مع كتابات.. بديعة النعيمي: الروايات لا تحل مشكلة لكنها تضع أصبعها على الجرح

    1

     

    خاص: حاورتها- سماح عادل

    “بديعة النعيمي” كاتبة أردنية حاصلة على درجة البكالوريوس في الجيولوجيا. أصدرت روايات (فراشات شرانقها الموت- مزاد علني- عندما تزهر البنادق- حنظلة).

    إلى الحوار:

    ** متى بدأ شغفك بالكتابة وكيف تطور؟

    – بدأ شغفي منذ استدعتني الكتابة إليها، منذ تفتح الخيال وجمح لطفلة كانت تستعير قصص سلسلة “الغابة الخضراء” من زميلاتها في المدرسة لعدم قدرتها على شراء مجموعتها الخاصة.

    كنت أقرأ ثم أعيد كتابة ما قرأته بأسلوبي بعدها بفترة أصبح لدي القدرة على كتابة قصصي الخاصة التي كانت تنضج في مخيلتي. بعدها بسنتين تركت قصص الصغار لأسطو على روايات أختي التي كانت تدرس اللغة العربية في جامعة اليرموك وأقرأها بالخفية، أتذكر منها رواية “زينب” ل”محمد حسين هيكل” و”الأجنحة المتكسرة” ل”جبران خليل جبران” والتي كان لها الأثر الكبير في نفسي. توجهت بعدها نحو قراءة الروايات الأجنبية أبرزها روايتي “أحدب نوتردام” و”البؤساء” ل”فكتور هوجو”. وعندما اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الأولى هاجت المشاعر بداخلي فكتبت القصص القصيرة لفلسطين والكثير من الخربشات تحت مسمى شعرا نثريا.. إلى أن جاء عام ٢٠١٦ حين قررت كتابة روايتي الأولى.

    ** في رواية “عندما تزهر البنادق” لما اخترت أن تكتبي عن مذبحة دير ياسين، وهل جمعت المعلومات عن تلك المذبحة قبل الكتابة؟

    – روادتني فكرة الكتابة عن روايتي “عندما تزهر البنادق” “دير ياسين” أثناء اشتغالي على روايتي الثانية “مزاد علني”. قرية دير ياسين من القرى التي قام الاحتلال بطمسها بالكامل وتعتبر من القرى المهجرة  التابعة للقدس. حملت مجزرة دير ياسين اسم القرية، أنا اسميها أيقونة المجازر الفلسطينية ولو أننا اعتبرناها نجما في السماء فستكون هي أكثر النجوم لمعانا للناظر إليها، مع العلم أن الاحتلال ارتكب عشرات المجازر التي قد تكون أكثر بشاعة منها لكن مجزرة دير ياسين برزت لأنها وكما قال أحد قادة العصابات الصهيونية: لولا دير ياسين لما قامت دولة (إسرائيل).

    ** في رواية “عندما تزهر البنادق” كانت البطلة “زينب” ساخطة على ابن عمها “ناجي” الذي اكتشفت أن جدته يهودية.. لماذا وهل بالفعل ساعد اليهود القاطنون في فلسطين قبل احتلالها الوافدون من الصهاينة؟

    – اليهود والصهاينة هم وجهان لعملة واحدة.

    كنت قد ذكرت في رواية “عندما تزهر البنادق” وجود مستعمرة “غفعت شاؤول” والتي لا يفصلها عن قرية “دير ياسين” سوى وادٍ، يسكن هذه المستعمرة التي أقيمت عام ١٩٠٦ يهود تربطهم علاقات تجارية وبعضها الآخر صداقة. لكن ما الذي حصل ليلة المذبحة وما قبلها عندما بدأت العصابات بتنفيذ خطة دالت؟ ما حصل أن سكان المستعمرة كانوا دائمي الاستفزاز لقرية دير ياسين لافتعال هجوم من قبل العصابات.

    ثم أنهم قاموا ليلة المجزرة بتقديم كافة أنواع المساعدات للعصابات الصهيونية من علاج للجرحى وتعبئة للبنادق التي كانت تنفذ ذخيرتها أثناء الهجوم والشرح يطول ويصعب حصره هنا لذلك أكتفي بما ذكرت لعدم الإطالة.

    ** أشرت في رواية “عندما تزهر البنادق” إلى اضطهاد اليهود من قبل النازية، في رأيك أليس هذا مدخلا للتعاطف معهم؟

    – لا أحد يستطيع إنكار بأن النازية اضطهدت اليهود وكان لاضطهادهم أهداف لكن ليس بالصورة التي قامت الدعاية الصهيونية بتضخيمها إعلاميا من أجل استعطاف العالم وإقناعهم بوجوب خلق دولة لليهود تحميهم من اضطهاد الشعوب لهم أينما حلوا. وهذا لم يكن ليحصل من غير التضحية بالقليل من اليهود على مبدأ الغاية تبرر الوسيلة.

    وكنت قد تطرقت في روايتي “حنظلة” إلى مسألة الستة مليون يهودي وملخصها أن النازية قضت على ستة مليون يهودي أثناء الحرب العالمية الثانية، وهذا كذب وافتراء قامت الصهيونية بتضخيمه وجعلت له قانونا سمته “جيسو” يحاسب كل من يكذب هذا الرقم أو يشكك به..

    ** في رواية “حنظلة” كان تناولك للسجون داخل الكيان الصهيوني وبشاعة المعاملة فيها.. هل لديك مشروع أدبي ما يسعى إلى كشف ما يحدث للفلسطينيين من انتهاكات ومجازر وفظائع.. ومتى فكرت في ذلك؟

    – بالتأكيد أحاول في كل رواية من رواياتي الكشف عما حدث في فلسطين منذ بداية الانتداب البريطاني من ارتكاب للمجازر البشعة إلى الاعتقالات للمقاومين الفلسطينيين وانتهاك حقوق الإنسان في معاملة الأسرى إلى كشف الغطاء عن المستور.

    وكنت قد بدأت بالحديث عن بدايات ما حصل باستخدام أسلوب الترميز في رواية “مزاد علني” والتي ضمت بداخلها قصة يرويها البطل على لسان الحيوان. بعد ذلك قررت أن أتحرر من أسلوب الترميز والانطلاق للحكي بأسلوب مباشر عما حصل فكانت رواية “عندما تزهر البنادق” التي جاءت لتكشف الغطاء عن مجزرة دير ياسين، ثم جاءت “حنظلة” لتكشف ما يحصل داخل المعتقلات أما الآن فأنا مشغولة بالبحث والدراسة من أجل مشروعي الروائي الخامس.

    ** في رواية “حنظلة” أشرت إلى وجود أيادي كثيرة للصهاينة في كل مكان وفي أمريكا ومراقبة من يمثل خطرا على مشروعهم الزائف.. حدثينا عن ذلك؟

    – لا أحد يستطيع إنكار هذا الشيء وأكبر دليل على ذلك أنهم استطاعوا إرساء دولة لهم بيننا وفي وطننا العربي، شعب من الشتات لا يتشابه في الشكل ولا في اللغة استطاعت حركة عنصرية أن تجمعه في أرض عربية ألا وهي الحركة الصهيونية، ولا يغيب عن بالنا الحاضنة الأولى بريطانيا وما كان لها من مصالح في مشرقنا، والحاضنة الثانية أمريكا والتي خرجت بعد الحرب العالمية الثانية كأقوى دولة في العالم وطمعها في الذهب الأسود العربي. والمراقب الآن لما يجري في القدس وتحديدا في حي الشيخ جراح من سطو على بيوت المقدسيين وقتل واعتقال وتدنيس لساحات المسجد الأقصى المبارك والصمت العالمي والعربي لن يشك لحظة بأن الصهيونية أخطبوط خطير.

