محمد طه القدال.. عبر بشعره عن الناس وكان قريبا منهم

    11

     

    خاص: إعداد- سماح عادل

    الشاعر “محمد طه القدال” هو شاعر سوداني عرف بكتابة الشعر الغنائي العامي.

    حياته..

    ولد في 12 ديسمبر 1951 بولاية الجزيرة السودانية بقرية “حليوة”، وقد بدأ حياته بدراسة الطب ثم هجر دراسته ليفرغ بعدها لكتابة الشعر. وتخرج من جامعة الخرطوم في تخصص الإدارة، كما عمل في بداية حياته الوظيفية بتلفزيون السودان القومي.

    كانت القرية سبب إلهامه، وأول ديوان شعري منشور له صدر بعنوان “غنوات لحليوة”، ظهر هذا الديوان في سبعينيات القرن العشرين، وكان “القدال” ينتقل من مرحلة المراهقة إلى مرحلة الشباب. وفي هذا الديوان نشر قصيدته التي اشتهرت بعد ذلك باسم ”كلام الرتينة بت سالم ولد عتمان فى حنّة على الشاشوق” والرتينة في لغة أهل السودان هي عبارة عن نسيج أن يشبع ببعض الكحول يوضع في المصباح ليشع ضوءً، وهذه تفصيلة تخص أبناء القرى مثل “القدال”، مما يدل على تأثره بحياته في قريته والتي قال عنها أنها كانت غنية بثقافات متنوعة، وقد ساعده هذا التنوع في الثقافات على تكوين لغته الشعرية.

    استمد “القدال” ذوقه الشعري وقيمه الجمالية من الذوق السائد في قريته في زمان طفولته، وقد اعتمد على البديهية الشعرية في بداية حياته، وهذا أيضًا واضح في ديوانه الأول، وذلك قبل أن ينضج وتتفتح مداركه ويخرج من المرحلة الرومانسية إلى المرحلة الواقعية.

    نضال..

    اشتهر “القدال” بمواقفه الجريئة، وقد قضى سنوات في السجن لمقاومته للسلطة الديكتاتورية التي حكمت السودان على مدى عقود، وقد حاز على حب واحترام الناس بسبب أشعاره الثورية الجريئة، وقد كان ممن قادوا انتفاضة إبريل التي أطاحت بالرئيس السوداني الأسبق “جعفر النميري” عام 1985، كما شارك في الانتفاضة التي أطاحت بالرئيس “البشير” من حكم السودان.

    وقد انخرط في الأعمال الخيرية وقد ترأس منظمة رعاية المسنين البريطانية في السودان لفترة، وأيضًا ساهم في إنشاء عدد آخر من المؤسسات الخيرية. اشتهر “القدال” بأنه قريب من الناس وهمومهم وقضاياهم، حيث كان يكتب من واقع الحياة.

    المنهج الشعري..

    تميز منهج “القدال” الشعري بأنه متباين إلى حد كبير وهو مطابقة الشعر الشعبي ومغايرته في نفس الوقت، الشعر الشعبي السوداني اعتمد على الدوبيت في البادية والحضر، والدوبيت هي رباعيات شعرية، ثم جاء شعراء الحضر ليغيروا هذا النمط قليلاً فجاءت قصائد ما يسمى بحقيبة الفن أو أغاني الحقيبة وهي ما ميز الشعراء السودانيين.

    ثم جاء بعد ذلك زمان “القدال” والذي كان قد تشرب الشعر الرباعي وأغاني الحقيبة والمسرحيات الشعرية، فطور منهجه وأسلوبه الخاص الذي جمع بين تلك الأساليب الشعرية الشعبية في الريف والحضر.

    كتب “القدال” عددا كبيرا من الأشعار الغنائية، وقد غنى قصائده عدد من كبار المطربين السودانيين، من أمثال المطرب والملحن السوداني الراحل “مصطفى سيد أحمد”، والذي يعد من عمالقة الغناء في السودان.

    وكرس “القدال” حياته من أجل الشعر ونشر الثقافة والتراث، مركزا على الشعر الثوري السهل أحيانا والموغل في المعاني العميقة أحيانا أخرى والذي يمجد الحياة والوطن والحرية ورفاه الإنسان.

    أشهر أشعار “محمد طه القدال”:

    • طواقي الخوف.
    • حليوة ليلة المولد.
    • شيخ تلب.
    • حليوة.
    • قصيدة 50 سنة.
    • قصيدة أمونة.

    اعتبره الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي ولده، حيث قال في لقاء مع قناة “النيل الأزرق” السودانية: “أنا بعتبر محمد طه القدال وأزهري محمد علي، ولادى، صحيح أنا مشفتش أمهاتهم، ولكن منذ أن كان القدال شابا صغير السن غضا، أنا بشرت به وقلت ده ابني، وقلت ده حيبقى شاعر كبير، وقد ال النهارده يدهشني بقصائده، يعني شيء عجيب وجميل” وحرص “القدال” قبل طبع ديوانه الشعري “غنوات لحليوة” على الحضور إلى مصر، لسؤال الأبنودي الأب والمعلم بالنسبة له.

    مشهد العنف..

    في حوار معه على صحيفة (الجريدة) يقول “محمد طه القدال” عن رؤيته للمشهد السوداني: “أولاً التحية للشهداْ وللجرحى والحرية للمعتقلين من كافة أطياف الشعب السوداني. والتحية العاطرة لجموع الشباب والشابات الذين هم الأغلبية المحصاة في أعداد الشعب السوداني، والذين ظلت الإنقاذ تتجاهلهم بتعطيلهم عن العمل وإهانتهم في الشوارع والمنتديات وهم الآن الضلع الأكبر الذي ينال عنف الدولة والمليشيات والرباطة، سمهم ما شئت.

    هنالك طريقتان للتعامل تترواحان بين العنف المفرط ضد شباب المعتقلين والتعامل مع المعتقلين كبار السن. وأظنها خطة مدروسة يتم تطبيقها من قبل السلطات الأمنية. فالاعتقال موكول لمجموعات صغيرة السن تتسم بممارسة العنف الجسدي بالعصي والخراطيش البلاستيكية واللطم والركل وأظنها مكونة من طبقة الجنود وضباط الصف وبعض صغار الضباط.

    ومهمة هؤلاء الاعتقال والضرب مع كيل الشتائم المقذعة التي لا توفر المعتقل في شخصه بل تمتد إلى أسرته وأقاربه ويتم الاعتقال عادة مصحوباً بالضرب المبرح الذي لا يراعي أين تقع العصاة بعد أن ترتفع فربما تصادف الرأس أو الأذن أو العين أو الرقبة أو الكتف أو الساعد أو الظهر أو الجانب أو الساق أو الفخذ. فمن يرفع العصاة لا يهمه أين تقع، بل أن تقع.

    وهؤلاء يستهدفون المتظاهرين من الشباب والشابات ويتم الضرب والشتم والسباب منذ لحظة الاعتقال وكذلك أثناء الطريق وتقام احتفالية ضرب وشتم خاصة مع استقبال ونزول المعتقلين، إذ يصطف أفراد الأمن على الجانبين ويشرعون في ضرب النازلين من المركبة حتى يدخل إلى المقر مع الشتم المستمر. ويجبر الشباب على الجلوس على أرض المركبة وفي حالتنا كانت (بص) مع الضرب للشباب والإهانات المستمرة والأسئلة التي لا تستوجب إجابات من المسئول، مثل مرقتو لي شنو؟ الناقص ليكم شنو؟..

    والتهديد على شاكلة (انتو شفتو الضرب؟ أرجو الراجيكم قدام). والحق يقال أن كل ذلك لم يتم مع كبار السن وهم من هم فوق الخمسين من سياسيين وغير سياسيين. ولكني الآن لا أتذكر إلا مشاهد العنف. لأنها سبقت في ذاكرتي قبل المعاملة الأخرى المختلفة لاحقاً، وربما أذكر بعض كبار الضباط الذين كانوا متفهمين ولكن مشهد العنف يمسك بتلابيب اللطف ويرمي به خارج الذاكرة لأنه يورثك الألم ولأنك ترى الكرامة تهان أمام ناظريك فتصيبك الإهانة وإن لم تهن”.

    وعن موقف المثقف السوداني إزاء الثورة يقول: “من أهم حقائق هذه الثورة أن أغلب الشباب الذين ولدوا في عهد الإنقاذ هم من يقودها وهم أيضاً وقودها وقد شاهدت وسمعت وقرأت إنتاجا مبدعا لهم يشبه جيلهم تماماً، من أغاني راب وتمتم ولوحات على الوسائط يستخدمون فيها تقانات العصر، كذلك أقرأ كثيراً من التحليل والدعم الفني من مختلف الأجيال من داخل وخارج السودان. فالحقيقة الأخرى أن كل الأجيال تسهم في إذكاء روح جديدة ولكنها قديمة متأصلة في السودانيين.

    إنها استعادة السودانيين لصفاتهم الكامنة في النخوة والشهامة والإثرة والشجاعة والكرم في طرقات الشارع السوداني المنتفض وهو يساعد بعضه بعضاً؟ إن شعارات الثورة هي مؤشر جليل لتبني كل الأجيال لمنتوجها الثقافي الخاص. كثير من المثقفين ساهموا في بث الوعي بحقائق هذا الوضع المتردي وساهموا باستمرار في حراك هذا الوعي الآن وعبر السنين”.

    وعن دور المبدع في دعم الثورة يواصل: “إن من أصدق الشعارات التي يتغنى بها المنتفضون في الشارع اليوم من إنتاج الشعر.. رحم الله الراحل العزيز محمد الحسن حسن سالم حميد فهو من قال (حرية سلام وعدالة والثورة خيار الشعب) صار نغماً حلواً لدى الثوار وشعارات أخرى وردت في قصائد لشعراء مثل شاعر الشعب “محجوب شريف” ولشاعرات تخرج مقاطع من أشعارهن، شعارات بينات من بين بنبان وغبن.

    المبدع يرى الثورة من على البعد حين يغفل أو يفشل الساسة عن القيام بدورهم في تهيئة العيش الكريم لمواطنيهم والمبدع هو الذي يهيئ من يقومون بها وهو معهم وبينهم. وقديماً قلنا أن الساسة لا يرون أبعد من أنوفهم”.

    الأدب الثوري..

    وعن معايير الأدب الثوري يقول: “باختصار كل أدب يرى هموم الآخر ولا ينسى همه فهو أدب ثوري وكل أدب يستشرف آمال وتطلعات الناس للعيش الكريم ولا ينسى آماله فهو أدب ثوري. والفنان ليس مكانه مع السلطة على الإطلاق لأن السلطة الزمنية دائماً ترى ماعملت، مهما خف وزناً وقل ميزاناً، هو منتهى الإنجاز وغاية الإنجاز، والفنان يرى في الإمكان أحسن مما كان. ولذلك أخرج أفلاطون الشعراء والأدباء والفنانين من مدينته الفاضلة (اليوتوبيا)، لأنهم دائماً يرون مدينة أفضل منها لم تأت بعد.

    إن أي ثورة حقيقية تنتج آدابها وفنونها والجدير بالملاحظة في هذه الثورة أن الآداب والفنون فيها يتم إنتاجها أثناء أوار الثورة لتجديدها وقد كانت أشعار أكتوبر64 وأهازيجها قد تم انجازها بعد انتصارها لتمجيدها ويصدق هذا على ابريل 85. الآن كلما استطال زمن الانتفاض صدرت المزيد من آدابها و أهازيجها ثم ستصدرها بعد انتصارها بإذن الله تعالى”.

    ويجيب عن سؤال “هل يمكن نزع صفة (الشاعر) من المبدع الغير متفاعل مع قضايا الناس الغارق في عزلته الذاتية؟: “لا يمكن، كما ذكرنا فإن الشاعر متقاسم بين الذاتي والموضوعي تجده أحيانا في منتهى الذاتية حتى تكاد تشخص أناه أمام ناظريك وأحياناً بنزع إلى استقبال الآخر بكلياته. بعضهم يرى في الذاتية منتهى الموضوعية فهو من الناس إن كان الحديث عن قضايا الناس. ولكنى أسلك الموضوعية الجمعية، الناس بمعناها الحقيقي لا التجريدي. الناس في تجمعاتهم وقضاياهم، الناس في آلامهم وآمالهم”.

    وفاته..

    عانى “القدال” من أعراض مرض السرطان، وافر للاستشفاء خارج السودان في القاهرة أولًا ثم الدوحة، لكن المرض تغلب عليه، وتوفى في مستشفى الأمل بالدوحة يوم 5 يوليو 2021 عن عمر يناهز السبعين عاما.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا