ما الحداثة ؟

الثلاثاء 07 تموز/يوليو 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

خاص : بقلم – د. محمد دوير* :

ماذا تعني الحداثة ؟.. وأية حداثة تلك التي نقصد ؟.. وهل هي انقلاب على ثقافة العصور الوسطى أم قطيعة معرفية مع التراث الإنساني ؟؛ بمعنى هل تُعد الحداثة انقلابًا جذريًا على العقل التاريخي ؟.. والحقيقة أننا سنجدها تعني تحديدًا نقد وتجاوز الثقافة القروسطية كما ظهرت ملامحها في المجتمعات الغربية، لكونها انعكاس للشروط السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية والمعرفية التي سادت في العصور الوسطى. إنها سعي لبناء حضارة جديدة للإنسان، ولكنها ليست حضارة منقطعة الصلة مع الماضي بل متواصلة – بقدر لا يمكن تجاهله – مع جذورها الأولى في الحضارة اليونانية وربما الحضارات السابقة عليها أيضًا. ومن ثم تُصبح إعادة بعث أو نهضة لمقولات الفكر الفلسفي الغربي وربما السياسي كذلك، ولكن بصورة أكثر منهجية واتصالاً بنظرية العلم في بعض جزئياتها، نظرًا لأن نظرية العلم الحديث وضعت الإنسان في موقف مختلف من المعرفة والوجود والقيم. هي إذاً “حداثة” من حيث كونها تخوض صراعًا مع القديم والرجعي من ناحية، و”حداثة” من حيث إنها استلهام لمناطق مضيئة ومستنيرة في تاريخ الفكر الإنساني بصفة عامة، والغربي على وجه الخصوص.

وقد تعددت آراء المؤرخين حول نقطة البدء، فمنهم من أشار إلى إنها بدأت من المدن الإيطالية حينما كانت مركزًا لحركة التجارة مع الشرق خلال القرن الثاني عشر الميلادي وأطلق عليها عصر النهضة كمقدمة تاريخية للحداثة، أو ربما جزء منها. تزامن مع تلك المرحلة التي ظهرت فيها الطباعة والورق المستطيل المنبسط بديلاً عن الورق الملفوف، في منتصف القرن الخامس عشر، مما جعل الطبقة الوسطى والبورجوازية الصاعدة قادرتان على تبادل الأفكار واتساع نطاق معارفهما. وابتداءً من الكشوف الجغرافية من 1492 تحول مركز الثقل الحضاري أو الحداثي من المدن الإيطالية – الوسط الأوربي – إلى غرب القارة، وهذا التحول جعل الوسيط المائي هو المحيط الأطلنطي بدلاً من البحر المتوسط عبر اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح 1497، واتساع نطاق التجارة بين الشرق والغرب بصورة حققت قفزة نوعية كبيرة جدًا.

سواء كانت نقطة البداية في أواخر القرن الثاني عشر أو نهايات القرن الخامس عشر، فإن محطات الحداثة الثلاثة هي عصر النهضة الإيطالية، ثم الثورة الصناعية الإنجليزية، وأخيرًا الثورة الفرنسية التي وضعت الملامح الأساسية لمشروع الحداثة الغربي وكانت الخط الفاصل مع المرحلة السابقة لها مباشرة – مرحلة العصور الوسطى – قطيعة تتأسس على مساحة اختلاف تبدو ثورية في أطروحاتها ونمطها ومناهجها وغاياتها.

استدعى هذا التجاوز الحداثي لمرحلة ما قبل الحداثة إنجاز الكثير من المهام وإعادة النظر في مقولات سابقة – استلهم معظمها من الثقافة الإغريقية – ولكن هذا التجاوز لم يكن ليتم دون تكلفة أو مخاطرة أصيبت بها الحداثة بحكم نزعتها التطورية، أهمها أنها حداثة اندفعت بنهم شديد نحو الاستعمار، ودعمت المركزية الأوروبية، وخلقت مفاهيمًا محلية صارت جزءًا أصيلاً من الثقافة العالمية بحيث تحولت أوروبا إلى مرجعية فكرية وعلمية وسياسية، مما يجعل من الصعب استيعاب الإطار المفاهيمي والتصوري للعالم اليوم بدون الوعي جيدًا بتركيب الحداثة الأوروبية حتى في ملمحها الاستعماري وكذا الاستغلالي بالطبع وربما تكمن هنا أهمية الدور الذي لعبه ماركس والماركسيين من بعده في كشف الغطاء عن الوجه الآخر للرأسمالية أو إن شئت للحداثة.

*أستاذ الفلسفة المصري.



الانتقال السريع

النشرة البريدية