محاولة تشريحية … ظاهرة الإسلاموفوبيا والتعاطي معها إسلاميًا وغربيًا

السبت 06 تموز/يوليو 2019
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

إعداد/ محمود جمال عبد العال
يبدو من الوهلة الأولى التي يتطلع خلالها الباحث على الأدبيات الغربية التي تتناول ظاهرة الإسلاموفوبيا، التحيز والمواقف المسبقة على أغلب هذه الدراسات سواءً في التحليل أو الطرح. فبات الدراسات الكمية والميدانية تدور أسئلتها في فلك تضاعف وتراجع نسب الشعور بالخوف من الإسلام والمسلمين. وفي هذا السياق، لا نستطيع إنكار أن واقع المسلمين منذ بزوغ الموجات الإرهابية ضد الغرب مطلع الألفينيات كان عاملًا محفزًا لهذا الشعور، لكن في الوقت نفسه لا نستطيع أن نجحد أن العمليات الإرهابية لهذه الحركات الجهادية أصابت ودمَّرت المسلمين بدرجات أكبر بكثير. ولعل تخصيص شيخ الأزهر “أحمد الطيب” لكلمته في احتفال ليلة القدر هذا العام عن هذه الظاهرة بشيء من المرارة وخيبة الأمل تعكس واقع الإصرار الغربي في التعامل مع الإسلام وإلحاقه بمفاهيم التطرف والإرهاب، وهو ما يضر بأسس التعايش بين ذوي الديانات المختلفة.

وفي السياق ذاته، تناول الرئيس المصري “عبد الفتاح السيسي” في كلماته بقمم مكة التي عُقدت أوائل يونيو/حزيران 2019 لهذه الظاهرة يعكس الشعور نفسه. وقد بات الجميع (وأولهم الغرب) أمام تساؤلات حقيقية تتعلق بالفائدة التي يُمكن أن تعود على مجتمعاتنا الإنسانية جراء تكريم الإرهابيين ووسمهم بالإسلام الذي يدين به أكثر من مليار من البشر حول العالم، وهو ما يُذكرنا بالموقف الشجاع التي قادته رئيسة وزراء نيوزيلندا “جاسيندا أردرن” التي رفضت مجرد التفوه باسم الإرهابي الذي ارتكب مذبحة مسجد النور بكرايست تشيرش.

سيُركز هذا التقرير على تشريح مفهوم الإسلاموفوبيا بغرض تفكيكه، وتعاطي السياسات الغربية مع الظاهرة وانعكاسها على تراجع/تضاعف الشعور به خاصة في ضوء دراسة جامعة ستانفورد الأمريكية حول تراجع الظاهرة بين مشجعي فريق ليفربول الإنجليزي تأثرًا باللاعب المصري العالمي “محمد صلاح”. إضافة إلى ذلك، سيشير التقرير إلى تعاطي مؤسسة الأزهر (أعلى مرجعية إسلامية في العالم) مع الظاهرة خاصة في ضوء كلمة شيخ الأزهر في احتفال وزارة الأوقاف بليلة القدر أوائل يونيو/حزيران 2019.

الإسلاموفوبيا.. نحو تشريح المفهوم وتفكيكه

برزت فكرة العداء الشعوري للإسلام في تناول إدوارد سعيد لدراساته حول الاستشراق أواخر السبعينيات؛ حيث أقرَّت هذه الدراسات أن الغرب ربط الإسلام بالصور السلبية والمشاعر تجاه المسلمين. ومع ذلك، ظهر مفهوم الإسلاموفوبيا بشكله الحالي مع أواخر التسعينيات، وبالتحديد منذ عام 2001، فربطت وسائل الإعلام والمنظمات الغربية بين الإسلام وحالة العنف. وعُقدت العديد من المؤتمرات الدولية حول هذه الظاهرة مثل مؤتمر الأمم المتحدة عام 2006 حول “مواجهة الخوف من الإسلام”، والذي حضره “كوفي عنان” الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك إضافة إلى العديد من التقارير والمؤتمرات التي صدرت عن دول الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية(1).

وتعتبر الأدبيات أن ظاهرة الإسلاموفوبيا ليس لها تعريف أو استخدام محدد، وهو ما دفع البعض للتطرف في توظيفها لاستبعاد وإقصاء المسلمين من العمل السياسي والاجتماعي في الغرب في سياق “نحن”، و “هم” في سياق تحول الخوف من شعور إلى متلازمة مرضية تحض على العداء الثقافي لكل ما هو مسلم؛ حيث يُعرف “ستولز” الظاهرة بأنها رفض الإسلام والجماعات الإسلامية، والأفراد المسلمون(2). وتجاوز المفهوم سياق الظاهرة الاجتماعية الواجب دراستها إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير؛ حيث اعتبر بعض الكتاب أن الإسلاموفوبيا بمثابة عقيدة أو دين يدينون به.

وقد مثَّل تعامل حكومة نيوزيلندا مع حادثة كرايست تشيرش نقطة تحول لحظية في تاريخ تعاطي الغرب مع الجرائم الإرهابية التي تُرتكب ضد المسلمين. فلم يتوانى المجتمع الغربي المتشبث بثقافة بوسم جرائم التنظيمات التي تحسب نفسها فكريًّا على الإسلام بالإرهابية، بل وصل الأمر إلى نعت الإسلام نفسه بذلك في محاولة لتعزيز ظاهرة الإسلاموفوبيا التي أضرًّت باندماج المسلمين في المجتمعات الغربية. وظهرت استفادة المسلمون من هذا الحادث في موجة التضامن التي أعلنها النيوزيلنديون؛ حيث احتشد الآلاف من النيوزيلنديين حول المساجد وداخلها للتعرف على الثقافة الإسلامية ومؤازرة المسلمين النيوزيلنديين. في السياق ذاته، مثَّل بث الآذان في وسائل الإعلام الرسمية، وطباعة صحيفة The Press النيوزيلندية على صدر صفحتها كلمة السلام باللغة العربية، وتحتها أسماء ضحايا الحادث الإرهابي محاولة لمحاصرة ظاهرة الإسلاموفوبيا(3).

محمد صلاح، ومسؤولية المسلمين في تصحيح الصورة النمطية

أبرزت دراسة جامعة ستانفورد الأمريكية لصالح معهد سياسة الهجرة عن الأثر الإيجابي الذي تركه انتقال اللاعب المصري “محمد صلاح” إلى فريق ليفربول الإنجليزي على تراجع الإسلاموفوبيا وجرائم الكراهية في مقاطعة ميرسيسايد. وأظهرت الدراسة في نتائجها انخفاض جرائم الكراهية ضد المسلمين في المقاطعة بنسبة 19% تقريبًا، وكذلك انخفضت التغريدات المعادية للمسلمين لدى جماهير ليفربول من 7.2% إلى 3.4%. وأرجع القائمون على الدراسة تراجع نسب العداء للإسلام والمسلمين في المقاطعة إلى الصورة الإيجابية التي أظهرها محمد صلاح عن الإسلام؛ حيث يبرز أداءه وأخلاقه العالية داخل وخارج الملعب. ومؤخرًا، استطاع اللاعب أن يظهر في ثوب المسلم المجتهد الذي يهمه العمل والتألق، وهي صورة مغايرة لما يظهر عليه الإرهابيون الذين ينسبون أنفسهم للإسلام؛ حيث وصل مع فريقه إلى وصافة الدوري الإنجليزي بفارق نقطة واحدة، وكذلك تمكن صلاح مع رفاقه من الفوز بدوري أبطال أوربا الغائب عن جماهير ليفربول لحوالي 14 عامًا. واعتمدت الدراسة على تحليل نحو 936 من جرائم الكراهية على مستوى المملكة المتحدة، وتحليل نحو 15 مليون تغريدة لمشجعي كرة القدم في المملكة. تجدر الإشارة أن مجلة التايمز الامريكية اختارت صلاح ضمن المائة شخصية الأكثر تأثيرًا في العالم لعام 2019(4).

وتتصاعد الأصوات حاليًا في بريطانيا لإجبار حزب المحافظين لتبني مفهوم الإسلاموفوبيا الذي أقرَّته لجنة برلمانية في مجلس العموم البريطاني مشكلة من حزب العمال، والأحرار الديمقراطيون، والقومي الاسكوتلندي، والقومي الويلزي. واعتبرت اللجنة أن الظاهرة نوع من العنصرية التي تستهدف كل ما هو إسلامي، أو يُتصور ان له علاقة بالإسلام. وكان الهدف من وضع تعريف لهذا المفهوم الملتبس هو التصدي للظاهرة التي تتنامى بشكلٍ مطرد بين البريطانيين. وتتعمد تيارات اليمين المتطرف (المستندة على نظريات سمو الجنس الأبيض على بقية الأجناس) الاتكاء على هذا المفهوم هذه الفترة للفوز بالانتخابات مستغلين في ذلك موجات الهجرة واللجوء من مناطق الصراع في الشرق الأوسط. ويقدمون أنفسهم كمدافعين عن الهوية والديموغرافيا الأوربية التي ستتأثر بموجات الهجرة واللجوء. وتعتبر التحليلات أن أحداث 11 سبتمبر كان لها أثر سلبي على الجاليات والأقليات المسلمة في الغرب، وفي نفس الوقت، أسهمت هذه الأحداث في تنامي اليمين المتطرف وظهوره مؤخرًا في ثوب الشعبوية التي تعمل على الحفاظ على الهوية والجنس الأوربي من مخاطر العولمة وسياسات الهجرة المنفتحة(5).

تعاطي الأزهر مع الإسلاموفوبيا

يلعب شيخ الأزهر “أحمد الطيب” دورًا حيويًا بالتعاون مع مجلس حكماء المسلمين كمؤسسة دينية إماراتية في إحياء فكرة الحوار بين الشرق والغرب، وهو ما يُعزز من مكافحة ظاهرة الإسلاموفوبيا التي كانت ولا زالت عائقًا أمام اندماج المسلمين في المجتمعات الغربية. والتقى شيخ الأزهر، وبابا الفاتيكان حوالي 5 مرات خلال الأعوام الثلاث الماضية، وهو ما يعكس بصورةٍ أو بأخرى حرص القيادتين الروحيتين على دعم عملية السلام والتعايش فيما بينهما، وهو ما ظهر في وثيقة الأخوة الإنسانية التي وقعوا عليها في ختام مؤتمر الأخوة الإنسانية الذي استضافته دولة الإمارات مطلع فبراير 2019. ورغم الدور الكبير الذي تضطلع به مؤسسة الأزهر في تعزيز الحوار مع الغرب لمواجهة اليمين المتطرف الذي يستند على دعم الشعبويين من خلال بث خطاب الخوف من الإسلام والمسلمين الذين يتم تصويرهم وكأنهم أعداء للهوية الغربية البيضاء إلا أن الأزهر لم يلحظ تحسنًا إيجابيًا لدى الغرب تجاه ظاهرة الإسلاموفوبيا التي لا زالت تتعزز بالخطاب الشعبوي لتيار اليمين المتطرف، وهو ما بدا في خطابه في ذكرى الاحتفال بليلة القدر؛ حيث لام “الطيب” تقاعس العرب والمسلمين عن التصدي لهذه الظاهرة متهمهم بالانشغال بالمصالح الخاصة والتنافر فيما بينهم(6).

ختامًا؛ لعبت مصر ومؤسساتها الدينية دورًا كبيرًا في تعزيز الحوار بين الشرق والغرب؛ حيث استضاف الأزهر الملتقيات والمؤتمرات العالمية مثل ملتقى الشرق والغرب الذي يستضيفه الأزهر، وهو بمثابة حوار مفتوح بين الإسلام والغرب بشكلٍ حضاري؛ إذ يعتبره شيخ الأزهر نفسه فرصة للنقاش الحضاري حول القضايا المشتركة بين الإسلام والآخر لدعم مبدأ التعايش. كما أنشأت دار الإفتاء المصرية مرصد الإسلاموفوبيا والذي يختص برصد ومعالجة الظاهرة بهدف تغيير الصورة النمطية المغلوطة عن الإسلام والمسلمين في الغرب. ويعمل المرصد باللغات الأجنبية المختلفة مثل الإنجليزية والفرنسية والألمانية بهدف مخاطبة الغرب بلغته التي يفهمها.

الهوامش

1. Erik Bleich (2011). What Is Islamophobia and How Much Is There? Theorizing and Measuring an Emerging Comparative Concept, American Behavioral Scientist, P.p1582-1585.

2. Stolz, J. (2005). Explaining Islamophobia. A test of four theories based on the case of a Swiss city. Swiss Journal of Sociology, 31,P.p 547-566.

3. محمود جمال عبد العال، استباق الارتدادات: سياسة نيوزيلندا لمنع دورة التطرف بعد إرهاب “كرايست تشيرش”، مركز المستقبل للدراسات المتقدمة: http://tiny.cc/0ax37y

4. Lawrence Ostlere, Mohamed Salah has caused Islamophobia in Liverpool to fall since joining club, study finds, Independent: http://tiny.cc/tf817y

5. مرسي مشري (2011)، جدلية العلاقة بين الإسلاموفوبيا وحوار الحضارات، مركز دراسات الشرق الأوسط، مجموعة (15)، العدد (55)، ص 25-28.

6. وسام عبد العليم، شيخ الأزهر: الإسلاموفوبيا ظاهرة إعلامية غريبة تستهدف التخويف من الإسلام.. والأديان لا تتحمل مسئولية السماسرة، بوابة الأهرام:

http://gate.ahram.org.eg/News/2220059.aspx
المصدر/



الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.