ماذا تعني انتخابات إسطنبول بالنسبة لمستقبل تركيا؟

الثلاثاء 25 حزيران/يونيو 2019
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

نات شينكان – عرض: غدي حسن قنديل
لا يمكن لحزب العدالة والتنمية الفوز في الانتخابات التي خسرها بالفعل، هذه هي المفارقة التي خلقها الحزب لنفسه، وفقا لرؤية الصحفي نات شينكان فإسطنبول نسخة مصغرة لتركيا، حيث يرى الكثيرون في نتائج اقتراع المدن التركية الكبرى الثلاث إزمير وأنقرة وإسطنبول تحديدا لمصير تركيا؛ ففي 23 يونيو 2019، أجرت إسطنبول انتخابات بلدية جديدة، بعد أن خسر حزب العدالة والتنمية الحاكم في الانتخابات الأصلية في 31 مارس 2019 بمرشحه “بن علي يلدريم”، وطالب بإلغاء النتائج بعد سبعة عشر يومًا فقط من وجود مرشح حزب الشعب الجمهوري “أكرم إمام أوغلو” في منصبه.

ومن هذا يري شينكان أن ديناميكيات إعادة الانتخابات المحلية تسلط الضوء علي طبيعة السياسة الجديدة للرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” ومستقبله غير المستقر، حيث تعثرت من ديمقراطية تعددية عليها بعض التحفظات إلى نظام سلطوي خاصة في وقت الأزمات السياسة والاقتصادية. لذا فلم يكن قرار إعادة الانتخابات سوى أحدث منعطف سياسي في فترة عدم الاستقرار التركي الأخيرة، فلقد تم إلغاء تصويت الانتخابات المحلية التركية بشكل واضح؛ لأن نتائجها كانت غير مقبولة للحزب الحاكم. وأثار هذا انتقادات دولية واتهامات من المعارضة داخليا وخارجيا بتآكل سيادة القانون، خصوصا أن خسارة المدينة مرة ثانية ستمثل حرجًا دوليا لأردوغان، وقد تضعف قبضته الحديدية على السلطة.

ماذا يريد حزب العدالة والتنمية من الانتخابات؟

من الناحية الانتخابية، تتمثل مهمة حزب العدالة والتنمية في سد فجوة قدرها 1330 صوتا، كانت تلك الأصوات هي التي فصلت مرشح حزب الشعب الجمهوري “أكرم إمام أوغلو”، وحزب العدالة والتنمية “بن علي يلدريم”، بعد أن أجبر حزب العدالة والتنمية إعادة فرز الأصوات لصالحه، وقبل أن يلغي المجلس الانتخابي الأعلى التركي النتائج إستجابة لهذا. لكن سد هذه الفجوة لن يكون بالأمر السهل، حتى بالنسبة للحزب الحاكم لتركيا.

أما من الناحية السياسية، يمتلك “أكرم إمام أوغلو” اليد العليا بعد أن فاز بالفعل بالمرة الأولى، وتمكّن من المطالبة بمبررات مفادها أن النصر سُرق بطريقة غير قانونية من أنصاره، هذا فضلا عن تاريخه السياسي في تركيا، فقد شغل منصب العمدة المحلي، ونجح في نزع فتيل سياسات الحرب الثقافية لحزب العدالة والتنمية في البلاد، كما أن تفاعل “إمام أوغلو” مع وسائل التواصل الاجتماعي تزيد من شعبيته، في مقابل التناقض الملحوظ لسمعة حزب العدالة والتنمية الناشئة كحزب من النخبة التي لا يمكن مساءلتها.

محاولة استقطاب جديدة

يوضح الكاتب أنه في الأسابيع الأولى من حملة الإعادة، حاول حزب العدالة والتنمية محاكاة الأساليب الإيجابية للمعارضة. لقد وعد بتقديم إعانات مالية باهظة ومزايا لسكان إسطنبول، بدءًا من عشرة غيغابايت من بيانات الهاتف إلى بطاقات النقل الرخيصة إلى التخفيضات في رسوم المياه والغاز والمدارس، فضلاً عن وعده بتخفيف المعاناة الاقتصادية للمدينة من خلال توفير فرص عمل لـأكثر من 100 ألف مواطن في العام الواحد، ولقد عزز مجلس المدينة الذي يديره حزب العدالة والتنمية هذه التعهدات من خلال تمرير جولة مبدئية من الإعانات بناءًا على وعود “بن علي يلدريم”.

وهكذا فإن حزب العدالة والتنمية يترنح بين الرسائل القومية المتشددة التي إعتنقها منذ عام 2015 فيما يخص تعامل الدولة مع الأكراد ومحاولة استقطاب الناخبين الأكراد، ففي اليوم الذي أعلن فيه المجلس الانتخابي الأعلى قراره بإلغاء نتيجة إسطنبول، قال محامو “عبد الله أوجلان”، زعيم حزب العمال الكردستاني، إنه سُمح لهم بزيارته للمرة الأولى منذ عام 2011. فاستجابت الحكومة التركية فجأة إلى تحقيق المطلب الرئيسي للنشطاء والسياسيين الأكراد؛ سعيًا لإقناع الناخبين الأكراد بالتصويت لصالح حزب العدالة والتنمية. وخصوصا في ديار بكر أكبر مدينة في جنوب شرق تركيا الذي تقطنها غالبية كردية.

فجُلّ ما يُقلق حزب العدالة والتنمية، هو هذا التوافق السياسي بين حزب الشعب الجمهوري القومي التركي وحزب الشعوب الديمقراطي المؤيد لحقوق الأكراد، وهو ما قد يشكل جبهة سياسية موازية لتحالف حزب العدالة والتنمية مع حزب الحركة القومية، ما قد يؤدي لأخطر من الفوز في الانتخابات المحلية في إسطنبول فيجعل من “إمام أوغلو” منافسًا على الرئاسة لإردوغان في عام 2023.

الدولة كسلاح لحزب العدالة والتنمية

سيفيد فوز”بن علي يلدريم” بالانتخابات المحلية لإسطنبول حزب العدالة والتنمية، فعلى مدار 15 عامًا في السلطة، جعل حزب العدالة والتنمية جزءًا كبيرًا من الدولة ذراعًا للحزب، فيهيمن حزب العدالة والتنمية بالكامل على الإعلام التركي في كل من القطاعين العام والخاص، فلا يتم بث أو تغطية تجمعات “إمام أوغلو” في وسائل الإعلام التركية، بينما خطب “يلدريم” منتشرة في كل مكان؛ لكن رغم ذلك فإن رسائل حزب العدالة والتنمية تتعثر. فلا يمكن لوسائل الإعلام الموالية للحكومة أن تتحدث علي سبيل المثال عن الفجوة بين الاقتصاد المتدهور والحكومة التي تعلن باستمرار عن انتعاشها الوشيك.

كما لجأ حزب العدالة والتنمية إلى استغلال هيمنته على الجهاز الانتخابي؛ فرد الفعل العنيف للحزب ضد نتائج إسطنبول في مارس الماضي قد وضع المجلس الانتخابي الأعلى والموظفين الانتخابيين في إشعار خاص هذه المرة، فهددت وسائل الإعلام الموالية للحكومة موظفي الانتخابات، الذين خضع بعضهم للتحقيق الجنائي من وزارة الداخلية لحزب العدالة والتنمية. وكانت النتيجة أن استقالت رئيسة مجلس إدارة انتخابات منطقة إسطنبول في أبريل بعد أن إتهمت وسائل الإعلام الموالية للحكومة زوجها بأنه عضو في حركة غولن، فضلا عن هذا فقد نقل المجلس الانتخابي الأعلى ثلاثة عشر من أصل 39 من رؤساء الدوائر الانتخابية في إسطنبول.

وختامًا، ستُظهر خسارة حزب العدالة والتنمية أمام المعارضة أنه لم يعد قوياً بما يكفي لإملاء مستقبل تركيا. وسوف تنتهز المعارضة المخولة مثل هذا الانفتاح لكشف مخططات الفساد في البلدية وفي تركيا كلها، فإن موجة الفضائح التي من المؤكد أنها ستخرج من اسطنبول التي تسيطر عليها المعارضة خاصة في وقت الأزمة الاقتصادية الحالية، لن تغذي سوى السخط على الحزب داخليا وخارجيا، وفي المقابل من المتوقع أن يستعد حزب العدالة والتنمية لتوجيه تهم ضد “إمام أوغلو”، بناءً على فضائح زائفة ومزاعم واهية بالانتماء إلى حزب العمال الكردستاني أو حركة غولن. لكن اضطهاد “إمام أوغلو” بهذه الطريقة لن يؤدي إلا إلى رفع مكانته كضحية للنظام التركي. ما قد يؤدي في النهاية إلى تدهور صورة تركيا خارجيا.

Nate Schenkkan، “What Istanbul’s New Mayoral Elections Mean for Turkey’s Future?”، foreign affairs، 21/6/2019، available at:

https://www.foreignaffairs.com/articles/turkey/2019-06-21/what-istanbuls-new-mayoral-elections-mean-turkeys-future
المصدر/ المركز العربي للبحوث والدراسات



الكلمات المفتاحية
إسطنبول انتخابات تركيا

الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.