الأربعاء 29 يونيو 2022
38 C
بغداد

    مع كتابات.. براءة الأيوبي: أوراقي ملاذي حين تصخب الروح بحكايا النبض

     

    خاص: حاورتها – سماح عادل

    “براءة محمد الأيوبي” كاتبة لبنانيّة من مدينة طرابلس شمال لبنان.حائزة إجازة في العلوم السياسيّة والإداريّة من الجامعة اللبنانيّة، وشهادة الكفاءة من كليّة التربية (الجامعة اللبنانيّة). صدر لها مجموعتان قصصيتان ورواية.

    الى الحوار:

    ** متى بدأ شغفك بالكتابة وكيف تطور؟

    – في الحقيقة لا أذكر زمناً محدّداً للبدايات، غير أني ومنذ الصغر على علاقة وثيقة بالقلم. تعلّمت على مرّ الزمن أن أقرأ ذاتي والآخرين، أن أخطّ من تردداتي النفسية رسماً بيانياً أنسجه بشكل بنصوص نثرية، أن أجعل من أوراقي الملاذ الذي آوي إليه حين تصخب الروح بحكايا النبض.

    دائماً أُنشد في الكتابة سكينةً تتسلل بين الأوردة، وهدأةُ تلملم مشاعر انتثرت مني هنا وهناك.ألجأ إلى قلمي عندما أستشعر غربة في الروح، أو فرحاً يكاد يُحيلني فراشة تتراقص على وقع الخَف. فحالتي النفسية تعتبر المؤثر الأول والأخير على مزاجي الكتابي.

    فيما مضى، كنت ألجأ للكتابة ربما في أزمنة قد تكون متقاربة أو متباعدة، أمّا الآن أكاد أحرص على عدم انقضاء أي يوم دون القيام بفعل الكتابة ولو كان ذلك الأمر لا يتجاوز بضعة سطور. وهذا لا يعتبر بالأمر الصعب، ذلك أن نهاري عادة يكون صاخباً بالتقلبات المزاجية تبعاً للكثير من المواقف التي تعبرني والأشخاص الذين أصادفهم، ممّا يخلق أمامي مساحةً لا بأس بها لتمرّد الحبر وجنونه.

    ** في مجموعة “المسكونة” لغة شعرية عذبة.. هل تنتقين الكلمات بعناية شديدة وهل كنت ترغبين في كتابة الشعر؟

    – أنا لم أكتب الشعر مطلقاً. بدأت منذ الصغر برسم أمزجتي المتقلبة في شكل نصوصٍ نثرية، واستمر الوضع على ما هو عليه حتى أصدرت كتابي الأول “ذاكرة روح”، والذي جمعتُ فيه الكثير من نثرياتي التي انتقيتها بعناية. كثيرون هم من نعتوني بالشاعرة بعد نشر الكتاب، وكثيرون نصحوني بالتوجّه نحو كتابة الشعر نظراً لغنى كتاباتي بالصور الشعرية، كما يقولون.

    لكنني في الواقع، لا أرى نفسي مطلقاً في كتابة الشعر، ولا أحبّذ تلقيبي بصفة ٍلا أراها متوفرة لديّ. أنا لستُ شاعرة (وليتني أكون)، لكن الشعر يحتاج ملكة خاصّة لا تتوفر عند كل الكتاب. ربّما تتضمن كتاباتي نفحة شعرية، لكنني لا أتقصّد ذلك أبداً. أنا لا أتعمّد عند الكتابة انتقاء العبارات والكلمات، بل هي تنسحب من ذهني بعفويةٍ مطلقة.

    المسألة لا تحتاج افتعالاً في الكتابة، خصوصاً بعد انقضاء سنوات طويلة من الممارسة الكتابية والقراءات المتنوعة. كل ذلك لا بدّ وأن يمنح الحبر انسيابيةً وعفويةً وصدقاً في التعبير. وهذا ما حدث معي تماماً في مجموعتي القصصية “المسكونة” حيث ساعدتني اللغة إلى حدٍّ بعيد في ايصال رسائلي التي أردتها من كل قصة، بسلاسة ودون تكلّف.

    ** في مجموعة “المسكونة” هل تستقين الأحداث والشخصيات من الواقع أم أن الخيال يلعب دورا كبيرا؟

    – معظم الشخصيات الواردة في “المسكونة” لها ارتباط نوعاً ما بالواقع الذي يشكل نقطة البداية بالنسبة لأيّ مشروع كتابيّ، سواء قصّة أم رواية أم نثريات وجدانية. هي شخصيات لا بدّ وأني صادفتها أو صادفت مثيلاً لها في مكانٍ ما وزمانٍ ما وتركت أثراً في نفسي. لكن الانغماس التام في الواقع وتجسيده كما هو على الورق قد يفقد العمل الأدبيّ الكثير من بريقه، لا بدّ وأن يتداخل الخيال مع الواقع في توليفة تحقق توازناً  مقبولاً بينهما.

    الخيال ضروريّ جداً للكاتب، وهو عالم بحد ذاته.. فيه تتكون علاقات، تُبنى أسر وتتفكك أخرى.

    في ثنايا الخيال يمكن العثور على أخٍ أو صديق، تحديد مواعيد ولقاءات، كتابة قصائد عشقية لحبيب لا يتكرر، يمكن شنّ حروب، تحقيق فتوحات أو الوقوع في براثن الهزائم والانكسار.

    هناك تجارب كتابية لكثير من المبدعين، سواء على صعيد الشعر أو الرواية، نالت حظاً وافراً من النجاح وقاعدتها الأساسية خيال المبدع الذي يضفي على العمل الإبداعيّ نكهةً متفرّدة.

    لذلك، إن جذور كلّ قصة في “المسكونة” ممتدة لتصل الواقع بالخيال، وتتناول جانباً من المشاعرالصاخبة تنوعاً من فرح وقلق وخوف وحب وحنين. كل قصّة هي مزيج من حالات إنسانية متنوعة قد نصادفها في أيّ وقت وأيّ مكان،  وربّما قد نرى أنفسنا من خلالها.

    ** كتبت رواية “ورد جوري”، هل كتابة الرواية أصعب من القصة ولما اتجهت لكتابة الرواية؟

    – الرواية هي المساحة الفعليّة التي أعثر على ذاتي تتبخر بين أروقتها، وأشعر أنّني ومن خلالها أستطيع التعبير أكثر عن ذاتي الكتابية وإطلاق العنان لقلمي وحِبري ومشاعري.

    منذ فترة طويلة وأنا أفكّر جديّاً في كتابة الرواية والدخول إلى عوالمها التي عشقتُها كقارئة قبل أن أعبر إليها ككاتبة. خطوةٌ كهذه احتاجت منّي وقتاً حتى تنضج وتتضح معالمها رغم شوقي الكبير إلى خوض غمارها. ذلك أنه من واجب الكاتب أن يتقن صنعته، شأنه في ذلك شأن أيّ مبدع في أيّ مجالٍ آخر، إن أراد التميّز وترك بصمةٍ خاصّةٍ به.

    إنّ كتابة القصة القصيرة شكّلَت بالنسبة لي جسرَ عبورٍ نحو الرواية، فقد تمكَّنتُ بواسطتها من كشف النقاب عن ذاتي الكتابيّة وقدراتي السرديّة بعيداً عن النصوص النثرية الوجدانيّة التي تمرّستُ عليها واعتدتُها منذ زمن. وأنا سعيدة جداً بخطوتي الجديدة على صعيد الكتابة الإبداعيّة التي أعتبرها إضافةً نوعيّة إلى تجربتي المتواضعة.

    ثمّة اختلاف كبير بين الأسلوب السردي الروائي وأسلوب القصّة القصيرة. في القصة، على الكاتب أن يبني الشخصيات والأمكنة والأزمنة والأحداث بعيداً عن أيّ استفاضة، بحيث يصل بالقارئ إلى ضفّة الأمان سريعاً،  دون أن يؤثر ذلك على جودة النص أو يقلّل من أهميّته كعمل إبداعي.

    بالنسبة للرواية فالمسألة مختلفة، ذلك أن الروائي هو صاحب القرار وهو من يملك مفتاح تحديد المساحة الزمنية التي سيفردها لكل شخصية أو حدث. فالقدرات السرديّة للكاتب تتجلّى بشكل أوضح لدى الروائي الذي يستطيع أن ينفذ إلى أدق التفاصيل ويتغلغل بين مسامات المشاعر والتردّدات النفسيّة وينسج بعباراته رسماً بيانيّاً عن الشخصيات قد يطول أو يقصر بشكلٍ يخدم أهدافه وتوجهاته السرديّة.

    ** ما تقييمك لحال الثقافة في لبنان خاصة بعد التطورات الأخيرة والأزمة الاقتصادية؟

    – الوضع العام السائد  سواء على الصعيد السياسي أو الأمني أو الاجتماعي، لا بدّ وأن يترك آثاره ويُترجم قلقاً وتوجّساً من الغد وحتماً سينعكس ذلك على الساحة الأدبية بإنتاجاتها المتنوعة. وهذا أمر طبيعي، فالإنسان مهما حاول الانسلاخ عن واقعه، لا بدّ وأن تظهر تجليّاته بطريقة أو بأخرى. وعند الكاتب الأوراق هي من تفضح الكوامن والهواجس.

    وأنا كسواي طبعاً لا أعيش في بيئة اجتماعية افتراضية خالية من المشاكل والأزمات، لا يكاد ينقضي يومٌ دون أن ألتقط مأساة لأشخاص مقربّين أو لمعارف عبروا حياتي وأدركتني أحزانهم. والأزمة الحالية في لبنان كان لها أبلغ التأثير على الساحة الأدبية، وقد  تجلّى ذلك من خلال التراجع الكبير في مجال شراء الكتب المختلفة بعد الارتفاع الهائل في أسعارها أمام تراجع القدرة الشرائية للمثقف بشكل عام.

    كما وأن معرض بيروت الدولي للكتاب وبعد أن تمّ تعليقه لمدّة ثلاث سنوات بسبب الأوضاع الاقتصادية والصحية، عاد هذا العام ولكن بشكلٍ خجول فاقداً لوهجه السابق مسجلاً تراجعاً كبيراً مقارنةً بسواه من المعارض العربية. الأزمة الاقتصادية انعكست على مختلف المجالات والقطاعات، والحركة الثقافية في لبنان تضررت كثيراً سواء على مستوى إصدار الكتب أو بيعها على حدٍّ سواء.

    ** هل واجهتك صعوبات في النشر وما رأيك في حركة النشر في المنطقة؟

    – في الآونة الأخيرة تكاثرت دور النشر العربية بشكلٍ ملحوظ. وبالرغم من كَون عدد منها يسعى للربح الماديّ، إلّا أن حضورها  يعتبر مؤشراً ايجابياً يوحي بالتوجّه نحو مزيدٍ من الاهتمام بالمنتج الأدبي كسلعة استهلاكية تحتل مكانة في سوق العرض والطلب. معارض الكتب العربية في تطوّرٍ مستمرّ، وهذا برأيي  يشكل حافزاً للدور لدخول منافسة فيما بينها وطرح مزيدٍ من الإنتاج الأدبيّ، سعياً لإثبات وجودها في هذه المعارض والتي تشكّل منفذاً ناجحاً للترويج والبيع.

    بالنسبة لي فأنا أرى أن معظم مشاكل النشرالتي قد تعترض المبدع في العالم العربي تتركّز إمّا حول المسألة الدينية- الأخلاقية، أو الناحية السياسية. عملياً، لم يواجهني مثل هذا الموقف من قبل. فأنا بداية ملتزمة أخلاقياً، ولا أميل مطلقاً إلى تجاوز حدود القيم التي أؤمن بها إيماناً مطلقاً، والتي لا بدّ وأن تتجلى في كتاباتي بطريقة عفوية ودون قصد مني، إن قيودي على هذا الصعيد تنبع من ذاتي، ولا أنتظر أيّ جهة لتُملي عليّ قناعاتها.

    ثانياً، أنا لا أتعاطى الشؤون السياسية في كتاباتي، والتي قد تسبب إحراجاً لبعض دور النشر. في النصوص، أعبر عن آراء وتوجهات وطموحات عامة.بالتأكيد لديّ اهتماماتي السياسية، أفكاري وانتقاداتي التي تظهر في أكثر من مكان ومناسبة ولكن خارج إطار العمل الكتابي.أنا أتفاعل مع مختلف الأحداث والقضايا العربية، وأملك هواجسي الوطنية خصوصاً في المرحلة التي يمر بها لبنان حالياً، وأحاول أن أقوم بدورٍ وطنيّ فعليّ من خلال مهنتي كأستاذة للتربية الوطنية. أنا لست كاتبة سياسية، بل اهتماماتي أدبية محضة.

