الثلاثاء 27 سبتمبر 2022
24 C
بغداد

    ليلة سقوط بغداد والحلم المستحيل الذي أطلقه طارق عبد الصمد وحضرة الناظر !

    بقلم محمد مختار ( باحث وكاتب )

    في مساء ليلة من ليالي شهر مارس سنة 2003 م وفي ليلة العشرين من هذا الشهر، وهى الليلة التي تسبق عيد الأم كنت في مقهى الجريون الشهير في وسط القاهرة، وهو مقهى معروف عنه أنه مقصد أدباء ومثقفون وسياسيون من مكونات المعارضة العراقية للرئيس العراقي الراحل صدام حسين ممكن اختاروا القاهرة منفى اختياري لهم هربا من آلة القمع الوحشية لصدام حسين. هذه الليلة اتذكرها ولكنها تختلط بليال أخرى ولكن في هذه الليلة شاهد جميع من في مقهى الجريون أولى طلعات القصف الجوي الأمريكي الرهيب ضد أهداف الجيش العراقي وهو القصف الذي استمر بلا توقف حتى انتهي بغزو كامل للعراق، ولعلها أول مرة منذ سقوط الدولة العباسية أن تخضع بغداد لحكم غازي دمرها تماما قبل أن يحتلها .

    نفس المشهد الذي تجمعنا عليه في الجريون هو الذي خلب عقل الاستاذ شاكر، حضرة ناظر المدرسة الثانوية ، ( قام بدوره الفنان الراحل حسن حسني) وجعل هذا المشهد شاكر يسقط في وسواس دائم يسيطر على حياته اليومية، وهو يتصور نفسه مكان الإنسان العراقي الذي يراه على شاشة التلفزيون ، ولأن شاكر مهتم بوطنه تأتيه فكرة غريبة وهو أن يقوم بدور الراعي الرسمي لأحد العلماء الشبان من تلاميذه السابقين حتى يكتشف له سلاحاً يدافع به عن نفسه في أي لحظة مشئومة قد يقابلها في المستقبل، يفتش في ذاكرته عن الطلبة النوابغ الذين قابلهم في حياته كمدير، وبعد التفكير يستقر على طارق عبد الصمد ألمع الشباب الذين مروا عليه في حياته العملية ( أحمد عيد)، وبعد البحث يتمكن من الوصول إليه، يبدأ معه مشروع محاولة اختراع سلاح يردع كل من يحاول مهاجمة مصر ، ولكن مع الأسف فإن شاكر وجد طارق عبد الصمد وقد سقط في بئر عميق من اليأس وتحول لتدخين الحشيش بدلا من أن يقع فريسة حبوب مضادات الاكتئاب لكن شاكر يولد فيه الحمية، ويعرض عليه أن يتزوج من ابنته، وابنته تتولي أيضا تشجيع زوجها المخترع ليقوم باختراع سلاح الرد الذي يكون في يد الضعفاء بمثابة أداة الدفاع عن النفس في وجه الغزو الأمريكي الكاسح للمنطقة في ذلك الوقت.

    وتتوالى أحداث الفيلم في قالب هزلي غير موضوعي بالمرة وغير منطقي، ولكن في النهاية نعرف أن طارق عبد الصمد بالرغم من دخوله مستشفى المجانين هو وحماه شاكر قد نجح في اختراع سلاح الردع، وفي قالب هزلي يظهر أن سلاح الردع ينجح في صد الغزو الأمريكي على مصر الذي افترض الفيلم أنه سوف يقع ، وينتهي الفيلم وإن كان قد غلب عليه السطحية في المعالجة وفقر الإنتاج، إلا أن فكرته العميقة تلقفها آخرون، الحقيقة ليس لدينا أدلة على أن مجموعات المقاومة في لبنان أو غزة أو حتي ميلشيات الحوثي في اليمن قد تأثرت بالفكرة التي قدمها طارق عبد الصمد ( أحمد عيد ) وشاكر ( حسن حسني ) في فيلم ليلة سقوط بغداد، ولكن لدينا أدلة على أن هذه المجموعات قد نجحت في نهاية المطاف في أن تحول نماذج بدائية من الطائرات المسيرة التي كنا ونحن مراهقين نتدرب على صنعها في أندية الطيران إلى سلاح ردع، وتمكنت المقاومة الفلسطينية في غزة بشكل كبير في تغيير شكل المعركة الجوية مع إسرائيل من خلال إطلاق مئات الطائرات المسيرة وآلاف المقذوفات البدائية في وقت متزامن ضد أهداف إسرائيلية للدرجة التي خرجت معها منظومة القبة الحديدية من الخدمة فعليا خلال حرب غزة الأخيرة، وحتى في اليمن تمكن الحوثيون من تحويل هذه الطائرات المسيرة لسلاح ردع في مواجهة الطائرات الحديثة للتحالف الذي تقوده السعودية لدرجة أن الأخيرة توقفت عن قصف العمق اليمني في المناطق التي تسيطر عليها المجموعات الحوثية في مقابل توقف الأخيرة عن قصف الأراضي السعودية، بالمسيرات. وهو ما تكرر لاحقا في العراق حيث أجبرت ميلشيات الحشد الشعبي باستخدام المسيرات الجيش الأمريكي على الانسحاب نهائيا من أرض الرافدين .

    إن السينما قد نجحت في خلق الحلم ثم تحويل الحلم إلى حقيقة، لقد استطاع طارق عبد الصمد ( أحمد عيد ) وحضرة الناظر استاذ شاكر( حسن حسني) في إطلاق الحلم بأن يكون للضعفاء سلاح للردع، هنا السينما وضعت بذرة الحلم في أذهان الملايين من الذين شاهدوا هذا الفيلم حول العالم، قد لا يكون لدينا دليل على أن هناك علاقة مباشرة بين الفكرة العميقة التي تتضمنتها الأحداث الهزيلة والساذجة التي تتضمنها فيلم ليلة سقوط بغداد، ولكن لدينا ألف دليل ودليل على أن السينما صنعت الحلم، حلم سلاح الردع للفقراء، وأن هذا الحلم تحقق، وأن الضعفاء استطاعوا فرض إرداتهم على الأقوياء، حدث هذا في غزة وفي اليمن وفي العراق، وقد يحدث في مناطق أخرى من العالم خاصة في ظل التحديثات التي تطال الطائرات المسيرة بشكل قد يغير من شكل المعركة الجوية بالكامل في المستقبل .

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا