مشكينو

    60

    عن – مشكينو- عامر موسى الشيخ!
    عرض/ د. حارث الخضري
    يمنحنا التراث، باعتباره سجلا للنشاط الإنساني في مجتمع ما على مدى زمني طويل، مصدرا مهما وأساسيا في دراسة المجتمعات وفهم قواعد تطورها وتعليل متغيراتها الحادثة.
    باختصار، التراث من أكثر المفاهيم التي تهب ملامح متميزة لأي أمة، فالتراث جزء من هوية الشعوب وهو الذي يوضح كيف بنت أمجادها وما هي أسباب انحدارها.
    وبالنتيجة تخولنا دراسة التراث القدرة على رسم صور مستقبل بيئتنا وتوقع القادم والاستعداد له.
    لذا كان ظهور منجز جديد يدرس جانبا من تراثنا مدعاة للاحتفاء، وفرصة جديدة لإعادة قراءة مجتمعنا وسبر أغواره.
    مناسبة هذه المقدمة، صدور “كتاب المشكينو” عن دار تأويل للطباعة والنشر، للشاعر والكاتب عامر موسى الشيخ ، والذي يستكمل فيه مشروعا طموحا كان قد بدأه في روايته الصادرة في دمشق (2016 ) ” الخامس والعشرون من أيلول” . يتعلق موضوع السفر الجديد بدراسة تراث مدينته الأثيرة السماوة، تلك المدينة الساحرة الواقعة على نهر الفرات في مركز محافظة المثنى 270 كليو مترا جنوب العاصمة بغداد.
    الكتاب يؤشر، بدءا من غلافه، رحلة مميزة في صفحات جليلة لمدينة حافلة بالأحداث والشخصيات والقصص. فالعنوان الذي ظهرمشاكسا لقارئه بسبب غرابته وندرته المعجمية يحمل في طياته لغزا يثير الفضول، كان مشاكسة من الكاتب تثير حماسة القارئ وتحرك فيه رغبة التقصي عن دلالته.
    وبعد البحث نجد أن الشيخ مزج في عنوانه بين معجم العربية والسومرية. فـ”المشكينو” كلمة سومرية الأصل تعني المسكين في العربية. بدا هذا الاختيار لعبة رمزية ذات كثافة عالية وإحالة ذكية على ما تملكه السماوة من إرث وتاريخ، وعمق وتأثير.
    فكأن الشيخ يقول: أرث السومريين مازال بيًنا في لغتنا لليوم!
    والمسكين، في ما يبدو، هو الإنسان بمفهومه العام. ذلك الكائن الذي يحمل على كتفيه ثقل المكان والزمان والطبيعة والعادات والتقاليد!
    صورة الغلاف، أيضا، جاءت عميقة الدلالة ومسيرة للمعنى بإسلوب رشيق. صورة لشيخ سماوي حقيقي، من أهل المكان، تجاعيده ونظرته موجز لتأثير البلدة على أهلها!
    صورة، بلا شك، ستثير الكثير في مشاعر أهل المدينة. وهذه خطة دلالية وتسويقية ذكية!
    أما الكلام عن محتوى الكتاب فبحد ذاته يحتاج الى جهد خاص. الأساس في هذه المحور أن موضوعة الكتاب
    وطريقة الكاتب في معالجتها تستدعي ثلاث ملاحظات:
    أولها: ثيمة الكتاب الرئيسة التي كما أراها تتلخص في تسليط الضوء على تراث مدينة السماوة المادي واللامادي. ونقصد بالتراث المادي ما سطره الكاتب في صفحات كتابه عن الأبنية والمواقع الأركيولوجية ، والمآثر التاريخية داخل السماوة، أو الأدوات المستخدمة من قبل أهل المدينة كالأسلحة والجواهر والخزف والفخار والملابس والأواني والأبواب. أما اللا مادي فيتعلق بالخبرات، والمعارف، والمعتقدات، والعادات، التي خلفها الأسلاف.
    الأساس والذي يجعل من هذا الكتاب مهما هو أن هذه العناصر والمكونات، تتقاسم خاصية محددة، وهي كونها موارد غير قابلة للتجدد، فكل عنصر أو مظهر يهمل سيضيع إلى الأبد. من هنا يأتي ” كتاب المشكينو ” كخطوة في طريق الحفاظ على التراث الثقافي في السماوة.
    وللحق فأن دراسة هكذا موضوع وبهذا الشمول من النوادر في المكتبة السماوية، بل لعلي أستطيع القول أن السماوة من المدن المظلومة في هذا المجال البحثي. ولن أجانب الصواب لو قلت أن الكثير من تراث وحكايات السماوة وأشعارها غير موثق وعرضة للاندثار. وأتمنى أن يكون الكتاب دعوة للاهتمام بهذا الجانب المهم في تاريخ المدينة والناس.
    ثانية الملاحظات تتبلور في كيفية فهم الشيخ للظواهر المجتمعية ومنهجه المتبع في معالجة موضوع كتابه، والذي أجده في مديات واسعة تطبيقا ذكيا ولافتا للمنهج (النيتشوي) في فهم الظواهر.
    فلم ينشغل الكاتب بتبرير الظاهرة المجتمعية وإنما حاول فهم تطورها التاريخي والمتطلبات النفسية لنشأتها وأجتهد بغية تعليل تشــكل المعرفـة المجتمعية، والأحداث مـن دون التركز على مفهـوم ميتافيزيقـي.
    كما سعى الكاتب، بمساعدة قواعد مدرسة الفيلسوف فوكو، إلى الغـوص فـي أعمـاق معارف مجتمعه، والنبـش فـي وثائقه، بهدف الكشف عن حقائق غير مفكر فيها، أو مهمشة، في حقول المعرفة والثقافة السماوية وانطلاقا من اكتشافاته يبني الكاتب في نهاية مغامراته حقائق جديدة يقدمها طازجة لقرائه!
    ولن أجد صعوبة في القول: أن الشيخ نجح في ذلك نجاحا باهرا ما ساهم في تقديم مادة استثنائية.
    ثالث الملاحظات تأتي من طريقة استعراض الشيخ لمواضيع فصول كتابه. جاءت هذه المواضيع متنوعة وعلى أنساق متباينة وتغطي مساحات واسعة ومختلفة من تاريخ وعادات وحكايات وطرائف المجتمع السماوي.
    وجلي أن هذا التنوع يهدف الى عدم حصر المتلقي في إطار فكري واحد. وظهر الكتاب أشبه بألبوم صور عائلي. يسترجع مع القارئ لقطات من حقب متغايرة وتحيله الى مفاصل متعددة من حياة المدينة ما يمنحه القدرة على تشكيل لوحة أشمل عن حياة المجتمع السماوي خلال العقود الماضية. طريقة تذكر بطرق كتابة الأمالي في التراث العربي. ومما لا شك فيه أن هكذا طريقة عادة ما تكون خفيفة على القراء ومحببة لهم. فالأفكار العميقة بسيطة في بنياتها ومباشرة في ما تقدمه وتخلق جوا من الطرافة وتمنح متعة.
    في النهاية، كان ” كتاب مشكينو” ذكيا في موضوعه سلسا في طريقة استعراض أفكاره مهما في أهدافه وفرصة جدية ليكون حجر أساس لمشروع أوسع وأشمل، فالسماوة، بلا ريب، غنية بتاريخها وذات تراث عميق الجذور.