    عندما أختلي بأوراقي، مزاجي الأنثوي هو الذي يطغى ويفرض سيادته وسطوته، ولكن المشكلة التي بدأت تشكّل هاجساً بالنسبة لي، هي المسألة المادية وإمكانية الاستمرار في النشر المكلف مادياً نوعاً ما، في ظل الأزمة الاقتصادية والمالية التي تعصف بلبنان حالياً. أتمنى أن لا يشكّل هذا الموضوع عائقاً يحول دون نشر كتاباتي مستقبلاً.

    ** في رأيك هل تختلف كتابات النساء عن كتابات الرجال وما هو هذا الاختلاف؟

    – الكتابة هي وسيلة للتعبير عن الذات والآخر في آنٍ معاً. وسواء نتج النص الإبداعي عن امرأة أو رجل فإن الآخر لا بدّ وان يكون حاضراً بهمومه وأحلامه. المسألة بالطبع تتعلّق بوجهة النظر التي يتبناها النص، ولا ترتبط مطلقاً بالجهة الصادر عنها.

    المكوّن الفكري الذي تتبناه النصوص هو المعيار الأمثل في تصنيف الكتابات وليس الجهة الصادرة عنها. قد تكون الكاتبة مثلاً أكثر معرفةً بمعاناة المرأة وهمومها وأكثر قدرة على تجسيدها في نصوص مختلفة، لكن ذلك لا يلغي أن الكثير من الكتاب استطاعوا تناول المرأة وقضاياها بتعمّق كبير وبتمكّنٍ واضح.

    فسواء كانت الكتابة صادرة عن رجل أو امرأة فأنا على يقينٍ تام بقدرتها على تسليط الضوء على مختلف الأزمات والهموم والمشاغل بمهنية كبيرة، إن ارتبطت بصدق المشاعر وبقناعات ترتدي الكاتب دون أن تكون مفتعلة.

    ** هل ساعدتك وسائل التواصل الاجتماعي على الوصول للقراء والتفاعل مع الوسط الثقافي؟

    – ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي بالتأكيد في تبديل نوع العلاقة بين الكاتب والقارئ. لم يعد القارئ ذلك المتلقّي الذي لا يعرف عن الكاتب شيئاً، وصار الكاتب على صلة بقرائه بطريقةٍ مباشرة. لقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الكتب، وقلصت، إلى حد ما، من سلطة الصحف والمجلات المكتوبة والتي كانت فيما مضى صلة الوصل الأساسية بين القارئ والكاتب. لقد أزالت هذه الوسائل الحديثة كل الحواجز من فضاء الحياة الثقافية، ومنحته حيوية وقلّصت من عزلة الكاتب، ومنحت الناشرين والكتّاب طرقا جديدة في الترويج للأعمال الفكرية، وبالتأكيد ساعدت في انتشار الكتب.

    وبالرغم من أن وسائل التواصل الاجتماعي وحدها لا تعتبر كافية لمنح أيّ عمل أدبيّ حقّه الكامل في الترويج والانتشار، إلّا أنني شخصياً أدين بفضل كبير لها في وصول أعمالي إلى شريحة مهمة من القراء. فمع صدور الكتاب، والإعلان عنه وعرض مقتطفات من مضمونه، تتسع دائرة المهتمين به، ويحظى بانتباه النقاد المتخصصين والقراء.

    ** ماهي أحلامك وطموحاتك ككاتبة وماهي طقوس الكتابة لديك؟

    – على الصعيد الشخصي، يرتبط حلمي دائماً بالكتابة. لديّ العديد من التصورات الكتابيّة في أكثر من مجال، أتمنى العمل عليها وتطويرها.

    زمن الكتابة مهم جداً بالنسبة إليّ، إلّا أنني لا أتبع طقوساً كتابيةً محدّدة.فأنا قد أنفرد بغرفتي لأقوم بالكتابة، أو قد أكون وسط صخب وضجيج كبير وأمارس فعل الكتابة فأنسلخ عندها كليّاً عن المحيط لأغرق في ذاتي وحروفي. المسألة لا ترتبط عندي بالمكان، بقدر تعلّقها بحالتي النفسية التي تعتبر المؤثر الأول والأخير على مزاجي الكتابي. لكن كما قلتُ سابقاً صرت حريصةً على إفراد جزءٍ بسيط من يومي للكتابة. وهذا لا يعتبر بالأمر الصعب، ذلك أن نهاري عادة يكون صاخباً بالتقلبات المزاجية تبعاً للكثير من المواقف التي تعبرني والأشخاص الذين أصادفهم. ممّا يخلق أمامي مساحةً لا بأس بها لتمرّد الحبر وجنونه.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا