محمود البياتي.. كتب ليكتشف ذاته وليتعايش مع المنفى الطويل

الأحد 26 آب/أغسطس 2018
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

 

خاص: إعداد- سماح عادل

“محمود البياتي” كاتب عراقي، ولد في بغداد 1949، وغادرها في 1974 لأسباب سياسية. فاز بجائزة القصة العربية في بيروت عام 1981، وأصدر أول مجموعة قصصية بعنوان “اختراق حاجز الصوت” في القاهرة عام 1984، وأول رواية “رقص على الماء- أحلام وعرة” عام 2006. عاش بمدينة “غوثنبورغ” في السويد منذ 1991، وكان قد عاش في براغ نحو عشرين عاماً، وترجمت قصصه إلى الإنكليزية والفرنسية والتشيكية.

حياته..

عاش “محمود البياتي” في بغداد 29 عاما فقط. والده “كامل عارف عربي” من رواد المصورين الشمسيين في مطلع القرن الماضي، وأمه كردية “ناجية بنت الشيخ شكر الله” أول مصورة في ستديو. فر من العراق مرتين، الأولى بعد انقلاب 1963، حيث قتل ابن عمه الزعيم “وصفي طاهر” مع رئيس الجمهورية “عبد الكريم قاسم”. أمضى عاما في بيروت، وعامين في براغ وبرلين، ثم رجع للعراق في 1966.

فر مرة ثانية وأخيرة في 1974، بعد القبض على أعز أصدقائه “جواد هماوندي” الذي أعدم في اليوم التالي 12 مايو مع حبيبته “ليلى قاسم حسن” وخمسة رفاق آخرين. عاش في براغ نحو عشرين عاما، وفي موسكو تسعة أشهر، ثم انتقل للسويد منذ 1991.

رقص على الماء..

في حوار مع “محمود البياتي” مع الصحيفة السويدية “دوغنز نيهيتر” أجراه الصحفي السويدي “توماس ليرنر”، ترجمة “خالد أحمد” يقول عن روايته “رقص على الماء- أحلام وعرة”: “رقص على الماء- أحلام وعرة” ترمي إلى قول أن الناس كلهم، بغض النظر عن أصولهم ثقافيا دينيا و إثنيا، يمكن أن يتعايشوا لو منحوا فرصة التعرف بعضهم على بعض.. أحداث الرواية تجري في “همركولان” بين حشد من الناس. هناك فنانة فلسطينية، شاعرة يهودية، فتاة كردية، فتى تشيلي، وعدد من السويديين العاملين في الحي فضلا عن شاعر عراقي. حتى يسوع، ومُحمد وكارل ماركس منغمرون في مجري الأحداث.. الراوي، الشاعر العراقي في الرواية يجد محفظة نقود عليها رسم الفونس أوبري. ويبدأ البحث عن صاحبها، يسأل السويديين والمهاجرين، لكن عبثا. الشاعر يكتشف وسيلة جديدة للاتصال بالمحيط، بالجيران، بالأصدقاء والسويد، وفي غضون مطاردة الفونس يجد هوية أخرى. هو يدمج التقاليد القديمة للوطن الأصلي مع النمط السويدي للعيش”.

وعن تناوله لنفسه داخل الرواية يجيب “محمود البياتي”: “الأدباء كلهم يستلهمون حياتهم الخاصة وتجاربهم.. نحن المهاجرون لن نتخلى عن تقاليدنا ونتنكر لخلفياتنا الثقافية، نحن نستطيع إثراء المجتمع السويدي. لكن لا ينبغي علينا أن ندع، بالمقابل، أحكامنا المسبقة تهيمن على صورة السويد. هذه الحقيقة توصلت إليها في غضون العمل على الكتاب”.

وعن الكتابة يقول: “أكتب لأبقي على قيد الحياة، هذا علاج، الكلمة تطلق الأفكار والأحاسيس فلا تعد تثقل كاهلي، لدي متنفس للقلق، للغضب والحزن، ولعلني اكتشفت من أنا وماذا أريد أن أكون”.

وعن التفكير في العودة إلى العراق يؤكد: “لم تعد بغداد كما تركتها، تهدمت مبان وشيدت أخرى، الناس تغيروا كذلك، والحياة تختلف تحت الاحتلال، كثير من الأصدقاء القدامى ساندوا الغزو، ماذا يفكرون بي اليوم؟ كيف سأستقبل؟.. أنا كذاك تغيرت بعد كل تلك السنين في براغ وغوثنبرغ”.. أنا سكنت في بغداد بين أسرة، أصدقاء ومعارف، كانوا يعبرون عن انفسهم مباشرة، تلقائياً، ولا يميلون إلي إخفاء مشاعرهم، إن كانت حباً أو بغضاً. هم يبكون إن كان لذلك ضرورة ويرقصون مثل زوربا عندما يفرحون. شئ من كل هذا موجود في همركولان”.

منع الأزهر..

وفي حوار آخر معه أجراه “خالد أحمد” يقول “محمود البياتي” عن منع الأزهر لروايته “رقص على الماء- أحلام وعرة”: “حسب ما جاء في حيثيات المنع فإن الرواية، وقد أشير إليها باعتبارها ديوان شعر، تحتوي على قصائد خارجة تخدش الحياء.. بينما روايتي، وهذه مفارقة، تبدو شديدة الاحتشام والتحفظ مقارنة بروايات زملائي في سكندنافيا وأوربا.. الرواية، بإيجاز شديد، تدور حول مجموعة لاجئين ومهاجرين أجانب، قدِموا من شتى أنحاء العالم، يقيمون في حي يدعى همركولان، يقع في غوثنبرغ، ثاني أكبر مدن السويد بعد العاصمة ستوكهولم. الشخوص الرئيسيون: شاعر من العراق، حبيبته رسامة فلسطينية من مخيمات صبرا وشتيلا في لبنان, عشيقته شاعرة يهودية من أصل بولندي، وآخرون.  تبدأ الرواية عندما يجد الشاعر في مقهى محفظة نقود عليها اسم الفونس، تحتوي أموالا كثيرة ، فيدخل في نزاع أخلاقي مع نفسه: هل يعيد المحفظة إلى صاحبها أو يسلمها لدائرة البوليس، أم يحتفظ بها”.

وعن علمه بمنع ومصادرة الكتاب يوضح: “لا أنا ولا الآخرين الذين منعت وصودرت كتبهم معي أخطروا رسميا  بقرار المنع والمصادرة، عرفنا به عن طريق أجهزة الإعلام، كصحيفة “الدستور” المصرية التي نشرت يوم 7 تموز الجاري خبرا مفاده أن مجمع البحوث الإسلامية في القاهرة قرر دعم طبع عدد من الكتب ومنع أخرى بينها روايتي الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت عام “2006 .

وعن تأثير مصادرة الكتاب عليه يواصل: “الكتاب الذي يمنع في القاهرة من قبل مؤسسة عريقة كالأزهر قد يحض بلدانا عربية أخرى وإسلامية على منعه بالعدوى، بدون تمحيص. يقال كذلك أن الكتاب الممنوع ينال شهرة، ربما أكثر مما يستحق، لكنها شهرة عابرة. الكتاب الذي يشتهر على نحو مفتعل، وليس لقيمته بالذات، مثل نجم يسطع ضياؤه فجأة ثم يخبو.. لا أدري إن كان قانون مصر يبيح للأزهر منع ومصادرة الكتب، لكن هذا العمل يمضي بنا في الاتجاه المعاكس لمسيرة المجتمعات الحديثة. فهو يعد حجْرا على حرية الفكر التي صارت من أبسط وأهم حقوق الإنسان في عصرنا الراهن. لذلك يبدو الأزهر الآن كما كانت الكنيسة الكاثوليكية في أوربا في العصور الوسطى، حيث كانت تصادر الكتب بواسطة «محاكم التفتيش» وتلاحق مؤلفيها المتهمين بالهرطقة استنادا إلى وشايات أو سوء تفسير، وقد تحرقهم إن لم يتوبوا”.

جغرافية الروح..

في مقالة بعنوان (محمود البياتي: سنّارة الحلم والذاكرة التي تأكلنا!) للكاتب “عبد الحسين شعبان” يقول: “البياتي قاص وروائي وكاتب وصحافي وناقد، وقبل وبعد كل ذلك إنسان يحبّ الحياة ويعشق ما فيها من خير وجمال، والصداقة عنده معيار قيمي وأخلاقي، لا تعلو عليها علاقة إنسانية أخرى، وحتى العلاقة بين الرجل والمرأة، فالصداقة والإعجاب أساسا ديمومتها واستمرارها. ولهذا كان يعتني بأصدقائه وينشغل بهمومهم وكأنه لا همّ له.. لم يكن البياتي يحبّ الظهور، وكان أقرب إلى التواري، أو كان مستمتعاً بعزلته المجيدة، وكانت لديه اختياراتُه الدقيقة من الأصدقاء والكتب والموسيقى والأغاني والمأكولات والمشروبات. ولم يشارك في أماسي أو ندوات أو مؤتمرات أو اجتماعات أو منظمات، إلاّ نادراً، على الرغم من اجتماعيته، لكنه كان انتقائياً أيضاً، وظلّ حريصاً على هذه الانتقائية والتميّز، في حين كان قلمه حاضراً ومشاركاً ومطواعاً، واحتفظ حرفه بشبابه وأناقته ورشاقته، مثلما احتفظ صاحبه بابتسامته العذبة وصوته الشجي ووجهه الطفولي.. المرض لم يمهله لينجز مشاريعه، خصوصاً وكان قد امتلك أدواته ووصل مرحلة النضج واختزن تجربة غنيّة، وقد بقيت حزمة من المشاريع الروائية والكتابية تنتظر من يضع اللمسات الأخيرة عليها، خصوصاً بعد انتقاله إلى لندن”.

ويضيف: “لا يوجد شيء قضّ مضاجع محمود البياتي وكدّر عليه حياته، مثل الحرب على العراق العام 1991 وفرض الحصار فيما بعد، على الرغم من موقفه من النظام السابق وممارساته الشمولية الإرهابية، ولكن احتلال العراق العام 2003، كان أشدّ قسوة عليه، حيث أدخله في حالة كآبة لبضعة شهور، على الرغم من أنه كان يعرف المقدمات: حروب عبثية وحصار ونظام عقوبات دولي واستبداد داخلي، لكن الوطن هو الوطن، وليس هناك جدالاً أو نقاشاً بشأنه، والوطنية ليست وجهة نظر، إنها انتماء وجداني ورابطة طبيعية.. بلغة أقرب إلى المباشرة تقول قصص محمود البياتي، العميق من الأشياء، المكان، سواءً في بغداد أو في المنفى له حصة كبيرة في سردية محمود البياتي، والموضوعات التي اشتغل عليها تشعرك باستمرار، أنك عشتها أو ساهمت ببطولتها، أو أنك تعرفها أو كنت قريباً منها. إن عمله الإبداعي هو محاولة جادة لإعادة اكتشاف الأشياء التي حولنا بطريقة كثيرة البوح وعالية الجمال. ومع إنه لا يمكن التعويض عن خسارة الوطن بمقايضته بالمنفى، لكن المنفى كان وطناً آخر للبياتي، لأنه عاش حرّاً وطليقاً على الرغم من المنغّصات الكثيرة والتحدّيات الكبرى والترهات الصغيرة.. إن قصص محمود البياتي هي مزيج من السخرية والمرارة والمزاج المنفعل كان يحيكها بمهارة ويضعها في حبكة درامية “بالسهل الممتنع” وبلغة مفهومة ومؤثرة، وعلى الرغم من إنني قرأت كل ما كتبه، لكنني أميّز مجموعته “جغرافية الروح” وقصته “بغداد- طهران- ستوكهولم”، خصوصاً حين يُغلَّب الخطاب الأيديولوجي على الاعتبار الإنساني، لدرجة مثيرة للسخرية. لقد حاول البياتي مزاوجة الواقع بالخيال في كل ما كتبه، فيما يخص الزمان والمكان، وسواءً كان الأمر يتعلّق بالوطن أو المرأة أو الصداقة أو الإنسان.. محمود البياتي أأسميك حلماً، أم ماذا؟ وهكذا يستمر محمود البياتي وكأنه لم يرحل، يظهر فجأة ويحيينا من عليائه، بابتسامته العذبة، ليختفي ثانية”.

شظايا كلام..

لمحمود البياتي

(إلى منيرة وسعد)

ليكنْ عتابك كشعاع الشمس،

يخترق الزجاج الشفاف دون أن يكسره.

*

هوتْ من السماء ريشتان تتأرجحان كقارب ثمل.

تعلقتُ بإحداهما فرفعتني عالياً…

وأنزلتني في حضن عش مشيّد من أحجار وعيدان وطين.

هناك أسكن الآن ؛ ألهو مع السناجب والبلابل والهداهد.

*

أكتبُ على الرمل أنني عطشان.

لا من يقرأ.

أكتبُ على الهواء أنني اختنق.

لا من يقرأ.

*

كنْ أخضر في اليابس

كن شجرة في طريق المسافر

كن آثار خطى للضالين

كن نبضات ضوء في قلب الظلام

كن دفقات حنان في صميم القسوة

*

استقصاء:

بمحض إرادتي انتقلت من السويد إلى عاصمة بريطانيا العظمى.

أرقدُ الآن في أحسن مستشفيات لندن.

كل شئ جيد… لكن:

لا ماء ساخناً في الحمام.

البالوعة لا تشفط المياه القذرة.

قاع مقعد التواليت الأبيض يطفح بالبراز.

أرجع للحجرة مشمئزا. قبالتي مريض اخرس يتألم، يقلص عضلات محياه، ويصيح:

– واي واي واي…

بعبارة واحدة فقط يطلب أو يرفض أي شئ: يا كاما كام.

إذا أراد شرب قهوة أو فتح نافذة أو غلقها: يا كاما كام.

إستيقظَ فجراً وردد العبارة ذاتها:

– يا كاما كام.

فوجئتُ بالممرض يفهم ويرد:

– صباحاً. ستنال يا كاما كام صباحاً. ليس الآن.

*

دخل الدكتور فرانز كافكا يتفقد مرضاه ليلاً.

راحتْ قوائم الرجاء ترتعش وتسيخ في الكوابيس.

وقف جنب سريري؛ بصق في منديلٍ دماً ودوَّن عباراتٍ تركَ إحداها تحت المِخدة:

– مازال الليل ليلا أكثر من اللازم.

*

كل من يرى حلبة يتقابل فيها الموت والحياة، يعرف من هو المغلوب في آخر الشوط.

*

كانت ممدة على السرير.

تَقدَّمَ ملاك الموت بقلنسوة سوداء ومنجل.

تصديتُ متوسلاً :

– أرجوك دع حبيبتي.

قال:

– أنا لم آتِ إليها، بل إليك.

وفاته..

توفى “محمود البياتي” بمرض السرطان عن عمر يناهز 63 عاما في 2014.

 



الكلمات المفتاحية
الكاتب العراقي محمود البياتي

الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.