مراسلات بين الطيب العقبي وعبد الحميد بن باديس

الثلاثاء 13 تموز/يوليو 2021
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

مراسلات بين الطيب العقبي وعبد الحميد بن باديس ..للكاتب شكيب بليلي
عرض/ حمزة بلحاج صالح
” حملة عرش الادب في الجزائر أربعة ابن باديس و الميلي و العقبي و الزاهري ”
الأمير شكيب ارسلان

ان الكتاب على صغر حجمه يحمل قيمىة تاريخية و معرفية مضافة و مهمة جدا انه من تأليف كل من الأستاذ شكيب بليلي الصديق المثقف والذي أعرفه جيدا و أعرف حصائله و كسبه الواسع ثقافيا و معرفيا و فكريا و قدرته على التحليل و استيعاب مناهج كتابة التاريخ في العالم الغربي ….

فهو قلم مزدوج اللسان عن إقتدار و لمعرفتي به أستسمح القارء الكريم إن وصفته بالمثقف العضوي و العملي في سياقنا الثقافي حتى نزحزح المفهوم عن سياق تعريف ” غرامشي ” للمثقف فلعل الاصوب انه مثقف ملتزم وحصيف و عملي و ميداني و صاحب رسالة…

و لعل نقل الرسائل التي تداولها الطيب بلحاج صالح المعروف بالعقبي مع عبد الحميد ابن باديس رائدان من رواد جمعية العلماء المسلمين هكذا بهذا الترتيب الافقي الذي يسوي بينهما قد طرح ما غاب عن الكثير من تضخيم و تهويل او بخس و انقاص …

و انا واثق مما أقول لمعرفتي بتاريخ الجمعية و المنزلة التي شغلها كلاهما و الأدوار الكبيرة التي قد نعود إليها تفصيلا في مقام اخر من خلال قراءة متعددة الادوان نسقية الميتودولوجيا قريبا ان شاء الله…

و الكتاب الذي نعرف به أنجز بمعية الكاتب سهيل شنوف الذي أتمنى ان اعرف عنه اكثر و أعرف به و بكسبه فمعذرة ان تحدثت بما أعرف عن المثقف القدير شكيب بليلي حيث صدرت الطبعة الاولى عن “منشورات ثالة ” في مائة و سبع و خمسين صفحة من القطع المتوسط مع الصور ونسخ من الرسائل التي ضمنها الكاتبان كتابهما …

إن تاريخ الجزائر والتاريخ عموما في بلاد العرب و المسلمين يفتقر إلى أسس و عناصر مدرسة بمنهج لكتابة التاريخ و لا أريد هنا الإلتفات الى بعض التلفيقات التي تصدر هنا هو هنالك في بعض الجامعات و مخابر البحث في التاريخ فتدمج هذا بهذا و تلفق و تلصق و تنسخ و تركب و تعيد الصياغة ….

فهذا يتحدث عن كون منهجه يرتسم في إطار مقولة ” التكامل المعرفي ” و ذلك يحدثنا عن مدرسة تاريخية قريبة الميلاد تدعى ” مدرسة القيم ” و نوزاع اديولوجية ترافق الفقر الرهيب و المفزع في ما تستدعيه وضعية تدريس و كتابة التاريخ عربيا و إسلاميا و جزائريا …

إن القاسم المشترك لجميع هذه التلفيقات هي الانطباعية و السردية و التبعيض و عجز قراءة الوقائع في سياقاتها البعيدة و ابعادها الاستراتيجية فغلبة السردية و التحيز جعلت التاريخ في قبضة اللامعنى و اللادلالة و الإثنيات و الإنغلاقات الأيديولوجية و السياسوية و الجغرافية و التزييف …

الكاتب شكيب بليلي كباحث مستقل مهموم بالشأن الوطني و الجزائري وهو يقدم هذا العمل انما يعرض علينا الوثائق التي تبنى عليها الفهوم الكلية للتاريخ و تبنى عليها التحقيبات الزمنية و يبنى عليها تحليل الخطاب التاريخي و بدونها لا و لن يكون تاريخ ….

فالنقد الفللولوجي الإستشراقي لولا ” الوثيقة ” ما استطاع ان يقدم إلينا فهمه الإستشراقي بما له و ما عليه للتاريخ و للتراث و الذي لا يخلو من تحيز…

لكن الوثيقة هي الأداة الرئيسة لمعارضة و نقد أطاريح الاستشراق القديم او حتى الحديث الذي سماه محمد اركون بالإسلاميات التطبيقية و قد قدمت له مداخل نقدية و من أين و كيف ركب و لماذا يعتبره أركون أداة ناجعة لفهم التراث و التاريخ بدلا من الاستشراق القديم و القراءة الفللولوجية وعند بعضهم القراءة التاريخانية….

سوف نحاول تقديم عرض وصفي تعريفي بمسحة فينومينولوجية أي ظاهراتية لمحتوى الكتاب معتبرين هذا المدخل ” الميتودولوجي ” الذي أضعه بين أيديكم مقدمة في المنهج و الكتابة التاريخية و حالها عندنا في الجزائر و البلاد الإسلامية مع غلبة ما ذكرت من خصائص لا ترشحها لتكون كتابة تمثل مدرسة للتاريخ مع غلبة المنهج التأريخي ” الهيستوغرافي ” عند البعض و ليته كذلك بل طغيان السردية و الانطباعية و التبعيضية و نزعة الأسطرة …

و جميع هذه النوازع و بعض هذه الأدوات لا تساعد على علمية الكتابة التاريخية و لا تحل الاشكال و لا تؤسس لمدرسة للتاريخ و عليه سأعرف بمادة ثمينة تأسست على جهد عظيم و جبار هو ترتيبها و توثيقها لعلها تجد في المستقبل روادا يقومون بفحصها و تحليل محتواها و إستنطاق مقالها ولا مقالها و وضعها في سياقها التاريخي وزمنها المعرفي وأطرها الإجتماعية كما يسميها ” جورج غورفيتش ” في كتابه الثمين ” الأطر الإجتمعية للمعرفة “…

إن الباحث المستقل و القديرالاستاذ شكيب بليلي متعدد الثقافة واللغات و منفتح على المكون الإنساني الفكري و المعرفي و الفلسفي و الثقافي راسخ القدم في ذاته فهو من عائلة عريقة الأصالة و راسخة في هويتها و وطنيتها و بروح إنسانية عالية و تحضر و مدنية عرفت و اشتهرت ….

فكيف لا يكون المعول عليه بعد هذا الكتاب ان يقوم بتحليل هذه الرسائل تحليلا لا يلغي “النسقية ” عند فحصها و قراءتها فيجمع بين كل من التحليل السببي و الغائي و النسقية بكل محمولاتها المنهجية و المعرفية و الايبستمولوجية و هو ما نترقبه منه بعد هذه الإضافة الثمينة المتمثلة في جمع الرسائل التي تعد شاهدا تاريخيا على حقبة هامة تمكن من فهم السجال الدائر في جمعية العلماء المسلمين..
في قلب النص و مفاصل الكتاب

تضمن الكتاب واحدا و ثلاثين رسالة بين القامتين العلميتين في ذلك السياق طبعا و بين رائدين من رواد الإصلاح بل أرى انهما من حيث الهرمية و حصائل العلم و العمل في الواقع اعلاهم هرمية جميعا و هي رسائل موثقة مرفوقة باحالات على الهوامش..
ان مقدمة الكتاب كانت جميلة و لطيفة و غنية بالمعاني دشنت في بداية الكتاب بمقولة الأمير شكيب أرسلان التي صدر بها الشيخ مبارك الميلي رحمه الله كتابه ” تاريخ الجزائر” و دشنت بها انا مقالي هذا أعلاه وهي ” حملة عرش الأدب في الجزائر أربعة ابن باديس و الميلي و العقبي و الزاهري ” و هي كأنها مستلهمة من مقولة ابن خلدون و هو يتحدث عن أركان الأدب الأربع و مصنفاتهم التراثية الثمينة منها الامالي للقالي و ادب الكاتب لابن قتيبة و البيان و التبيين للجاحظ و الكامل للمبرد…

و في كل الأحوال من غير تضخيم و لا بخس بضاعة الناس ان المنجز الادبي يعكس مراحل معينة و سياقات و لا يمكن محاكمة القديم بالجديد فحتى الذائقة الفنية تتحدد ماهية و تعريفا في السياق و الزمان و تتطور و تتغير فرحم الله امبارك الميلي و رواد الادب الاربعة برحمته الواسعة أعطوا كثيرا للعربية و للدين و للهوية و مكافحة المسخ الذي كانت تريد نشره فرنسا عبر استعمار استيطاني ثقافي تربوي تعليمي و فكري متعدد الأدوات التدميرية و التهجينية …

تناولت المقدمة بأسلوب سلس سهل بيان العلاقة الوثيقة التي كانت تربط ابن باديس بالطيب العقبي وتعكس قوة الترابط الإنساني والوجداني والعقلي ووحدة الوجهة و إصرار ابن باديس من جهته على طلب العون و المشورة من الشيخ العقبي حيث يظهر هذا خاصة في الرسائل الأولى قبل إيقاع بعض المغرضين بينهم بالفتنة و الشقاق …

كان الرجلان بأخلاق رفيعة مكنت لعلاقة المودة و التشاور بينهما أن تتوطد قوية صلبة متينة وقد بدأت تلكم العلاقة منذ إلتقاء الرجلين بالمدينة المنورة عام 1913 ثم تجددت هذه العلاقة بين الرجلين كما جاء في مقدمة الكتاب بعد عودة الشيخ الطيب العقبي الى الجزائر و استقراره ببسكرة …

كما بينت مقدمة الكتاب كيف ان اشتراك الأهداف و الغايات العملية والنضالية متن رابطة الاخوة بينهما و كذلك عملهما الصحفي في جريدتي السنة النبوية و الشريعة النبوية و الصراط السوي والتي أسندت جمعية العلماء المسلمين لرئاسة تحريرها الرائدين في الادب و الخطابة و السجال الطيب العقبي و سعيد الزاهري و باشراف الأستاذ عبد الحميد بن باديس …

ثم فصلت المقدمة التي جاءت في إحدى عشر صفحة ضمت صورتان مع تسع صفحات للتقديم كيف كان ابن باديس كان يشاور باستمرار عن طريق المراسلة الطيب العقبي لما كان ببسكرة ثم في الجزائر و ابن باديس من قسنطينة…

هذه الرسائل كانت ذات قيمة تاريخية كبيرة تفند كل مزاعم الفتنة عند بعض هواة الكتابة التاريخية و بعض المتعصبين و المتحيزين و غير المحترفين بل تكشف عن بطلان ادعاءهم من أن نزاعا ما سواء يتعلق بالزعامة و الرئاسة و الظهورأو غيره قد نشب بين الشيخين ابن باديس و العقبي …

حتى تدخل فعلا بعد وقت بعض المغرضين و بعض الأطراف لمحاولة افساد العلاقة المتينة بينهما و لن يتجلى ذلك فعلا الا بفحص هذه الرسائل التي تعتبر وثيقة تاريخية هامة جدا سوف نخصص لها سلسلة من المقالات تزيح كل الإلتباس القائم عند بعض المتأولين وهواة كتابة التاريخ بلا نزوع نقدي او بتحيز أيديولوجي او مصلحي او زعاماتي …

ان هذا الكتاب يعتبر وثيقة تاريخية للعمل عليها بل جهد عملاق ميسر للباحث و الطالب و المؤءرخ و الأستاذ بالجامعىة و الباحث بالمخبر و الباحث المستقل في التاريخ الجزائري و الإسلامي و الثقافي …

و لئن وجد من أصحاب الفضل و التنويه الذي يجب ان يقدم لهم الشكرا على مساهمتم في الحفاظ على هذا العمل و جمعه و تيسير طبعه فهو بعد الله يعود للباحث الحصيف مزدوج اللسان الأخ و الصديق شكيب بليلي و أبناء الشيخ الطيب العقبي رحمه الله و حفيده نسيم بلحاج صالح ابن المرحوم محمد المكي بلحاج صالح و أيضا السيدة الفاضلة مريم العقبي حرم ابن الشيخ الطيب العقبي المرحوم جمال العقبي و ابنيه طارق و نزيم و ابن الشيخ شكيب العقبي و محمود العقبي رحمة الله عليه و احميدة و كل الأبناء …

و سنعود الى جهودهم جميعا و لكل انسان بدء منا نحن كبوة و قومة و الله يجازي كل مجتهد …

لقدجاء في مقدمة الكتاب ” ان القراءة المتأنية للرسائل المتبادلة بين الشيخين جعلتنا نفكر بان قراءة جديدة لتاريخ جمعية العلماء المسلمين صارت ضرورية في الوقت الحاضر نظرا للنزعة التهويلية و التقديسية التي كتب بها التاريخ خاصة ان الذين بعض الذين اسهموا في كتابة التاريخ من وجهة نظر واحدة متحزبة أساسا للشيخ بن باديس بينما الامر ينبغي ان لا يكون اما اسود او ابيض فكلا الرجلين لهما قدرهما و جهودهما في سبيل الحركة الإسلامية او حسب تعبير الشاعر و هو ابلغ

خصمان فيما يفيد الامة اختصما … اياك ان تنقم الخصمين اياك

كلاهما في سبيل الله مجتهد … فلا تذمن لا هذا و لا ذالك ” (1)..

رتب الباحث شكيب بليلي بمعية الأخ سهيل شنوف الرسائل حسب تاريخ كتابتها كما أشارا الى ذلك في مقدمة الكتاب مرفوقة بالردعليها حين يوجد رد من الطرفين و بينت المقدمة ان هذه الرسائل دونت في الفترة ما بين 1924 و1938 و هو التاريخ الذي وقعت فيه القطيعة بين الشيخين على حد تعبيرهما …

بين الكاتب شكيب بليلي و الأخ سهيل الصعوبات الكبيرة التي اعترضت سبيلهما و منها التي تتعلق بقراءة الرسائل و خط الكتابة السريعة و القديمة مع وجود كلمات تعذرت قراءتها و أخرى مختزلة و بعضها غامض أحيانا….

وفي النهاية ان هذا الكتاب الثمين وثيقة تاريخية ستحدث عند ذوي النباهة و العلم من الكتاب و المحللين و المؤرخين منعطفا هاما و منعرجا في زاوية النظر و رؤية جديدة لجمعية العلماء و السجال الدائر في احضانها …

قسم الكاتبان كتابهما الى مبحثين الأول تناول ترجمة لحياة الشيخ العقبي اقتصرت على ترجمته لنفسه في كتاب شعراء الجزائر و هو ما يفعله جل الكتاب و نأمل ان نرى ترجمة اكثر توسعا و ثراء ثم تناول مقتطفات من شعره و كتابته و الجرائد و الصحف التي كان يرأس تحريرها الشيخ العقبي و كذلك الحادثة الشهيرة لاغتيال بن دالي كحول و اعتقال الشيخ العقبي…

و تناول الكتاب في المبحث الثاني على المراسلات المخطوطة و المكتوبة بيد الشيخين العقبي و بن باديس من سنة 1924 الى 1938 مع استخراج مضامينها …

هذا الكتاب على تواضع عدد صفحاته يحتوي على كنز ثمين جد يوضع بين ايدي الباحثين و يدعوهم للنهوض من اجل قراءة تجديدية لتاريخ جمعية العلماء المسلمين غير التي رويت من طرف و جهة واحدة و راوية لا تنافسها أخرى و انتصار للتاريخ المروي من النافذ و المستقوي و المستحوذ على أدوات البلاغ و الاشهار و القيادة و الزعامة و قد أثار الكتاب همتي لأتناول في القريب العاجل على ضوء هذه الرسائل قراءة جديدة لتاريخ الجمعية و التاريخ الثقافي الجزائري في حقبة الاستعمار الفرنسي…

فالشكر و التقدير للاخ شكيب بليلي باحثا مزدوج اللسان و مطلعا و مهتما بتاريخ الجزائر والجمعية …

و التحية لجنود الخفاء يشتغلون من غير ظهور بتاريخ الراحل العظيم الشيخ الطيب العقبي و على راسهم السيدة الفاضلة اطال الله في عمرها و المهتمة بتاريخ الشيخ الطيب العقبي و هي السيدة مريم العقبي حرم نجل الشيخ جمال رحمه الله و هو شخصية عمومية في حقل الرياضة الجزائرية السبعينية و نجلهما و بقية أبناء الشيخ العقبي …

و كل من ساهم من قريب او بعيد ليساهم في بناء هذا الجسر المعرفي- التاريخي الهام عبر هذا الكتاب في انتظار مولود جديد لكتاب بلا شك ثمين للباحث شكيب بليلي….

…………………………………………………….

(1) ص 8 من كتاب ” الطيب العقبي و عبد الحميد بن باديس – مراسلات و احداث -” للمؤلفين شكيب بليلي و سهيل شنوف- دار ثامة – الابيار الجزائر – الطبعة الاولى 2014



الانتقال السريع

النشرة البريدية