الجمعة 2 ديسمبر 2022
17 C
بغداد

    مع كتابات.. جاكلين سلام: أكتب كي أقول للحياة ما ينقصها وما يدهشنا وما يفيض من العنف والخيبة والحرب

     

    خاص: حاورتها- سماح عادل

    “جاكلين سلام” هو الاسم الأدبي ل “جاكلين حنا” وهي شاعرة، قاصة، كاتبة صحفية، ومترجمة. مواليد مدينة المالكية، سوريا. هاجرت من سوريا إلى كندا 1997. وهي عضو اتحاد كتاب كندا. عضو منظمة قلم كندا PEN canada منذ عام ٢٠٠٦. تعمل في مجال الترجمة, بالإضافة إلى عملها في الكتابة الصحفية والعمل الاجتماعي.

    حازت على جائزة أدبية في كندا واختيرت الشخصية الأدبية في كندا عام 2013 تقديرا لأفكارها الإبداعية وشعريتها. شاركت في تأسيس العديد من المنتديات الإبداعية الثقافية في كندا وشمال أمريكا مثل: مؤسسة جذور للأدب المهجري المعاصر، رابطة تضافر للفنون الشرق أوسطية في كندا(2004) ، نادي النساء العربيات الكنديات(2000).

    صدر لها:

    1- جسد واحد وألف حافة، دار هماليل، أبو ظبي، 2016.

    2- المحبرة أنثى، دار النهضة العربية، لبنان، 2009.

    3- رقص مشتبه به، الدار العربية للعلوم& مؤسسة جذور، لبنان، 2005.

    4- كريستال، دار الكنوز الأدبية، لبنان، 2002. طبعة ثانية خاصة، تورنتو، 2015.

    5- خريف يذرف أوراق التوت، نشر الكترونيا، 2001. طبعة ورقية خاصة، كندا 2014، وطبع الكترونيا 2021 عن سلسلة منشورات طريق الحرير.

    كان لي معها هذا الحوار الشيق:

    * لما اخترت لنفسك اسماً أدبياً، وكيف بدأ شغف الكتابة لديك؟

    – غيرتُ الاسم العائلي فقط لأنني رأيت السلام هو الطريق الذي يحثني على الكتابة والأمل. اخترت اسمي العائلي سلام، وهو اسم ابني الوحيد أيضاً. وأذكر أنني اخترت هذا الاسم حين نشرت أول قصيدة لي في مجلة سورية في الثمانينات. اسمي الأول وبالولادة هو “جاكلين حنا” وأتشرف بالإعلان عنه في سيرتي الإبداعية لأنني لا أحب الاختفاء وراء الأسماء الوهمية. ولاحظت في هذا العقد ومع انتشار النشر والكتابة في منصات التواصل الاجتماعي والفيسبوك، هناك من يكتب بأكثر من اسم وهمي. أراهم يغيرون أسمائهم وصورهم لغايات مختلفة وأعتقد أن في ذلك جبن وانتهازية وازدواجية غير مبررة.

    شغف الكتابة بدأ كما الولادة التي لم اخترها. صارت الكتابة مع الوقت المعادل الروحي الوجودي لكياني ورسالتي في هذا الحيز الكوني المؤقت. ككاتبة حرة وامرأة ليست تابعة لأي جهة، تعرضت وما زلت لضغوط وانتقادات مختلفة وأحيانا عدوانية بشعة من قبل أصحاب الأسماء الوهمية في هذه الشبكة الالكترونية التي تعج بالجميل والقبيح والمتطفل. ولكنني لن أتوقف عن تشخيص القبح والجمال بالكتابة السلمية الأنيقة والإبداعية وليس بالخطاب السياسي والبيانات المباشرة. خيارات عدة في حياتي اتخذت مجرى مغايرا بسبب الكتابة ولكنني مثابرة ومن بعيد على تدوين مشاهداتي وأفكاري عبر الشعر والقصة واليوميات والترجمة.

    أكتب كي أقول للحياة ما ينقصها وما يدهشنا وما يفيض عن حاجاتنا من العنف والخيبة والحرب، ومن التهميش والحقد اتجاه الآخر، المختلف(ة). بالكتابة أعثر على حلمي وهو ينتشر ويتجذر فيما أنا غارقة في فيوض المحبرة.

    * ماذا يعني الشعر بالنسبة لك؟

    – الشعر هو الرؤيا الجمالية الحسية والنفسية لكياني وهو يخوض الحياة بأبعادها. والشعر وثيقة الروح في ساعات النأي عن ضجيج العالم. كتابتي للشعر أعتبرها بمثابة مصفاة تنقي اللغة مما يفيض عن حاجاتها الجمالية للوصول إلى جوهر التجربة الإنسانية. الأشياء والعلاقات والتجارب من حولنا مبهمة وكثيرة المجاهيل، وعبر الشعر نتعرف على بعدها الثالث وعلى مكنونات الروح في أقصى تجلياتها. نحاول الشعر، وأحيانا نتعثر في كتابته كما نريد، وأحيانا لا نعرف إن كنا قد لامسنا حقيقة الشعر الملتبسة أم لا.

    حين بدأت القراءة وأنا صغيرة بحثت عن الكتب في مكتبة المدينة “ديريك، أقصى الشمال الشرفي في سوريا”  وكانت رحلتي إلى هناك متعة لا تضاهيها أي متعة أخرى. عثرت على عالم آخر يقيم وسط الأحرف الأبجدية الباهرة. نهلتُ منها وأصابني التوق إلى المزيد.

    أول الكتب التي اشتريتها بنفسي وأنا طالبة في المدرسة الإعدادية كانت “بيانات السريالية” للفرنسي أندريه بروتون، إصدار عام 1978. ولم أكن حينها أعي شيئاً بخصوص الكتابة والشعر. لدي الكتاب وأرى الهوامش والخربشات على الكلمات وعبر الصفحات فابتسم. كنت أكتشف عالماً غريبا يبهرني في طريقة التعبير. ولم يكن يخطر ببالي أنني سأكتب وأنشر ويصبح لدي كتب على رفوف مكتبة ما.

    كتابة الشعر وقراءته تحليق في مخيلة المستحيل والممكن. وكم من نصوص نقرأها فنشعر أنها تعنينا وتمتعنا وتعبر عما نعجز عن الوصول إليه بكلمة أو بقصة.

    * في مجموعة “رقص مشتبه به” أحاسيس الاغتراب والهزيمة وحب غير متحقق.. هل أصبح الشعر مرآة الذات التي هزمتها الحياة الواقعية بمشاكلها؟

    – هذه المجموعة “رقص مشتبه به” لم تنل حظها في التوزيع ولذلك سأعيد نشرها بعنوان جديد هو ( أسرار على الحافة).

    الشعر كتاب النقصان والأشجان والرغبات المتحققة والعسيرة التحقق. وباعتقادي أن الكتابة عموما هي الحفر في طبقات الوعي والحلم لتشكيل صورة متخيلة عن التجربة وعن الحلم. وفي هذه النصوص يتكرس موقعي من خريطة الاغتراب الروحي والجغرافي والتجربة الميدانية.

    كل حب آيل إلى الفشل نجعل منه قصيدة تحلق وتتحرر من الصمت. ولا شك كان لدي نصيبي كغيري من هبات الحياة وجحودها في كل منعطف. وكلما تعثرت أحاول الوقوف من جديد والكتابة أكثر، ويقيني أنني لم أهزم ولم استسلم. لجأت في أوقات قلقي وضعفي إلى القصيدة فكانت لي منزلاً ورفيقاً ووطناً حين نأى الوطن والحب والأصدقاء. الشعر مرآة للذات وللمحيط أيضاً وليس استعارة لما ليس لنا ومنا وفينا.

    الكتابة الذاتية، ليست كتابة النفس إذ الفرد لبنة وخيط في شبكة كونية هائلة. وما يحدث في قصيدة امرأة تكتب العربية في كندا، قد يلامس وجدان رجل أو امرأة في الشرق وأقصى العالم. وبهذا الشكل ليست الكتابة ذاتية منكفئة على نفسها، بتصوري.

    * هل تحاولين خلق لغة خاصة بك تتقنينها بعناية وتحرصين على اختيار المفردات؟

    – النص في صيغته النهائية هو إعادة الكتابة مع الحفاظ على عذرية الدفقة الأولى. ويمتلكني شعور لذيذ حين أعيد النظر في الجملة الشعرية وأقلبها على أوجهها المختلفة وأعيد تشكيل الصورة في ذهني من جديد. قرأت كثيراً في الحقل النقدي الأدبي وكتب تعليم الكتابة الإبداعية وكلها باللغة الانكليزية وربما ذلك ساعدني في صياغة نصوصي في شكلها النهائي.

    نعم، أحذف كلمة وأبدلها بأخرى، أغير موقع جملة من منتصف النص إلى أوله أو أخره حتى أشعر بقناعة شخصية من حيث المفردة والبداية والنهاية. كل هذا يحدث بعيني الناقدة، وبشعور ضمني اتجاه النص واكتماله. ورغم ذلك لدي تصور بأن النصوص لا تكتمل وهي قابلة للتنقيح بعد النشر أيضا. أحاول أن يكون النص صادقا ولا يتزلف ولا يبالغ في التنكر والغموض المفتعل. وأحياناً أقول لنفسي أن هذا ضرب من الجنون، ولكنه جنون لذيذ ينقذني من صلافة الواقع وغرابته.

    * في مجموعة “جسد واحد وألف حافة” عنونت أكثر من قصيدة بمفردة جسد.. هل تدور بعض كتابات النساء حول الجسد وتعقيدات وجوده في مجتمعات محافظة، عن تقييده وتسليعه واعتباره ماهية المرأة في مجتمعاتنا، وهل هجوم بعض الكتاب والنقاد  الذكور على بعض كتابات النساء واتهامها أنها لا تخرج من دائرة الجسد تضايقك؟

    – الجسد كون صغير يحمل مكوناته الوجودية والبصمة الشخصية. وهذا الكيان الكوني هو شبكة العلاقات المتشعبة الممتدة من الكيان الفردي إلى الجسد الاجتماعي والسياسي والثقافي المحيط. في عنوان هذه المجموعة، هناك آلاف الحافات التي يعيشها هذا الجسد ويتعايش معها. وفي النصوص مقاربات بين لغة المرأة الفرد وطبول الحرب والموت، حديث بين المرأة وجسد الشجرة التي تبقى واقفة أثناء الحرب وبعدها، وهناك جغرافية المكان والطقس والبيئة ومفردات الاغتراب الوجداني.

    باعتقادي أن من يقرأ نصوصي الشعرية على أنها ساحة جسد امرأة منكفئة على ذاتها يكون قاصراً في وعيه ومتسرعاً في حكمه. شخصيا كتاباتي لا أدرجها في نطاق الجسد الايروتيكي منذ أول مجموعة شعرية وحتى الخامسة. يبقى على الناقد أن يقرأ وينتقد النص شعريا وبنيويا ومحمول الخطاب.

    ولا يغيب عني أن بعض الكاتبات بالغن في ثيمة الجسد حتى صارت كتاباتهن مجرد تأوهات وزعيقاً وبلادة وقحة أحياناً. وبعضهن للأسف يحظى على إعجاب ومجاملات فاقعة وخاصة في وسط الميديا الاجتماعية “فيسبوك” تحديدا يعج بكتابات قاصرة نسوية وجسدية لا علاقة لها بالشعرية وبالشعر. أما التذمر من كتابات المرأة، فهو مسألة تاريخية ولم نتقدم كثيراً في تقييمنا للكتابة بقلم الأنثى.

    * تتفاعلين ثقافيا بشكل جيد في وطنك الجديد كندا هل السر في إجادتك للغة الانجليزية؟

    – علاقتي بالبيت الثقافي الجديد في كندا مرت بمراحل متعاقبة أختصرها بالشكل التالي: في السنوات الأولى كنت أذهب لحضور القراءات الأدبية وجلسات الحوار مع الكتاب والشعراء وكنت صامتة، وأخاف أن أطرح سؤالاً أو تعليقا خوفاً من الوقوع في خطأ لغوي أو بسبب الحرج من لكنتي. اشتغلت وقرأت حتى استعدت الثقة بصوتي وقبلت نفسي ولكنتي وعثراتي. صرت مرتاحة في جلدي ومتآخية مع لغتي الثانية وخاصة أن أغلب الكنديين مهاجرين أساساً ولديهم لكنة ليست انكليزية، وهي واضحة لدى الإفريقي، والصيني والشرق أوسطي.

    في مرحلة أخرى من إقامتي الكندية كنت ومازلت أجد متعة في الذهاب إلى الأمسيات والمهرجانات حيث ألتقي بكبار الكتاب الكنديين ومنهم مثلا: اليس مونرو، مارغريت أتوود، مايكل أونداجي، وكبار شعراء كندا ولا يسعني ذكرهم. ومع ذلك لدي ذلك (الخجل الشرقي) ولا أحاول أن أتقرب شخصياً من أي فرد حتى وإن كان ذلك متاحاً. أحضر المناسبة، أقوم بالتصوير، أطرح سؤالاً أو تعليقاً، ثم أخرج وأكتب عن المناسبة أو أحتفظ بالتجربة لنفسي. كل مشاركة مع المحيط تعلمني درساً وترسخ حضوري في هذا المكان الذي سيكون بيتي الأخير وإلى آخر المحطات على ما أعتقد.

    * نلت جائزة أدبية في كندا وتم اختيارك الشخصية الأدبية في كندا عام 2013 هل أفرحك ذلك وهل لك جمهور من القراء الكنديين؟

    – هناك جالية عربية كبيرة العدد في كندا وتحديدا في مدينة تورنتو التي أسكن فيها منذ عام 1997. وهي من أكبر المدن الكندية ولذلك تكون الأنشطة الثقافية قائمة على مدار السنة، ويشارك فيها كل ذو موهبة ورغبة وإنتاج إبداعي. التكريم الذي تم عام 2013 كان من قبل هيئات كندية عربية كان تثمينا لموهبتي الإبداعية الشعرية والفكرية الخلاقة كما جاء محفورا على درع التقدير الذي احتفظ به وأعتز به بالطبع. لماذا؟ لأنني كنت ناشطة في الكتابة والمجتمع وفي الصحف المهجرية والعربية في الشرق دون انتظار مكافأة أو دعم من أحد. أعتقد أنني أول من كتب عن الأدب الكندي عربياً، وكنت نشيطة ميدانياً واجتماعياً في تدعيم الحضور العربي المهجري والنسوي في التجمعات العربية. كان لي زوايا ثقافية في الصحف المهجرية.

    لم أنشر كتاباً بالانكليزية لأنني أحب الكتابة بالعربية وخاصة الشعرية. وأحيانا أترجم نفسي للمشاركة في المناسبات الأدبية أو لإرسال مشاركة إلى مجلة أو جريدة. حصلت على عضوية اتحاد كتاب كندا منذ سنوات. الحضور الافتراضي على الشبكة وقبل الفيسبوك كان مهماً لي ومساعداً في إيصال صوتي إلى الكندي العربي وإلى العرب في الشرق الأوسط والعالم.

    * لم اتجهت إلى الترجمة، وهل النصوص العربية تلقى رواجا لدى بعض القراء الغربيين؟

    – دراستي الأساسية كانت في حقل الهندسة الكهربائية في جامعة حلب، سوريا، ولم أكمل تعديل الشهادة هنا. عملتُ في الترجمة مع مؤسسات حكومية وخاصة كمصدر للعيش. الكتابة الصحفية لم تكن كافية للمعيشة، بل تكاد تكون مجانية في أغلب الحالات، وكانت تجربتي مع النشر أيضا شبه مجانية لأن العائدات المادية لم تكن تصل كما يجب إلى أن قررتُ أن أخذ مهلة من الصحافة وأعود للترجمة الفورية والتحريرية كمهنة أمارسها يوميات ولساعات. وهي خدمة مطلوبة لمساعدة القادمين الجدد على الاستقرار والتعبير عن أنفسهم من خلالي في أي مكتب أو قضية.

    الكتابات المترجمة إلى الانكليزية أو المكتوبة بالانكليزية من قبل كتاب أصلهم عربي، تلقى رواجا  جيدا هنا من حيث أنها مادة إبداعية متميزة وليس بسبب أصولهم الأثنية.

    مثلا، هناك كاتب كندي من أصل مصري “عمر العقاد” حاز على أهم الجوائز الكندية في الرواية عام 2021. وفاز الروائي اللبناني الكندي “رواي حاج” على جوائز مهمة كنديا وعالمياً، وهو حالياً في القائمة القصيرة لجائزة (غيلر برايز) والنتائج لم تظهر بعد.

    تصوري أن الجائزة تخصص لقيمة الإبداع وليس ترضية لقومية وعرقية الكاتب.

    * استلمت شهادة تكريم  2009 من قبل مركز كندي تقديرا لكتابتك عن المرأة وتمكينها من حقوقها، هل تنتمين للفكر النسوي وما رأيك فيه، وهل تسعين في أدبك إلى الدفاع عن قضايا المرأة ورصد التمييز ضدها. كما شاركت في تأسيس العديد من المنتديات الإبداعية الثقافية في كندا وشمال أمريكا مثل: مؤسسة جذور للأدب المهجري المعاصر، رابطة تضافر للفنون الشرق أوسطية في كندا (2004) ، نادي النساء العربيات الكنديات (2000). هل نجحت تلك المنتديات في عملها احكي لنا؟

    – حين يهاجر المرء إلى عالم جديد أول ما يحتاج إليه هو جالية أو مركز اجتماعي أو ثقافي أو ديني يحتضنه كتعويض عن الحاضنة الأولى. الفنان والكاتب بشكل خاص يكون بحاجة إلى رابطة ما يكون فيها مشترك لغوي وفكري واجتماعي. وأنا كامرأة منذ قدومي بحثت عن الصحف المتوفرة، المراكز العربية الخاصة بالجالية، ومن هناك بدأت الكتابة والتعرف على الأصدقاء المهتمين في ذلك الحقل.

    ومن خلال هذه الروابط حاولت مع بعض الزملاء والصديقات تكثيف جهودنا لإقامة معارض فنية وحلقات ثقافية وشعرية وحوارية تخص المرأة والمجتمع، الفن والمكان الجديد. وكنت دائما إما ناشطة في الحضور والنقاش أو مؤسسة للرابطة. كما ذكرت أعلاه كانت أول حلقة مخصصة للنساء العربيات والاندماج في المجتمع الجديد. ثم كان هناك توجه أوسع إذ حاولنا في رابطة (جذور للأدب المهجري المعاصر) أن نهتم بكل ما يكتب في المهجر باللغة العربية أو الانكليزية.

    أقمنا مؤتمراً صحفيا ودعونا إليه أكثر من 10 كتاب من أمريكا وكندا، وأسسنا مجلة وموقعاً الكتروني كنت أشرف على تحريره مع أصدقاء لي، ولكن كل شيء توقف بسبب مشاغل الحياة أو الاختلاف على آليات العمل وما إليه من متاعب تصاحب العمل المشترك.

    هذه التجارب الميدانية أضافت إلى ذخيرتي بعداً آخر يتعلق بمشاكلنا نحن العرب المهاجرين، رجلاً أو امرأة. وفي كل الحالات أنا مقتنعة بأنني اشتغلت بتفان وحب في كل الحقول دون كسب مادي ودون دعم من أي جهة أو فرد، بل كنت ممن يتبرعون لإنجاز هذه المشاريع.

    عشقي للثقافة كوسيلة لخلق التغيير الاجتماعي يدفعني للعمل من أجل تحقيق التناغم والانسجام بين الأفراد والوصول إلى رتبة أكثر عدلاً بين أفراد الأسرة، قدر المستطاع. وهذا مطلوب في أحضان المجتمع المهجري الذي لا يعرفه إلا من اختبره عن قرب. وكسبت بعملي المستمر ونزعتي المدنية المتحررة بعض العداوات وربحت شرف محاولة خلق لبنة فكرية حرة في سياق العصر.

