مؤلف يعتذر لقرائه بعد 3 طبعات .. الأوضاع الاجتماعية للرقيق في مصر 642 م – 1924 م

الخميس 21 كانون ثاني/يناير 2021
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

كتابات – المحرر الثقافي 

لم يكن من المعتاد أن يعتذر لمؤلف لقراءه ، ولكن الزميل محمد مختار فعلها في مقدمة الطبعة الرابعة من كتابه الأوضاع الاجتماعية للرقيق في مصر، والكتاب عبارة عن دراسة تاريخية تنتمي تبدأ من تاريخ مصر الوسيط وتمتد حتى تاريخ مصر الحديث خلال الحقبة الزمنية بين عامي 642 م، وهو عام فتح المسلمين لمصر إلى 1924 م وهو عام إلغاء قلم مكافحة النخاسة التابع لنظارة الداخلية في مصر بعد تفكيك الظاهرة، ويقول الكاتب ان هذا الكتاب ضمن سلسلة يريد من خلالها أن يعيد كتابة تاريخ مصر من خلال الكتابة حول أهم الطبقات التي عاشت فيها وتدوين تاريخ الناس وليس تاريخ الحكام، والمفاجأة أن الكاتب اعتبر أن الرقيق في مصر كانوا من أهم الطبقات التي تركت أثرها في المجتمع، بل المفارقة أن طبقة الأرقاء في مصر تحولت من فئة ناقصة الأهلية بحكم الطبيعة القانونية للرق إلى طبقة ارستقراطية عسكرية حكمت الأحرار أنفسهم، وهم المماليك بل وأصبحت كبار العائلات المصرية بعد ذلك تنسب لاسم أحد الأرقاء المشهورين وضرب المؤلف مثلا على ذلك بأشهر هذه العائلات وهى عائلة الأباظية في مصر والتي تنتمي في نهاية شجرتها لجارية انثى وليس عبد ذكر وكانت جارية للخديو إسماعيل حاكم مصر م زوجها لزعيم أسرة العايد القوية في دلتا النيل ومنحها أراضي واسعة واكراما للخديو تم نسب أبناءها لها ومنهم حسن باشا أباظة الذي اعتبر بعد ذلك شيخ العرب ومؤسس العائلة رسميا

لكن مع ذلك فإن المؤلف وهو يقدم اعتذاره للقراء يوضح أنه في الطبعة الأولى من الكتاب التي صدرت في سنة 1994 م كان متحمسا لنفس المقولات الرائجة حول أن الإسلام انصف الأرقاء وحررهم، ولجأ بطريقة مدرسية كلاسيكية لمقارنة النصوص الإسلامية مع نصوص من أديان أخرى ومع حضارات أخرى ليخلص لأن الإسلام  كان رحيما بالعبيد، ولكن مع الوقت وتغير الخبرات لدى المؤلف وجد أنه قدم للقارئ في الطبعة الاولي ، ثم الطبعات التالية حتى الطبعة الثالثة مجموعة من الأكاذيب، وأنه إذا كان الغرب كان متوحشا مع الرقيق فإن المسلمين كانوا فقط أقل توحشا، وأن النصوص الفقهية التي عالجت الاوضاع الاجتماعية للرقيق في مصر كانت بنفس وحشية الغرب بل وأضفت على هذه الوحشية مسحة دينية مقدسة، بدليل أنه عندما حاولت السلطات الإنجليزية في السودان، الذي كان تابعا لمصر، إلغاء الرق، نظم المهدي حربا دينية مقدسة كان أحد أسبابها الجهاد ضد قرار الإنجليزي مناهضة الشرع الذي يحل ملك اليمين.

يقول المؤلف  :

 ” بنيت فكرة الطبعة الأولى من الكتاب على فتوى مثيرة حول حكم عتق العبد الذي يتحقق للقاضي أنه وقع في الرق بطريق التدليس وأنه حر في الأصل، كأن يتحقق للقاضي أنه خطف وهو صبي من أهله الأحرار، ولكن أهله الأحرار كفار وليسوا مسلمين، وإذا رجع العبد حرا إلى أهله سوف يكون كافرا مثلهم، وإذا ظل في الرق يستمر مسلما على دين أسياده؟ فكيف يحكم القاضي المسلم هنا؟ وكانت الفتوى المثيرة هى أن العبد يرجع لأهلها حرا حتي ولو كفر ولا يظل أسيرا لدي أسياده المزعومين حتي لو ظل مسلما، وهى فكرة أسرتني فكتبت الطبعة الأولى من هذا الكتاب وأنا متحمس جدا لهذا الفكر التقدمي للفقهاء المسلمين الذين جعلوا الأولوية للحرية حتي قبل الدين نفسه وحتي لو كانت الحرية مناقضة للدين وتؤدي بصاحبها لأن يخرج من الإسلام إلى الكفر.

” يا إلهي.. هل وصل تفكير أسلافنا من المسلمين لتقديس قيمة الحرية لجعلها سابقة على الدين نفسه بل وأن يكون الاختيار للحرية حتى على حساب الإسلام؟ !” هكذا قلت لنفسي وقتها وهكذا تحمست وكتبت الطبعة الأولى من هذا الكتاب.

وصدرت الطبعة الثانية، وفي الثالثة كتبت ملاحظات لي في مقدمة خاصة، لكن لم أعدل في الكتاب، أما في هذه الطبعة الرابعة التي أكتب مقدمها وأنا على أعتاب الخمسين من عمري فإني بلا شك أجد نفسي مدفوعا لأكثر من اعتراف.

الاعتراف الأول أني لم أكن محايدا ولا ملتزما بمعطيات الأدوات التي استخدمتها في كتابة الطبعة الأولى من الكتاب، وحتى لا أقسو على نفسي فلنقل أن الحماسة دفعتني لأن أتغاضى قليلا عن بعض التفاصيل، ولكن هذه التفاصيل هامة جدا لدرجة أنه لم يكن من الواجب إغفالها.

على سبيل المثال فإني قد تناولت وثائق بيع وشراء الرقيق باستخدام أداة تحليل المضمون للمحتوى الظاهر، وخرجت بنتائج عن أثمان الرقيق والفرق بين الذكر والأنثى وغير ذلك من خلال قراءة تلك الوثائق، لكن مثلا لم أقف كثيرا عن العبارات المشتركة في كل الوثائق التي تصف الرقيق بشكله وحجمه وطوله وعلامات التعذيب والعاهات المستديمة على جسده بسبب الكي أو الجلد أو الوسم، لأن العبد أو الجارية لم يكن لها اسم خلال عملية البيع والشراء، ولكن كانت توصف في صك البيع بأنها مثلا ( جارية خماسية ، أي طولها خمسة أشبار، على ثدييها اثر كي بالنار) أو ( عبد خماسي على ظهره اثر ضرب بالسياط ) وهكذا !

في الحقيقة كنت مدفوعا بشدة وحماسة قد تكون مبررة في ذلك الوقت من الزمن لأخرج بنتائج تثبت أن الإسلام كان أعظم الأديان في معاملة الرقيق وأن المسلمين هم الأفضل الذين أحسنوا إلى عبيدهم ، ولكن بعد خبرات وسفرات وقراءات ثبت مع الأسف أن كل هذا كذب في كذب، وأن مئات الملايين من البشر الذين وسموا بأنهم عبيدا سيق بهم إلى هولوكوست بشري، مستمر حتى هذه اللحظة، وأن كل الأديان شاركت في توفير الغطاء الأخلاقي والاجتماعي لذبح هؤلاء المساكين واستغلال أجسادهم في كل شيء ومنعتهم حتى من أن يفكروا لماذا هم بالذات كتب عليهم هذا المصير.

وكان من تقصيري إني لم أقف عند ما أوردته كل وثائق البيع والشراء من علامات الكي بالنار والتعذيب على أجساد الرقيق، والتي استخدمها أيضا المناضل والكاتب السوداني الكبير الراحل محمد ابراهيم نقد في كتابه علاقات الرق في المجتمع السوداني، وحيث اعتبرت هذه الوثائق أن تعذيب الرقيق وكيها بالنار أمرا طبيعيا يمكن تدوينه كصفات ملازمة لكل عبد يباع أو جارية تعرض في السوق. 

لقد كانت أول خبرة إضافية تضاف لخبرتي بعد أن قدمت الطبعة الأولى من هذا الكتاب هو لقائي بالناشر الراحل الحاج وهبة حسن وهبة صاحب مكتبة وهبة الشهيرة في مصر، وهو رجل مرت به المحن فقهرها، واستمر حتى وفاته يؤدي رسالته كناشر للمعرفة متمسكا بمنهجه الذي عرف عنه، لم أخذ الحاج وهبة مني عددا من النسخ من الطبعة الأولى، ثم سألني: (وماذا عن الذين يعيشون في ظروف أدنى من الحيوانات ويعاملون معاملة أقسي من الرقيق في السجون؟ هل الرق انتهى فعلا؟ ) كانت هذه العبارات أول خبرة تصدمني من الرجل ولكن لم انتبه وقتها لما قال.

أما الخبرة الثانية التي هزتني في هذا الصدد فهي التي شاهدتها خلال عملي الصحفي في إحدى دول الخليج العربي، وحيث كنت مدعوا لحضور حفل في إحدى هجرات البدو في هذه المنطقة، وبعد أن قطعت بي سيارة الدفع الرباعي لمسافة طويلة في عمق الصحراء، وصلنا مكان الاحتفال في الهجرة، حيث قوبلت بحفاوة بدوية وكرم شديد غير مستغرب على أهل الصحراء، ولكن يا هول ما شاهدته بعيني، وكأني في فيلم عنترة بن شداد.. عبيد سود يخدمون الحاضرين، ثم ينزوي كل عبد وراء مجلس الأحرار حتى ينادي عليه! هكذا رأت عيني وكان هذا في عام 2006 م، في فترة من أكثر فترات الحركة والثراء المهني في حياتي ككاتب وصحفي ورحالة ومؤرخ.

لكن في نفس العام أيضا حدثت الصدمة الثالثة، فقد حكي لي الصحفي السوداني الكبير عمر جبر الله الأمين هذه الحكاية عن الجدة العجوز في الخرطوم التي أزعجها الاهتمام الزائد من عبدتها بوليده الذي حملت به وجاءت به للحياة ليكون عبدا ملك الأسرة التي تسترقها، كما أزعج الجدة بكاء الوليد فقامت بمنتهى البساطة بإلقاء الوليد من الشرفة في نهر النيل حتي يسكت بكائه وتنتبه العبد لخدمة أسيادها، والصديق عمر جبر الله الأمين على قيد الحياة حي يرزق يمكن أن تتوجهوا له بالسؤال عن هذه القصة، أما أكثر ما أزعجني في هذا المشهد الأخير برمته فهي عدم تأثر الصديق جبر الله بالرواية التي رواها لي، وتمسكه بابتسامته المعروفة عنه، بالرغم من أنه يحكي عن جريمة كاملة الأركان ضد الإنسانية.

ومع سفري وترحالي كنت أجد كل فترة ما يصدمني و يدفعني دفعا لإعادة النظر في موقف من هذا الكتاب، فحكت لي مواطنة من دول الخليج عن العبد الذي وجدته أسرتها في وضع لا يليق فقطعوا رأسه وهو في هذا الوضع، وصحفي موريتاني يدافع أمامي عن تقاليد بلاده معتبرا أن امتلاك الرقيق من الإرث الثقافي المرتبط بالتراث، ووكيل النائب العام اليمني الذي اقابله في عام 2008 فيقول لي في بساطة أنه يعمل في دائرة قضائية يأتي لها بين وقت وآخر أناس بوثائق رق لتوثيقها بيعا أو شراء أو إرثا.

لكن ما صدمني أكثر للأسف هو ما أكده لي الشيخ محمد السامرائي، وهو من علماء أهل السنة المعروفين في العراق، من أن عهد النبوة شهد واقعة في منتهى الخطورة هي واقعة أمر فيها النبي صلى الله عليه وسلم ببيع شخص حر أتلف مالا حتى يرد المال على أصحابه، وحيث تشككت عند قراءتي للواقعة من أن تكون مدسوسة على السنة النبوية المطهرة، فلجأت للشيخ محمد السامرائي عبر مراسلات بيني وبينه، فأكد لي صحة الواقعة لكن فضيلته لم يعلق عليها أكثر من أنه قد أكد صحتها.

وجميع من يقرأ هذه المقدمة مدعو للتحقق من صحة هذه الواقعة وإذا تبين عدم صحتها فأنا أول من يكتب هذا وبل ويفرح من أجل عدم صحتها.

فقد روى البيهقي عن زَيْدُ بْنُ أَسْلِمَ قَالَ: (رَأَيْتُ شَيْخًا بِالإِسْكَنْدَرِيَّةِ يُقَالَ لَهُ سُرَّقٌ فَقُلْتُ لَهُ : مَا هَذَا الاِسْمُ؟ فَقَالَ: اسْمٌ سَمَّانِيهِ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَلَنْ أَدَعَهُ قُلْتُ: وَلِمَ سَمَّاكَ؟ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَأَخْبَرْتُهُمْ أَنَّ مالي يَقْدَمُ فبايعوني فَاسْتَهْلَكْتُ أَمْوَالَهُمْ فَأَتَوْا بي النبي -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: «أَنْتَ سُرَّقٌ». فباعني بِأَرْبَعَةِ أَبْعِرَةٍ قَالَ الْغُرَمَاءُ للذي اشتراني مَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: أَعْتِقُهُ قَالُوا: فَلَسْنَا أَزهَدَ في الأَجْرِ مِنْكَ فأعتقوني بَيْنَهُمْ وَبَقِىَ اسْمِى. 

وَبِمَعْنَاهُ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنَا زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِمَا أَتَمَّ مِنْ ذَلِكَ فِى اشْتِرَائِهِ مِنْ أعرابي نَاقَةً وَاسْتِهْلاَكِهِ ثَمَنَهَا. وَرَوَاهُ مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزنجي عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنِ ابْنِ الْبَيْلَمَانِىِّ عَنْ سُرَّقٍ. قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَرَوَاهُ شَيْخُنَا فِى الْمُسْتَدْرَكِ فِيمَا لَمْ نَقْرَأْ عَلَيْهِ عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَتَّابٍ الْعَبَدِىِّ عَنْ أَبِى قِلاَبَةَ عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْبَيْلَمَانِىِّ قَالَ: رَأَيْتُ شَيْخًا في الإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَذَكَرَهُ أَتَمَّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ بَشَّارٍ.

عن أبي سعيد الخدري: ( أن النبي صلى الله عليه و سلم باع حرا أفلس في دينه ) رواه البيهقي في سننه وقال : (رواه غيره عن حجاج بن محمد بالشك في إسناده) و ذهب الذهبي إلى نكارته 

وهناك من صححه وهو محمول عند من صححه على الحجر وبيع المنافع لا بيع الذات حيث روي أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَجَرَ عَلَى مُعَاذٍ مَالَهُ وَبَاعَهُ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَيْهِ 

فهذه الواقعة التي وردت في السيرة النبوية الشريفة خطيرة جداً، وهى تنسف أي ادعاء بأنه لا يمكن استرقاق مسلم ولد حراً، وحيث ظهر هنا أن استيفاء المال لأصحابه مقدم على الحرية نفسها، وعلى الرغم من أن كثير من المتحمسين للدفاع عن موقف الإسلام من الرق بأن الإسلام جاء ليضع قيودا على استرقاق الناس تؤدي تدريجيا إلى تآكل مؤسسة الرق واختفاء الأرقاء، فإن هذا لم يكن صحيحا أبدا على أرض الواقع، ذلك لأن الإسلام كدين سماوي نجح في تغيير البنية الاجتماعية والدينية في قريش وجزيرة العرب بل ونجح في استبدال الاله نفسه بأن جعل المؤمنين به يعبدون الله الواحد الصمد بدلا من آلهة قريش، كان يمكن أن يستكمل هذه الثورة الاجتماعية بإلغاء الرق دفعة واحدة ، ولن تكون ردود الأفعال على مثل هذه الخطوة بأخطر من تغيير الدين نفسه، فلا حجة لمن يقول إن إلغاء الرق دفعة واحدة كان سيحدث ردة فعل اجتماعية عنيفة، لأن الدين الجديد هنا قام باستبدال الإله نفسه فلا يوجد أكثر خطورة من هذا.