    ** في رأيك لماذا يفكر الكاتب في الكتابة عن المجازر والحروب والصراعات والانتهاكات على أرض الواقع هل بهدف كشفها لمن يغفل عنها أو توثيقها للأجيال القادمة حتى يطلعوا على الحقائق أم ماذا؟

    – من المؤكد لأن الكاتب الذي يحمل الهم العربي على عاتق قلمه وفكره لن يتوانى لحظة بتوثيق ما حصل من أجل الأجيال القادمة، كما أنه سيحاول من خلال ما يكتب أن يكذب الرواية الصهيونية التي تقول بأن فلسطين هي أرض بلا شعب. وإثبات الهوية الفلسطينية.

    ** ما تقييمك لحال الثقافة في الأردن بما يندرج تحت إطارها من نشر ونقد؟

    – نعاني في الأردن من الكم الهائل للكتب المنشورة وخصوصا الرواية وفي المقابل هنالك أزمة نقدية فالحركة النقدية حاليا أقل ما توصف به بأنها مصابة بالفتور والوهن بسبب انصراف الأدباء عن الاهتمام بالنقد مع العلم أن النقد الموضوعي هو غاية في الأهمية، لأنه قادر على إفراز ما يتم نشره من أعمال. كما أن النقد أحيانا عندما يوجد نلاحظ بأنه أصبح يميل إلى المجاملة في إطار من العلاقات الشخصية طبعا باستثناء عدد قليل من النقاد.

    ** لك روايتين (فراشات شرانقها الموت- مزاد علني) هل تتناولان فلسطين أيضا؟

    – روايتي الأولى “فراشات شرانقها الموت” كنت قد تناولت فيها موضوع الربيع العربي، أما الثانية فقد تطرقت من خلالها إلى الطبقات المهمشة داخل المجتمعات العربية وضمنت الرواية بقصة يحكيها البطل على لسان الحيوان رمزت من خلالها أحداث من بداية القرن العشرين تخص فلسطين.

    ** تخصصك في مجال الجيولوجيا لكنك اخترت أن تكوني كاتبة روائية لما، وماذا تحقق لك الكتابة الأدبية؟

    – كما ذكرت سابقا الكتابة هي من اختارتني لأكون من أبنائها كما فعلت أمي فلسطين. وقد نذرت قلمي بالفعل لها ولقضيتها التي طالما حلمت بأن تحل يوما فتعود إلى حضن العروبة واخترت الرواية تحديدا لأنها فضاء شاسع يمكنني من توزيع نجومي في مساحاته الرحبة بكل حرية. والرواية هي الأقرب إلى نفسي لأنني عندما أبدأ بالكتابة أنفصل عن الواقع لأدخل عالمي الذي أحب فتجدني أتجول في ساحات الأقصى المبارك أو أجلس على مقعد أمام بحر يافا أحدق به ألومه مرة فيعتذر آلاف المرات أسامحه نودع الشمس معا.

    ثم تحملني الأحداث إلى نابلس فحيفا فالناصرة ووو… وأنا أعلم بأن الروايات لا تحل مشكلة لكنها تضع أصبعها على الجرح الناكيء على أمل استنفار الهمم.

    ** في رأيك هل تختلف كتابة المرأة عن كتابة الرجل على مستوى زاوية التناول والموضوعات التي تختارها وطريقة المعالجة للموضوعات أم لا؟

    – يعتمد هذا من وجهة نظري على شخصية الكاتب. فمثلا قد نجد المرأة الكاتبة تتحاشى تناول بعض الزوايا التي قد يتناولها الرجل لأنها تحسب حسابا للمجتمع وعاداته فتخشى الانتقاد الذي قد يصل إلى التنمر، لكننا قد نجد أخرى تتناول نفس الزاوية بكل جرأة ولا تخشى أي انتقاد قد يوجه إليها بل إنها قد تتناولها أحيانا بطريقة أقوى من بعض الرجال بل وتعالج الموضوع بطريقة أفضل.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا