محاكمة زليخة أبو ريشة وآخرين.. هل هي عودة لاستعراض القوى من قبل المتشددين دينيا؟

     

    خاص: إعداد- سماح عادل

    أثير مؤخرا الجدل حول الكاتبة الأردنية “زليخة أبو ريشة”، بعد أن كتبت على حسابها الشخصي على “فيسبوك”، تمنيها أن يرفع الأذان بصوت يشبه صوت المطربة “أم كلثوم”.

    فقد كتبت بوست تقول فيه: “لا أَملُّ الاستماع إلى الآذان، إذا كان الصوت شجياً. ولكن هذا الصوت المعلّب الذي تبثه وزارة الأوقاف، لا يُذكّر بصلاة، ولا يهيئ لخشوع. أطربوا القلوب بما يُشجي، ولا تنفّروا ما وسعكم التنفير. هاتوا لنا أذان محمد رفعت فجراً، وعبد الباسط ظهراً، والمنشاوي عصراً، ومصطفى إسماعيل مغرباً، وأم كلثوم عشاء. لعلَّ الذائقة ترتقي، والجمال يصبح برهاناً على صدق الحال”.

    وقد تبع هذا البوست انتقادات عدة، فقد وصفت مستخدمة ل”فيسبوك” تدعى “ابتسام المناصير” ما قالته “زليخة” بأنه “سوء أدب ووقاحة”، على اعتبار أن ذلك يعد تهجما على المؤسسات الدينية والأذان، ونادى “معتز الربيحات” بضرورة محاسبة “زليخة أبو ريشة” على آرائها، كي “لا تتمادى أكثر”، في حين أعتبر مستخدم آخر أن منشور الكاتبة الأردنية “دس السم بالعسل”.

    هذا وقد أيد البعض ما كتبته “زليخة أبو ريشة”، إذ علق الدكتور علي العتوم: “أوافق.. وهل تعلمي لماذا؟ لأن جميعهم على مقام نهاوند خاصة المنشاوي وأم كلثوم .. نعم نريد أصواتا شجية”. وقال “وائل خيطان”: “اعتقد سيدتي بأنك أنت المستهدفة عند الأغلبية وليست الفكرة، مع أن الفكرة تبدو عند بعضهم مستهجنة لربطها بالفن والفن عندهم حرام”.

    انتقاد شديد اللهجة..

    وعندما اشتدت الجدل كتب “رعد عبيدات”، أنه: “تمت إساءة فهم منشور زليخة أبو ريشة، مش دفاعا عنها لا بعرفها ولا تعرفني وأقصد السيدة زليخة أبو ريشة، لكن بعد ما قرأت تغريدتها فوالله أعلم هي تقصد أن يكون الأذان كونه موحدا بالأردن أن يكون بأصوات جميلة تشرح الصدر والقلب والدليل الأصوات التي ذكرتها بالبداية لمشايخ الله يرحمهم أصواتهم جميلة. ودخلت عاليوتيوب لقيت تسجيل“.

    وكان رد “زليخة أبو ريشة” على من هاجموها ببوست جديد عبر حسابها في “فيسبوك” استنكرت فيه غضب من وصفتهم بـ”الجماهير المؤمنة التقية الورعة”، مؤكدة أن “أم كلثوم” بدأت حياتها كمنشدة وقارئة للقرآن، وتتقن تجويده ومقاماه، وهي “مثال” أولى من غيره يجوز لصوت المؤذن. مؤكدة على أن منبع الخوف من الغضب الذي تسببت به، نابع فقط من “حقدهم على الجمال، وتمتعهم بالبشاعة”.

    وفي بوست آخر كتبت: “ما الذي يستفزّ فيما اقترحت؟ غريب! إنها العادة فقط، فهل غدت العادةُ رباً؟ ألم تكن العادة لقرون أن يقرأ الرجال القرآن مجوداً؟ والآن تتسابق الفتيات مع الفتيان في مسابقات التجويد؟ وهل لمجرد فكرة صغيرة لا أهمية كبيرة لها عندي، أن تحدثَ كل هذا الدوي؟ أخشى أنه مجتمع يصادر حتى نفسه، وجاهز للإدانة والتكفير. أعوذ بالله”.