بل كان من الممكن على الأقل أن يضع الدين الإسلامي الجديد قيودا على استرقاق العبيد والإماء الجديد حتى في إطار مرحلة انتقالية، حتي يتم تصفية الجيل القائم من الأرقاء، وإن كان هذا أيضا حلا وسطيا لا يرقي للعدالة التي من المفترض أن تترافق مع الدين الجديد، لكن حتى هذا الحل الوسط لم يحدث، وما حدث على أرض الواقع هو أن الإسلام كما فتح أبوابا للعتق متمثلة في الكفارات، فإنه فتح أبوابا لاسترقاق أجيال جديدة من الأحرار لأنهم جمعوا بين المخالفة في الدين وبين كونهم ضعاف لا يستطيعون الحرب بعد هزيمة الجيوش التي كانت تقوم على حمايتهم، وحيث فتح المفهوم الإسلامي للجهاد الأبواب على مصراعيها لدفع المزيد من الأحرار المهزومين ضمن طبقة الرقيق سبيا بالسيف، وهذا ما حدث حتى في العهد النبوي الشريف، وحيث تحدثت الروايات عن عمليات سبي رافقت سرايا وغزوات الرسول ( صلى الله عليه وسلم )، منها غزوة ، وفي غزوة بني قريظة سنة 3 سنة (5هـ) فقد حصل المسلمون خلالها على السبي في دومة الجندل ، وسرية زيد بن حارثة إلى حِسْمىَ سنة    5هـ ، فسبى المسلمون ألفاً من النساء والصبيان ، وبلغ سبي هوازن في غزوة حنين سنة   6هـ ، كما سبى المسلمون مائة من النساء والصبيان إلى بني تميم  ، وفي سرية عينية بن حصن الفزاري 8هـ سبى المسلمون ستة آلاف من الذراري والنساء سنة  9هـ ، تم سبي أحد عشر أسيرا، ووجدوا في المحلة إحدى وعشرين امرأة وثلاثين صبيا فجلبوهم إلى المدينة ، وفي تلك السنة حدثت غزوة أكيدر سنة  9هـ ، فسبى المسلمون منها فجلبوهم إلى المدينة

وتذكر بعض الروايات أن بعض السرايا والغزوات الأخرى قد رافقها عمليات سبي ولكنها لا تبين لنا أرقاما حول أعداد من كان يتم سبيهم فيها.

والشاهد من هذا أن ليس حقيقيا أبدا ما ذهب له المتحمسون بشكل عاطفي مع الإسلام من أنه وضع قيودا على الرق وفتح أبوابا للعتق تؤدي إلى انحسار الظاهرة، بل أن العكس هو الذي حدث، حتى أنه مع ازدهار حركة الفتوحات الإسلامية في الفترة التالية للنبوة، بدأ الأسرى الذين استرقوا يساقون في جماعات حاشدة إلى أسواق الرق للبيع. وقد تم تأسيس أسواق الرق في المناطق السكنية. وبسبب كثرة الرقيق في الأسواق انخفض ثمنهم وأصبحت الأسر متوسطة الدخل تستطيع شراء العبيد واستخدامهم في الخدمات العائلية. وتزايد عدد العبيد يوما بعد يوم، بدلا من أن ينشأ مجتمع خالٍ من العبودية كما كان في العهد النبوي والخلفاء الراشدين. وأخذت العبودية تشكل تدريجيا العنصر الأساسي في القطاعات الصناعية والخدمات، وقد خدمت عقلية الأمويين المشوهة أندادهم من العباسيين الذين أخذوا الخلافة منهم جبرا، حيث أبقوا الأبواب مشرعة أمام الاستعباد. فأصبحت العبودية حالة طبيعية في المجتمع الإسلامي، وانتشرت بمرور الأيام، وحتى الشرط الوحيد لأن يكون السبي في معركة جهاد شرعية لم يعد له محل، حيث فرض سلاطين الدولة العثمانية على كثير من البلدان الأوربية مثل نظام الخمس في الأطفال، وكان يأخذون من كل بلد أوربي يخضع لهم خمس الأطفال عبيد وجواري، وهو نظام لم يرد له أي أصل شرعي في نظام الجزية التي تفرض على غير المسلمين وخضع لهذا النظام البلغار والألبان والصرب والإغريق.

وتوضح بعض الروايات عمليات القتل والسلب التي كانت ترافق حركة الفتوح، فيصف خالد بن الوليد هجومه على خزاعة: “فهزمناهم وقتلناهم قتلا ذريعا ولم ندع لهم فارسا إلا قتلناه، ثم طلبنا البيوت فنهبناها، وسبينا، فلما هدأ القتال والنهب، أمرت أصحابي بجمع السبايا، لنقدم    بهن على رسول الله. 

وبصفة عامة فقد لقي السبي المعاملة القاسية من جيش المسلمين أحيانا، فكان يتم ختم أعناقهم، فذكر أبو مخنف عن أبيه: أن قتيبة بن مسلم بعث كثير بن فلان إلى كشاغر، فسبى منها سبيا، فختم أعناقهم، ولبس الجند ثياب السبي المحصّل من خوارزم فماتوا من البرد وسمع دوي عظيم، وبكاء شديد، من سبي قنسرين، لربطهم بالحبال بقسوة.

لكن الأخطر من كل هذا هو أن الأثار الإسلامية لم تسوي حتى في العلاقة بين الخالق سبحانه وتعالى وبين الناس، بل فرقت بينهم على أساس قاعدة الرق والحرية، وإن كان الإسلام قد خفف في الفروض والعبادات عن الأرقاء رحمة بهم، إلا أن الإسلام جعل حتي قبول العمل التعبدي مثل فريضة الصلاة التي يؤديها الرقيق لله سبحانه رهنا برضا السيد عن عبده المملوك له بقوة الدين هنا وليس بقوة القهر الاجتماعي فقط، جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقول : ( أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيهِ فَقَدْ كَفَرَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ ) رواه مسلم (رقم/68) . 

قوله: (أبق) : بمعنى هرب وخرج عن الطاعة .

وعن جرير: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ” إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة ” . وفي رواية عنه قال: ” أيما عبد أبق فقد برئت فيه الذمة ” . وفي رواية عنه قال: ” أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم ” . رواه مسلم.

ولكن يجب أن نثبت هنا أن آيات القرآن الكريم كانت واضحة فيما يتعلق بالشأن الإنساني في هذا الصدد، فقد أكد القرآن الكريم في آياته على أن النفس مصونة لا يمكن قتلها إلا بالحق، سواء نفس مسلم أو غير مسلم أو رجل أو امرأة أو حر أو عبد، وأن قتل نفس واحدة تكون بمثابة قتل للناس جميعاً.

مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (المائدة 32)

وكذلك في الحديث الشريف فقد حدثنا علي بن الجعد حدثنا شعبة ح و حدثنا موسى بن إسمعيل حدثنا حماد عن قتادة عن الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قتل عبده قتلناه ومن جدع عبده جدعناه حدثنا محمد ابن المثنى حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة بإسناده مثله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من خصى عبده خصيناه ثم ذكر مثل حديث شعبة وحماد قال أبو داود ورواه أبو داود الطيالسي عن هشام مثل حديث معاذ حدثنا الحسن بن علي حدثنا سعيد بن عامر عن ابن أبي عروبة عن قتادة بإسناد شعبة مثله لكنه  زاد : (  ثم إن الحسن نسي هذا الحديث فكان يقول لا يقتل حر بعبد) 

وهنا جاءت الكارثة، فكما هي العادة التي اعتدادها فقهاء المسلمين في كل عصر وفي كل مصر، فقد فرغوا النصوص الشرعية من مضمونها، فالآية الكريمة والحديث الشريف كانا واضحين في اعتبار أن النفس معصومة وأن الدماء تتكافأ حرا أو عبدا، لكن فقهاء المسلمين استنوا سنة جديدة لا أصل لها في كتاب ولا سنة، فالحسن نفسي ينسي الحديث الذي رواه فيقول بأن الحر لا يقتل بالعبد، وعلى الرغم من أن بعض الفقهاء قالوا بأن النفس هنا تتكافأ من حيث الدماء وأنه من قتل عبدا يقتل به سواء كان القاتل حرا أو عبدا، إلا أن الجمهور من الفقهاء ذهب لعكس ذلك، فمن 

رأى أن الحر يقتل بالعبد وهو قول الحنفية وجماعة من السلف، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ ومنهم من رأى أن العبد لا يكافئ الحر، ومن ثم فلا يقتل به لنقصه عن رتبته، وليس في هذا تنقص لآدمية العبد ولا استخفاف بحقه، ولكنه لما كان مملوكا لم يكن مكافئا للحر، فلا يلزم في قتله إلا الدية على هذا القول، قال القرطبي مبينا هذا الخلاف: وَاتَّفَقَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى عَلَى أَنَّ الْحُرَّ يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ كَمَا يُقْتَلُ الْعَبْدُ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ علي وابن مسعود ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَقَتَادَةُ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالْحَكَمُ بْنُ عتيبة، وَالْجُمْهُورُ مِنَ الْعُلَمَاءِ لَا يَقْتُلُونَ الْحُرَّ بِالْعَبْدِ، لِلتَّنْوِيعِ وَالتَّقْسِيمِ فِي الْآيَةِ.

وقال ابن قدامة رحمه الله: ولا يقتل حُرٌّ بِعَبْدٍ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَزَيْدٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ـ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعِكْرِمَةُ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَيُرْوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ، لِعُمُومِ الْآيَات وَالْأَخْبَارِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ ـ وَلِأَنَّهُ آدَمِيُّ مَعْصُومٌ، فَأَشْبَهَ الْحُرَّ، وَلَنَا، مَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ أَنَّهُ قَالَ: مِنْ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُقْتَلَ حُرٌّ بِعَبْدٍ ـ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ ـ رَوَاهُ الدار قطني، وَلِأَنَّهُ لَا يُقْطَعُ طَرَفُهُ بِطَرَفِهِ مَعَ التَّسَاوِي فِي السَّلَامَةِ، فَلَا يُقْتَلُ بِهِ كَالْأَبِ مَعَ ابْنِهِ، وَلِأَنَّ الْعَبْدَ مَنْقُوصٌ بِالرِّقِّ، فَلَمْ يُقْتَلْ بِهِ الْحُرُّ، كَالْمُكَاتَبِ إذَا مَلَكَ مَا يُؤَدِّي، والعموميات مَخْصُوصَاتٌ بِهَذَا، فَنَقِيسُ عَلَيْهِ..

ودلل جمهور الفقهاء على ذلك بأن العبد كالسِّلعة والمتاع بسبب الرق الذي هو من آثار الكفر، والكافر كالدابة بسبب الكفر الذي طغى عليه، وقد قال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الذين كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنفال: 55] فكيف يُساوى المؤمن بالكافر، وكيف يقتل به؟

فجمهور الفقهاء اعتبروا العبد مال مقوم لا يساوي الإنسان الكامل وإذا ما قتل سيد عبده أو جاريته فهو قد أتلف ماله فلا عقاب عليه، وإن قال بعض الفقهاء بأنه يؤدي مثل قيمته لبيت مال المسلمين، لكن لم يقل أبدا أن السيد الذي يقتل عبده يكون قد ارتكب جرما يستحق أن يحاكم من أجله لأنه قتل إنسان!

بل أجاز الفقهاء أجاز للسيد أن يقيم الحد على من يملكه من جارية وعبد وحيث جاز ذلك في الحدود عند جمهور الفقهاء بما في ذلك حدود القطع والقتل، حيث لم يخالف فيه إلا الحنفية وهذا باتفاق الجميع

وهكذا يمكن القول إنه كما كانت الحضارات السابقة للإسلام، واللاحقة له أيضا متوحشة في تعاملها مع الرقيق، فإن المسلمين كانوا هم أيضا متوحشون مع الرقيق وإن كانوا أقل وحشية في بعض الأحيان.

فكما كان يقتل السيد الأبيض الزنجي في مزارع القصب تحت السوط وهو يعمل بدون أن يعاقب من قانون أو سلطة مدنية، فإن فقهاء المسلمين أعطوا لملاك الرقيق المشروعية الدينية في قتل عبيدهم تحت السياط  ضربا وتعذيبا بدون أن يقتص منهم، ولا حتى بدون أن يشعر أحدهم بأنه قد فعل شيئا ذا بال يمكن أن يستغفر عليه ربه، ونقل عن الصحابة رضي الله عنهم في عدم قتل السيد بعبده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا لا يقتلان الرجل بعبده، كانا يضربانه مائة، ويسجنانه سنة، ويحرمانه سهمه مع المسلمين سنة إذا قتله عمدًا، عن علي رضي الله عنه أنه قال: «من السنة أن لا يقتل حر بعبد» ، هذا فيما يتعلق بقتل العبد، أما جرح العبد وتقطيع أوصاله من جانب سيده أو أي حر آخر ، فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن : «ولأن حرمة النفس أغلظ من حرمة الأطراف، فلما لم يجب القود بينهما في الأطراف فأولى أن لا يجري بينهما في النفس «ولأن العبد منقوص بالرق فلم يقتل به الحر، كالمكاتب إذا ملك ما يؤدي ولأن العبد مال لسيده، فلا يستحق المطالبة على نفسه

 

أما عن الضرر الناتج عن التأديب من جانب السيد للعبد في المجتمع الإسلامي، ووفقا للمصادر الإسلامية أنه إذا أدب السيد عبده التأديب المشروع، فهلك، فلا ضمان عليه في قول جماهير أهل العلم من الحنفية والمالكية والشافعية  والحنابلة،  لأن التأديب من السيد فعل مأذون فيه شرعًا لإصلاح العبد كضرب المعلم، والموت نتج من فعل مأذون فيه، والمتولد من فعل مأذون لا يعد اعتداء فلا ضمان عليه فيما تلف به كالحد، ولأنه لا يجب للعبد شيء على نفس سيده، أكثر من ذلك فحتى القصاص بين الأرقاء بعضهم وبعض كان شرطا له أن يتساوى العبد الجاني والعبد المجني عليه في القيمة المالية، فقد روي عن أحمد وعن عطاء أن شرط القصاص بين العبيدين أن تتساوي قيمتهم المالية، وأن اختلفت قيمة العبد الجاني عن العبد المجني عليه لم يجري بينهما القصاص، بل أن ابن عباس أعلنها صريحة بأن العبدـ، ذكر أو أنثى ليس إنسان بل أقل من الإنسان وبمثابة مال مقوم، فأفتي في كتابه المغني باب الجراح بأنه ليس بين العبيد قصاص في نفس ولا جرح لأنهم أموال.

وإن كان واقع ما حدث في المدينة المنورة هو أن النبي صلى الله عليه وسلم جلد رجلا قتل عبده، فعن على رضي الله عنه قال: قَتَل رجلٌ عبده عمدًا متعمدًا، فجلده رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة، ونفاه سنةً، ومحا سهمه من المسلمين.

وكان يمكن أن يبني على موقف النبي صلى الله عليه وسلم موقفا مغايرا مع الاحرار الذين يقتلون عبيدهم من المسلمين، ولكن جمهور فقهاء المسلمين استغلوا هذه الواقعة بأن أطلقوا يد الأحرار في قتل عبيدهم ،  واستدلوا بأن إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتص من هذا السيد القاتل مع أنه قتل عبده عمدًا، وإنما أوقع عليه جملة من العقوبات التعزيرية، ولم يقد منه، ولو كان السيد يقتل بعبده لما اقتصر النبي صلى الله عليه وسلم على هذه العقوبات، بل لأقاد منه لا سيما وأنه صلى الله عليه وسلم في مقام التشريع، فاقتصاره على هذه العقوبات دليل على عدم وجوب القصاص على السيد إذا قتل عبده، وهكذا شهدت بلاد المسلمين بعد ذلك مذابح يومية تجري بغطاء من الشرع والدين يذهب ضحاياها الأرقاء.

 

الشاهد من كل ما سبق أن كل الأديان، بما فيها الإسلام، لم تأبه كثيرا لفكرة الحرية، وأن الغالب على كل الشرائع أنها كرست للعبودية والقهر والظلم، وليس من صحيح القول بأن الدين يهتم بعظائم الأمور وأن العبيد فئة مهمشة في المجتمع فلم يهتم به فقهاء المسلمين، بل العكس هو أن عدد الأرقاء في ديار المسلمين كان أضعاف عدد الأحرار، وكان الدين دائما يصب في اتجاه تكريس المجتمع العبودي، حدث ذلك دوما ويحدث على الدوام، وإن اختلفت الأشكال والأسماء والوجوه،  بل أن ما يدمي القلب هو أن أشهر واقعة لسبي مصريين أحرار في تاريخ مصر القديم والوسيط كانت على يد جنود الخليفة المأمون في سنة 831 م، عندما ثار أهالي منطقة البشرود الساحلية بين فرعي النيل دمياط ورشيد ضد ظلم ولاة المأمون، الذين أسرفوا في جمع الضرائب، بخلاف الجزية، فكان أن أخمد جنود المأمون ثورة الفلاحين بكل قسوة وقام جيش الحامية بسبي كل نساء وأطفال المحتجين ضد الظلم، وهى واقعة إن طبقت عليها القواعد الشرعية فهو استرقاق باطل، لأن من وقعوا في الرق هنا ليس جيش محارب بل ذرية ذميين يخضعون للدولة الإسلامية، وما ارتكبوه هو الثورة ضد الظلم والتعسف، فليسوا محاربين وليسوا في دار حرب، بل هم ذميين وقع عليهم العسف والجور، فكان جزاؤهم السبي والاسترقاق. “



الكلمات المفتاحية
الرقيق في مصر

الانتقال السريع

النشرة البريدية