصدق.

    *   في المجموعة الشعرية “كنت في البدء شجرة” ما سر علاقة المرأة بالطبيعة ولما تتواصل معها بشكل مختلف عن الرجل؟

    – سأخبرك عن علاقتي بالطبيعة كي لا أعمم؛ لأن النساء ليست كتلة واحدة أو ذات طبيعة واحدة وحتى الكتابات منهن لسن كذلك أيضا، ولأني بالطبع أعرف عن نفسي مالا أعرفه عن كل النساء.

    أحب الطبيعة وأنتمي لها لأنني جزء منها، فلا أؤمن بفوقية الإنسان على باقي الكائنات إلا فيما يتعلق بتطوره العقلي واللغوي الذي للأسف كثيرا ما استخدمه ضد نفسه وبني جنسه، وضد الكون الذي يعيش فيه، ولذا وكثيرا ما تكون عوالم الطبيعة وكائناتها حيث الهدوء والصمت والجمال الواسع أقرب لي من جميع عوالم البشر حيث الشر والقبح والتمييز والنمائم القبيحة والأنيقة، حتى الثقافية منها إلا ما يتعلق بالفعل الفردي كالقراءة والكتابة أو السينما وزيارة المعارض.

    لا أعرف السبب لذلك؛ ربما نشأتي الأولى فلقد ولدت في بيت قرب البحر تماما، ثم عشت لاحقا بالقرب من المزارع، وربما الحالة وراثية فأبي كان يعشق الشجر والحيوانات ويعتني بها بيديه المباركتين وأعجبت بذلك كثيرا.

    وهكذا فأنا ابنة الطبيعة وشقيقة الكائنات الأخرى إذ تتعالق حيواتنا وأرواحنا وتتعانق، وأتمثلها في الرمزي من الحياة والكتابة معا؛ أنا الشجرة التي تنتظر مطر الفرح، وثباتي يعتمد رسوخي في طمي الأرض، وحزني ذبول واصفرار، وشموخي تطاول وعنفوان، وأنا الريح غضبي زمجرة وودي لطف، وأنا كل أنثى في الطبيعة وكل مذكر هو رفيقي في هذه الحياة.

    *    في كتابك “في نقد الأنساق الثقافية العربية” فكرة أن المجتمعات العربية تحكمها ثلاث دوائر هي الدائرة السياسية والدائرة الدينية، والدائرة المجتمعية وهذه الدوائر هي ما أنتجت شخصية مرتبكة وخلفت كل كوارث المجتمعات العربية. حدثينا عن ذلك؟

    – أظن أن كل ذي وعي في هذه المجتمعات يشعر بذلك؛ بارتباك حيواتنا وإنساننا عميقا ولكن الكاتب هو لغة التعبير عن المأساة، هو الصرخة بصوت عال (انتبهوا هناك خلل) لا أدعي أنني أول الصارخين ولا أعلاهم صوتا؛ لكنني أصرخ على طريقتي لأنني أحتاج لذلك، ولأنني أطمح أن يسمع أحدهم صراخي في صدى البئر العربي فيقول نعم نحن هكذا! ويجب أن نتغير تدريجيا!

    مجتمعاتنا لديها مشكلة في الصناعة العميقة للمؤسسة وللإنسان، المؤسسة مخلخلة البنى، والإنسان لا يثق بها، والإنسان بدوره مأزوم والمؤسسة لا تهتم له، وبالتالي فنحن ندور في دائرة مغلقة من الفساد والواسطة والمحسوبية وعدم احترام الإنسان في جسده ووعيه وحريته وفكره، والمؤسسة لها الصوت الواحد الذي يطغى على كل الأصوات بل وكثيرا ما يصادرها ويقمعها.

    الفساد والدكتاتورية كالسوس تصل للعظم وحين تصل سيكون الجميع ضد بعضهم في غطرسة السلطة ولا حيلة الإنسان؛ يكفيك أن تتأملي المؤسسة الصحية وعلاقتها بالفرد وعدم حرصها على روحه لترصدي فداحة الخلل في السياقات الثقافية العربية.

    *   في رواية “بحة الناي” تناولت محنة الإنسان العربي وفشل ما يعرف ب “ثورات الربيع العربي” وكان الحل هو نشر الوعي وحل معضلتي الفقر والجهل، لما في رأيك تفشل الثورات في منطقتنا؟

    – فشلت الثورات العربية بسبب الجهل والفقر اللذين صنعتهما الأنظمة الدكتاتورية وربتهما وترعاهما بحنان أبوي منقطع النظير؛ وسيرتد عليها أثرها ذات يوم كما حدث في الثورات أيضا.

    الفقر والجهل هو سلاح الأنظمة الشمولية ويدها الطولى، ولدينا تاريخ من الفقر والقهر والجهل وجهاز جاهز لتجيير كل شيء لفكرة الدين بلا فهم عميق للدين، أو إيمان حقيقي بالرب.

    والثورات لا يمكن أن تنجح مع وجود هذه العقبات الكبيرة لأن الثورة روح حرة متمردة على كل شيء وتنطلق من أرض مشبعة بالوعي والحرية وبلداننا تفتقر لهذه الأرضية للأسف ولذا تحتاج وقتا طويلا لتكون جاهزة للتغيير، ولكن التغيير حادث لا محالة فهو سنة الكون.

    *    في رواية “بحة الناي” ما سر شغفك بتاريخ سلطنة عمان، والتأكيد على امتداده لما قبل الميلاد، وهل سعيت لإبراز كل تفاصيل الجمال في المكان وفي سمات الشعب العماني؟

    – الرواية تاريخية ثورية لذا تهتم بهذا الجانب كما أنها تمثل المنفى الاختياري في مرحلة لاحقة من حياة البطل؛ وجميعنا يدرك أن المنفى يستثير النوستالجيا والحنين للوطن وتقديسه أحيانا كثيرة.

    ولاشك أن التاريخ هو جزء مهم وعميق من النوستالجيا العربية المغرمة بالماضوية في كل شيء من الدين حتى اللغة والتاريخ؛ وضمنيا أردت التأكيد على ذلك ونقده في نفس الوقت، كما أردت أن يكون البطل عمانيا جدا لأن العماني فعليا عاشق للأرض والمكان وهو يتمتع بتلك السمات فعلا.

    *   في رواية “بحة الناي” ذلك الحس القومي العروبي، والتعامل مع المنطقة العربية كوحدة واحدة، ألا تعتقدين أن فكرة القومية العربية فكرة قد فقدت مناصريها منذ زمن طويل، وواقعيا أصبحت حلما مستحيلا؟

    – فكرة القومية العربية هزمت من الناحية السياسية وفقدت كل مقوماتها لأنها لم تحظ بقادة مخلصين لها؛ بينما من الناحية الشعبية فلا يمكن أن تهزم؛ لأن مقوماتها راسخة في الوجدان الجمعي العربي من الدين حتى التاريخ فاللغة المكون الأهم؛ بل وكأنها تزيد رسوخا كل يوم، ويكفينا اللغة العربية والقضية الفلسطينية لنتوحد في الفكر والمصير.

    ولذا نجد أن مواقع التواصل بكثرة مستخدميها من الشباب العربي أعادت (ربما على غير المتوقع منها أو المخطط لها) الاعتبار للغة العربية ولقضايانا ولوحدتنا وقوميتنا بشكل مفرح ويدعو للفخر بأجيالنا الجديدة.

    *   في كتاب “تجليات المكان في شعر سيف الرحبي” ما سر احتفاءك بالمكان وما مدى أهميته في التأُثير على النصوص الأدبية سواء شعرا أو نثرا في رأيك؟

    – المكان عامل مهم جدا في صناعة المبدع وهذا الأمر قديم قدم النقد؛ ولكنه مازال يؤكد على هذه الحقيقة بشكل واضح عبر النتاج الإبداعي المتجدد، وعبر بعض المبدعين الذين يتجلى المكان في إبداعهم بشكل أوضح من غيرهم؛ وسيف الرحبي أحد هؤلاء فلا يمكنك أن تقرئي تجربة سيف الرحبي دون أن يكون المكان حاضرا وواضحا فيه.

    إننا أبناء المكان الأول الذي يسهم في تكويننا الجسدي والفكري واللغوي وكلما كبر المرء تزيد قناعاته بذلك وهو الأمر يؤكده علم النفس بشكل كبير.

    *   لك إسهامات في مجال النقد الأدبي، لما أحببت النقد، وهل يعاني النقد العربي من إشكاليات في الوقت الحالي؟

    – النقد بمفهومه التخصصي هو ابن الأكاديمية ومؤسساتها العلمية وبحوثها، ويدور في أروقتها وسيمناراتها، أما القراءة فهي البديل العام للنقد وهي الأكثر حضورا وتجليا في الحالة الثقافية خارج المؤسسة الأكاديمية، لذا نفرح عندما يتناول أحدهم نصوصنا بالقراءة والتحليل أو البحث العلمي، ولأني أعمل في هذه المؤسسة فالنقد جزء من عملي، وأنا قارئة ولذا فهو جزء من اهتمامي.

    أما عن الشق الثاني من السؤال؛ فإشكالية النقد في كل مكان وزمان أنه تخصصي ودقيق ولذا فلا يمكن أن يوازي الإبداع المنهمر بغزارة؛ لأنه -أي النقد- مزعج نوعا ما وممارسيه قلة؛ ولذا فهناك اليوم الكثير من النظريات التي تبشر بموت النقد، ومع ذلك فالنقد مهم لتقييم الأعمال متى ما كان موضوعيا ولا يبتغي مجاملة أو شهرة.

    *  تعملين حاليًّا أستاذ اللغويات الأسلوبية والأدب الحديث والعماني المساعد بجامعة السلطان قابوس.. عرفينا على مجال”الأسلوبية”، وماذا يعني لك هذا العمل؟

    – الأسلوبية علم حديث يوازي البلاغة في ثقافتنا العربية، وهو يعنى بتحليل النص من المبنى إلى المعنى، وهو مجال واسع تتداخل فيه اللغة مع الأدب وهذا المجال يجعلك تقارب النصوص بموضوعية ودقة.

    وأنا أحب عملي وأحياه بشغف بل وأعتقد أنني ولدت معلمة، ورغم صعوبة العمل ومشقاته إلا أن الرسالة التي تعكس الدور الكبير في خدمة العلم والثقافة وصناعة وعي الإنسان تعطيك قيمة وأثرا ودافعا مستمرا للعطاء.

    * ظهرت في الآونة الأخيرة كاتبات خليجيات يكتبن برؤية وعمق ولهن توجهات تنويرية قد لا يقبلها المجتمع الخليجي أو يتحفظ عليها، هل يمكن القول أنها بمثابة حركة نسائية خليجية انبثقت في مجال الرواية خاصة وهل لها ملامح ما، وكيف تقبلها المجتمع الخليجي أم كانت هناك ظروف اجتماعية ملائمة لظهور هؤلاء الكاتبات؟

    – في البدء أنا ضد مناطقية الأدب، الأدب موجود في كل مكان، والمرأة تكتب في كل مكان متى ما توفرت لها الأسباب، والكاتب يجب أن يكتب بوعي ومسئولية وأن يكون له موقف رجلا كان أو امرأة وفي كل بقعة من هذا العالم المضطرب بأوجاعه، وضمن كل شكل من أشكال الكتابة.

    إن الصورة الجاهزة عن المجتمع الخليجي (هذا إن جازت لنا التسمية لأن هذه تسمية تقسيمية استعمارية في الحقيقة) صورة جامدة وربما يمكنني أن أقول أن بها نوعا من التمييز والغطرسة ضد هذه المجتمعات التي كان بها منذ البدء علم وعلماء وتاريخ غير متداول ربما، وثقافة راسخة غلب عليها الشعر والدين، فالجزيرة العربية مهد اللغة العربية والدين الذي انطلق للعالم أجمع.

    إن النفط هو الطارئ في هذه المنطقة، وقد جاء قبله ومعه الاستعمار الذي حاربه إنسان هذه المنطقة بدمه ودفع من أرواحه واستقراره أثمانا باهظة لإجلائه وطرده، وبالطبع لاحقا جاءت معه الحياة الحديثة بمدنيتها ومؤسساتها وإعلامها الذي أظهر للعالم تلك الثقافة في وقت متأخر نسبيا، فحسبت المنطقة بكل ثقافتها على النفط، وللأسف صحب النفط والوضع الحديث دكتاتوريات وقمع لحرية الرأي؛ لأن معظم هذه الدول تحولت لدول ريعية ومع العطاء يصبح القمع مبررا؛ فالمال الذي غيّر الحياة أطبق على الأفواه أيضا؛ فكثرت مصادرة الكلمة والفكرة ولذا كان من الطبيعي لاحقا (قبل وقت قصير)، خاصة مع نهضة المجتمعات العلمية والفكرية والاحتكاك مع الآخر (الغرب) سفرا وبعثات علمية ووجود أجيال ذات تعليم نوعي؛ وجود أصوات مرتفعة تنادي بالحريات والمحاسبة والشفافية، فرغم القمع المتفاوت في الزمان والمكان كان دائما هناك أصوات رائعة تصدح بالعدالة والحرية والمساواة رجالا ونساء عبر الأدب أو قنوات أخرى كالبرلمانات أو الصحافة أو حتى المحاكم بل وهناك من دفع الثمن بشكل فادح.

    *   ما تقييمك لحال الثقافة في سلطنة عمان، وماذا عن حركة النشر خصوصا وأن معظم كتبك منشورة خارج السلطنة؟

    – شخصيا أؤمن أن الثقافة في أي مكان فعل فردي أو ضمن مؤسسة أهلية وليس فعلا رسميا تقوم عليه مؤسسة رسمية؛ وهي -أي الثقافة- حالة واسعة وشمولية وليست أدبية فقط؛ ولذا فالثقافة في عمان بخير فلدينا مثقفون في كل المجالات؛ كتاب وشعراء وفنانون وموسيقيون كبار وحقيقيون ونتاجات ثقافية رفيعة المستوى في الشعر والرواية والقصة والنقد والفن التشيكلي والموسيقا والتاريخ والعلوم وغير ذلك، ولدينا ثقافة شعبية متعددة الجوانب والمناطق العمانية، ومختلفة الجذور في الفن والعمارة والموسيقا والأزياء وهذا معيار الثقافة الحقيقية.

    ولدينا مؤسسات ثقافية أهلية ورسمية، نعوّل كثيرا على الأولى، ونرجو من الثانية أن تكون أكثر اتساعا وتعددية وتفسح المجال للإبداع والتمثيل الخارجي أكثر وأكثر، وترفع الكثير من القيود المفروضة على النشر الذي مازال يعاني الكثير من التقييد.

    * ما رأيك فيما يسمى ب” الأدب النسوي” وهل اقتصار الكاتبة على الدفاع عن قضايا المرأة في أعمالها يعد قصورا في رأيك، بمعنى أنها لابد وأن تدافع عن قضايا عامة؟

    – مادام هناك رجال رجعيون، ومجتمعات متعصبة ضد المرأة باعتبارها شرف العائلة، أو مجرد جسد أو آلة لإنجاب الأبناء والقيام بأعمال البيت سواء كانوا من المثقفين أو غير ذلك؛ فهناك قضية يمثلها “الأدب النسوي”  ويجب أن يستمر الكتّاب في تبنيها والدفاع عنها؛ سواء كتب فيها الرجال أو النساء، وبالتالي فالقضية هي المحرك وليس الكاتب، ولكن بطبيعة الحال “لايعرف الشوق إلا من يكابده…”

    فالمرأة أكثر حساسية للموضوع لأنه يمثلها، كما هي أكثر حساسية لكل ما يمس الطفل والمجتمع، ولكن لا يمكننا أن نحصر القضية في المرأة الكاتبة، ولا نحصر الكاتبة في القضية، إنها مسألة حساسية لقضية عادلة، تتجدد كل يوم؛ فنحن مازلنا نسمع بين الفينة والأخرى عن جريمة قتل لامرأة بمسميات عديدة؛ منها جريمة شرف، ومنها انتقام، ومنها ومنها..إلخ.

    والأدهى أننا مازلنا نسمع تسويغات للقتل المجاني من نساء ورجال دين، ولوم للضحية على ذلك المصير المشئوم، كما نسمع تبريرات اجتماعية أو دينية للقاتل، والوقوف معه ومع عائلته كي لا ينال ما يستحق من عقوبة.

    دعيني أقول لك كما قلت في كتابي “في نقد الأنساق الثقافية العربية” أن مجتمعاتنا ليست بخير والقانون أيضا ليس بخير؛ فوجود ثغرة واحدة في القانون تمكّن قاتل من النجاة بفعلته حتى لو بعد ١٠ أعوام؛ يجعله قانونا جائرا يشجع ضمنيا على قتل النساء؛ وبالتالي ليس لنا إلا الأدب في مجتمعات لا تقرأ؛ فلا نحلم بتغيير قضية كما حدث مع “كوخ العم توم” لهيري تستو،التي ساهمت بشكل كبير في التصويت على إلغاء العبودية، ولكنها مجرد محاولات صراخ مؤقتة للزمن، ولإراحة الضمير الفردي .