    * عملت في مجال الصحافة الثقافية، ماهي مشكلات الصحافة الثقافية في منطقتنا ولما لا تدعم الكتاب؟

    – كتابة المقال إبداع حر ويتطلب مهارات مفارقة للكتابة الشعرية. كنت وما زلت شغوفة بالعمل الصحفي لأنه الباب الذي أستطيع من خلاله أقول كلمة واضحة بخصوص قضية اجتماعية أو نسوية أو ثقافية. وبحكم موقعي في كندا وقراءاتي المختلفة كنت وما زلت أعمل على تسليط الضوء على الكتب التي أقرأها وأراها مهمة للقارئ العربي.  ولكن الصحافة العربية الثقافية تتجه نحو الانحسار أو الترهل في المرحلة المعاصرة.

    الصحف العربية اللبنانية التي كنت أكتب فيها، أغلقت بعد ما يسمى (ثورات الربيع العربي). الأبواب الثقافية بشكل عام تقلصت وقل الدعم المادي للكاتب. بالمقابل بعد “الربيع العربي” تم تأسيس مواقع الكترونية كثيرة، يديرها أشخاص أو مؤسسات غير معلنة ولكل أجندة ومعارك لها علاقة بالمصالح الشخصية لمالكيها أو القائمين على تحريرها وإدارتها. وإذا اختلفتُ في الرأي مع مدير مجلة أو مؤسسة أو جريدة سوف يعمل هذا “الديكتاتور الصغير” على عدم نشر أي مادة يكون اسمي واردا فيها، لدي أمثلة ولن أذكر الأسماء. أنهم يدعمون من يكون معهم في نهج القطيع والحاشية ويهمشون الآخر.

    ولكن رغم ذلك هناك بعض الصفحات المضيئة التي تحاول خلق التوازن. أحيانا أجد في (صفحات الفيسبوك ويوتيوب) مساحة حرة لقول ما أريد بعيداً عن الرقابة ما أمكن وانتظار موافقة المحرر على نشر نص أو مقالة.

    * هل تشعرين بالغربة وتحنين إلى سوريا وكيف يظهر ذلك الحنين في نصوصك؟

    – في مرحلة الهجرة الأولى تتولى الروح إجراء مقارنات يومية بين هنا، وهناك وعلى كل الأصعدة. مع مرور الوقت، شخصيا أراني كندية من سورية في صميم لغتي ويومياتي وقراءاتي. فخلال السنوات الأخيرة كففت عن محاولات العمل الجماعي الثقافي واخترتُ الانزواء بعيداً عن المحيط الجاليوي وتفرغت أكثر لكتاباتي التي لم تنشر بعد. وهناك تعويض لهذه العزلة الاختيارية بالكتابة والحضور عبر صفحات الميديا الاجتماعية التي تربطني مع القارئ أينما كان، في سوريا، أو قرب القطب الشمالي.

    الشعر مصفاة ومرآة نعاين من خلالها تجربة الروح والجسد. النصوص مصفاة المكان والزمان وفعله العميق فينا. سوريا مكان وتاريخ وحضارة شربت من خيرها وجمالها ومأساتها.  وهي البيت الأول الذي تعلمت فيه القراءة والكتابة والحب والحياة. وذلك الفقد العظيم سيبقى له أثر على الدوام في كتابي. وأثق بأن القارئ سيتعرف على الأثر والحنين والناقد سيجد أدواته إن حاول أن يتعرف على النص بجدية. سمعتُ من قارئات وكاتبات بأنهن يعثرن على أرواحهن بين كتاباتي التي تعبر عما يعجزن عن قوله.

    أعتقد أنني نجوتُ من ذلك العالم كي أصل إلى روح عالم آخر وأحاول القول بأبجدية أخرى تحنّ إلى المملكة المفقودة والمستقبلية.