    ونشرت بعدها مقطع فيديو بعد منشور مطالبتها بأصوات نسائية في الآذان، للمطربة الجزائرية الراحلة “وردة”، وهي تجود آيات من القرآن الكريم. مشيرة إلى أن “أم كلثوم ليست قضيتها، إنما جاءت كتعبير جمالي، لكن القضية كشفت مدى تغلغل كراهية المرأة والفن في الأيديولوجية الإخوانية والوهابية”.

    محاكمة..

    وقد أدى الجدل الكبير الذي أثير حول ما كتبت إلى نتائج وخيمة حيث  تتعرض “زليخة” للمحاكمة، بسبب بلاغات ضدها من عناصر جماعة الإخوان بتهم تتعلق بتجاوز الخط الأحمر للتعبير، كما يدعون.

    وقد أوضحت على حسابها الرسمي على “فيسبوك” أن لديها ثلاث جلسات في المحكمة، لثلاث قضايا اثنتان في يوم واحد خلال الأسبوع الجاري. مبينة أنه نظرا لصعوبة حركتها وتنقلها، ستحجز مكانًا على الرصيف أمام المحكمة لتمكث فيه، مع طاقم إسعاف للطوارئ، مع حرس الأمن الوقائي. وقالت: “فالله وحده هو الذي يعلم ما الذي يمكن أن يحدث لامرأة في التاسعة والسبعين، عندها جميع أمراض الشيخوخة (القلب، وضغط الدم، والسكّري، والعيون، والمفاصل، والعظام)!”.

    وقد قال “يحيى القيسي”، روائي وباحث أردني يعيش في بريطانيا، أن “زليخة أبو ريشة” تعاني مثل غيرها من المثقفين التنويريين الذي يطرحون أفكارهم على الملأ حول بعض المسائل التي تمس الحياة اليومية أو الممارسات الدينية، وفي كل مرّة يتنطع لها الكثيرون من أدعياء حراس الدين، وممثلي الله على الأرض، وتبدأ جوقة التكفير في بث خطاب الكراهية مما يعرضها وغيرها من المتأملين المتدبرين إلى الخطر على الحياة.

    لافتا إلي أن الكاتب “ناهض حتّر” دفع حياته ثمنًا لمثل هذه الدعاوى والتحشيد الشعبي الذي تتجاهل الدولة الوقوف ضده غالبًا، كما تمت محاكمة عدد من الشعراء من قبل بسبب من مثل هذه التهم الفضفاضة التي توضع في قالب “إهانة الشعور الديني أو إثارة النعرات”. مؤكدا على أن المطلوب اليوم أن يقف جميع الكتاب والإعلاميين مع “زليخة” في محنتها لأن محاكمتها أو تعريض حياتها للتهديد هو محاكمة لكل فكر يأخذ طريق التأمل والتدبر والعقل، فلا يوجد من يمثل الله على الأرض، ولا يحق لأحد محاكمة فكر أحد، بل إن القرآن الكريم دعى الناس إلى الإيمان عن قناعة وتأمل وتفكر، وليس عن نفاق وبالتالي فالأولى أن يطرح الإنسان ما لديه من أفكار ويتم الرد على مثل هذه الأفكار بأفكار أخرى لا بالتهديد بالقتل أو بالتكفير.

    استهزاء بالشعائر الدينية..

    الجدير بالذكر أن محامون قاموا برفع دعاوى قضائية في الأردن ضد عدد من الأشخاص من ضمنها الدكتورة “وفاء الخضراء” العضو السابق في اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، على خلفية منشورها الأخير المتعلق بشعيرة ذبح الأضحية، بالإضافة إلى الكاتبة “زليخة أبو ريشة” التي دعمت منشور الخضراء، وكذلك عضو اللجنة “زيد النابلسي” الذي أعاد أشخاص تداول منشورات قديمة له متعلقة بالأحاديث النبوية.

    حيث قدم المحامي “إسماعيل السواعير” إخبارا لدى نائب عام عمان لتحريك دعوى الحق العام ضد الدكتورة “وفاء الخضراء”، معتبرًا أن وجود جرم كهذا يوجب عليه تقديم إخبار للمدعي العام. وصرح “السواعير” للصحف أن الإخبار جاء سندًا لأحكام المادة 26 و27 من قانون أصول المحاكمات الجزائية التي تنص على أن أي شخص علم بوقوع جريمة إخبار المدعي العام بذلك. وأنه استند في دعواه لمخالفة نص المادة 276 من قانون العقوبات التي تتحدث عن إحداث تشويش أو استهزاء بالشعائر الدينية.

    موضحا أنه “إذا رأى المدعي العام أن الإخبار يستحق رفع دعوة الحق العام فعليه ذلك، مبينًا أن القانون يؤكد ارتكاب الخضراء لجرم واضح بحق الدين الإسلامي دين الدولة وفق المادة الثالثة من الدستور الأردني”.

    نص المادة 276 من قانون العقوبات:

    كل من أزعج قصداً جمعاً من الناس اجتمعوا ضمن حدود القانون لإقامة الشعائر الدينية أو تعرض لها بالهزء عند إقامتها أو أحدث تشويشًا أثناء ذلك أو تعدى على أي شخص يقوم ضمن حدود القانون بالشعائر الدينية في ذلك الاجتماع أو على أي شخص آخر موجود في ذلك الاجتماع دون أن يكون له مبرر أو عذر مشروع يعاقب بالحبس حتى ستة أشهر أو بغرامة حتى خمسين ديناراً أو بكلتا هاتين العقوبتين.

    في حين قدم المحامي “عمر أبو ناموس” إخبارا إلى مدعي عام عمان ضد الدكتورة “وفاء الخضراء وزليخة أبو ريشة” بالإضافة إلى “زيد النابلسي” عضو اللجنة الملكية.

    وقام المحامي “رائد عبابنة” برفع قضية باسمه ضد “وفاء الخضراء”، بموضوع شكوى يتعلق بإهانة الشعور الديني، وذلك سندًا لنص المواد 276 و278/1 من قانون العقوبات الأردني، بالإضافة إلى مخالفة نص المادة 11 من قانون الجرائم الإلكترونية. وصرح “عبابنة” لـ لصحف أن القانون أجاز للمشتكي تقديم الشكوى إما شخصية أو من خلال المدعي العام، إلا أنه ارتأى تقديم الشكوى شخصيًا كمتضرر وليس من خلال الحق العام فقط.

    موضحا إمكانية التوجه لرفع دعوى إلى محكمة أمن الدولة لكون الجرم يمثل إثارة نعرات دينية ويعتبر من اختصاص محكمة أمن الدولة. ومشددا على متابعته للقضية حتى النهاية، لأن القضية تهمه لكونه مسلم ومحامي ومن واجبه رفع القضايا التي تثير الرأي العام ولردع المجتمع.

    وبين المحامون أن نص المادة 276 من قانون العقوبات الأردني الذي تم الاستناد إليها يعاقب بالحبس حتى ستة أشهر أو بغرامة حتى خمسين ديناراً أو بكلتا هاتين العقوبتين كحد أقصى.

    يذكر أن “زليخة أبو ريشة” كاتبة وناقدة أردنية، وهي عضو في عدد من المنظمات النسائية والأردنية والعربية، ورئيسة لمركز دراسات المرأة في عمان، ورئيسة تحرير مجلة الفنون وزارة الثقافة الأردنية. وهي كاتبة عمود في جريدة الرأي الأردنية وعدد آخر من الصحف الأردنية والعربية.

    والتساؤل الآن هل نشهد عودة لقمع حريات الكتاب والناشطين ومنعهم من التعبير عن أفكارهم، وعودة لتهديدات وسطوة المتشددين دينيا،وبسط نفوذهم على المجتمعات الشرقية؟

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا