السبت 26 نوفمبر 2022
24 C
بغداد

    محمد سعد الذي لا يفهمه أحد ..”تتح” و”مستر جرين” وبناء الوعي ضد الظلم والتطبيع

    بقلم محمد مختار ( كاتب وباحث )
    عندما كنت أشعر بالملل من تقعر المثقفين وتصنعهم الفارغ للمعرفة ومحاولة كل مدعي منهم أن يظهر بأنه العليم ببواطن الأمور أكثر من غيره كنت اشاهد فورا فيلم تتح للفنان محمد سعد، لقد شاهده فيلم تتح عشرات المرات بل قد شاهدت فيلم تتح أكثر من مائة مرة، وفي كل مرة كانت تزيد قناعتي بأن الفنان محمد سعد نجح من خلال تقديمه لشخصية بائع الصحف البسيط الجاهل الذي يتلعثم في الكلام ويعايره البعض بشكله القبيح في أن يبني وعي المواطن المصري من خلال عبارات بسيطة بعضها تبدو عبارات غير مفهومة بكلمات مكسرة ومفردات غير صحيحة لغويا ولكن محمد سعد في تتح ينجح في أن يصل للفكرة مباشرة وأن ينقلها للرجل البسيط بشكل يتفوق بكل تأكيد على المثقفين من أصحاب الجمل المصكوكة والفارغة التي لا تصل أبدا للناس. ولكن في نفس الوقت فإن لا أحدا من الجمهور يفهم هدف محمد سعد الماكر الذي لا يفهم أحد أنه يبني وبكل ذكاء وعيا لجمهوره بدون أن يلاحظ ذلك أحد.
    قد يعتبر البعض أن فيلم الممثل المصرى محمد سعد “تَتَّح” مجرد تنويعة من منتج على نفس نسيج أفلام سابقة له تستهدف طبقة شعبية باسم شعبى قد يكون محببا لهم، ولكن فى حقيقة الأمر فإنه النسخة المصرية من فيلم المخرج الأمريكى جريج باك “مستر جرين”، فـ “تَتَّح” على الرغم من أنه شخص عادى محدود الثقافة، إلا كان قادرا فى كل المواقف على أن ينطق بالحقيقة وبالحكمة التى لا يجرؤ من يعتبرون أنفسهم حكماء قادرين على النطق بها. لقد شاهدت هذا الفيلم أكثر من 400 مرة حتى الآن، ولا أزال أشاهده.. وكنت فى كل مرة أتوقف عند مشهد “تَتَّح” بائع الصحف وهو يناقش أستاذ الجامعة فى المدرج، ويجيب السؤال حول المواطنة بأن المواطنة تعنى له ضمن ما تعنى (عيش الأنبوبة والدائرى بالليل)، وعندما يسخر منه أستاذ الجامعة يشرح له “تَتَّح” كيف أن الناس تتعرض للسرقة على الدائري، ولم يشرح أهمية الأنبوبة على اعتبار أنها تشير لحق المواطن فى الحصول على الطعام والطاقة بثمن فى متناول يده بخلاف لقمة العيش. فليس صحيحًا أن الفيلم لإضحاك الناس فقط، بل قام فيه محمد سعد بما قام به مستر جرين، وهو الرجل البسيط الذى وجه مواعظ للمجتمع وللسياسيين وحتى للدولة.
    إن محمد سعد هو الامتداد الطبيعى للفنان الكبير الراحل محمود شكوكو الذى أبدع لنا فيلم “عنتر وبلبل”، وكان من كلاسيكيات السينما المصرية التى عزَّزت فكرة مقاومة الاحتلال الإنجليزى . ولكن مع ذلك فإن محمد سعد فى فيلم “تَتَّح” يتجاوز “مستر جرين”؛ فقد كان عند “تَتَّح” الشجاعة ليلقى على الجمهور ما تشبه العظة، خاصة فى المشهد الذى يتصدى فيه لظاهرة زواج القاصرات من أثرياء عرب، وفى نفس الوقت يعيد محمد سعد إلقاء العظة عندما خاطب لواء الشرطة فى مشهد اقتحام البنك، وقال له “والله البلدى دى ماشية بالبركة”؛ وذلك ردًّا على جملة اللواء له بأنه لا يملك خطة لتحرير الرهائن داخل البنك، ثم يعيد العظة للواء مجددًا عندما يقول “أنا مش عايز حاجة من مصر، بس مصر عايزة منى إيه؟!”. ومع ذلك يصر محمد سعد أن يرسل للجمهور رسائل لبناء الوعي عندما يواجه الأشرار في الدقيقة الاخيرة من الفيلم تقريبا ويقول لأحدهم في سياق هزلي ( أنت عثماني بينا علاقات قديمة امان يالللي .. لكن دول صهاينة وأنا لا أسمح لبني صهيون أنهم يدخلوا بيتي )
    لا يجب أن نخطئ محمد سعد كما يحلو لبعض النقاد وصف أفلامه بالسطحية والتفاهة بداية من سلسلة أفلام اللمبى وحتى فيلم حياتى مبهدلة. فى كل فيلم من أفلامه يلجأ محمد سعد للتقرب من الطبقات الشعبية، وينقل لهم العظة والدرس، ولكن بطريقة تبدو أسهل فى الفهم والمنطق. نذكر له عظة يلقيها أمام القاضى فى فيلم “بوحة” عندما يطالب القاضى بأن يبحث عن حل لأزمة المواطن الذى لا يجد لقمة العيش، وكأن بوحة الصباحى كان فى ذلك الوقت يحذر من ثورة فى الطريق، وهى الثورة التى حدثت بالفعل بعد ذلك. لقد كنت أفكر على الدوام فى أن أكتب عن “تَتَّح” وعن محمد سعد ، وكنت أتوقع سخرية المثقفين أو أدعياء الثقافة وأدعياء النقد، فقررت أن أكتب فى عنوان مقالى عن “تَتَّح” وعن محمد سعد و”مستر جرين” مفردة أو أكثر مما يستخدمها المثقفون المزعومون؛ للدلالة على ثقافتهم الرفيعة، وهى مفردات لا يفهمها أحد، ولا يفهمها حتى من يكتبها، ولكن حتى يبدو الناقد مثقفًا وواعيًا؛ يجب أن يكتب ما لا يفهمه الناس، فقررت أن أحشر كلمة “فيمولوجيا” فى العنوان؛ حتى يبدو مقالى مثل مقال كبار المثقفين المزعومين وكبار النقاد، وهى فى حقيقة الأمر كلمة ليس لها أى معنى على الإطلاق، ولكنى وجدت أن شكلها لطيف، فقررت أن أخدعها به كل من يقرأ هذا المقال لأثبت له فى نهاية المطاف أن لغة “تَتَّح” ولغة “بوحة” وحتى لغة “اللمبى” هى التى سوف يفهمها الناس.