الأربعاء 30 نوفمبر 2022
19 C
بغداد

    لماذا لا يعتقد الأشاعرة بأن الله في السماء ؟ هل يخالف الأزهر أهل السنة والجماعة ؟

    بقلم محمد مختار ( باحث وكاتب )

    هل هناك خلاف بين عقيدة أهل السنة والجماعة وبين عقيدة الأشاعرة وهى العقيدة التي يعتنقها بدون استثناء كل علماء الأزهر الشريف في مصر ويدرسها الأزهر الشريف لطلابه حول العالم ؟ وما هى أوجه الخلاف بين الجانبين؟ وكيف يمكن أن نوفق بين الجانبين؟ بداية يشمل مصطلح أهل السنة والجماعة ثلاث طوائف: الأول: أهل الحديث، ويقصد بهم الذين يعتمدون على الأدلة السمعية وهى الكتاب، والسنة، والإجماع. والطائفة الثانية هم أهل النظر العقلي والصناعة الفكرية؛ وهم: الأشعرية، والحنفية. وأشارت أمانة الفتوى في دار الإفتاء المصرية إلى أن مؤسس العقيدة الأشعرية هو الإمام أبو الحسن الأشعري المتوفى ببغداد في الثلث الأول من القرن الرابع الهجري، هو أحد الذين قرروا العقائد الإسلامية، وردوا على طوائف المبتدعة، وقد صارت طريقته في تقرير العقائد هي الطريقة المعتمدة في المحافل العلمية والجامعات الإسلامية العريقة؛ كالأزهر الشريف بمصر، والزيتونة بتونس، والقرويين بالمغرب، بالإضافة إلى المدارس الشرعية في الشام والعراق.
    ولا يعرف كثيرون أن الأشاعرة خالفوا أهل السنة والجماعة في معنى التوحيد حيث يعتقد أهل السنة والجماعة أن التوحيد هو: إفراد الله بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته على نحو ما أثبته تعالى لنفسه أو أثبته له رسوله ، ونفي ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف أو تعطيل أو تكييف أو تمثيل. لكن التوحيد عند الأشاعرة هو نفي التثنية والتَّعدُّد بالذات ونفي التبعيض والتركيب والتجزئة. وفي ذلك يقولون: إن الله واحد في ذاته لا قسيم له، واحد في صفاته لا شبيه له، واحد في أفعاله لا شريك له.
    والمأخذ الأساسي الذي يأخذه جمهور من أهل السنة والجماعة على عقيدة الأشاعرة هى أن إثبات وجود الله عند السلف أمر مقرر بالفطرة ، وأقام الله عليه الدلائل في الكون وفي الآفاق، ولكن الأشاعرة أحدثت في هذا الأمر ولم ترتضه، فجاءت بدليل (الحدوث والقدم ) ، وملخصه أن هذا الكون حادث ، والحادث لا بد له من محدث قديم . ثم بنوا على هذا مسائل الصفات وخلطوا فيها كثيرا . ولو أنهم قالوا إن هذا الكون مخلوق والمخلوق لا بد له من خالق لسلموا من التخبط ، ولكنهم في هذا آثروا موافقة الفلاسفة حتى في مصطلحاتهم . كما أن التوحيد عند أهل السنة والجماعة هو توحيد الله بأفعاله (توحيد الربوبية )كالإحياء والرزق والإماتة . أما التوحيد عند الأشاعرة : فهو نفي التثنية أو نفي التبعيض والتركيب والتجزئة وعلى هذا فهم ينكرون بعض الصفات كالوجه مثلاً لأنها تؤدي التركيب والتجزئة .

    كذلك الأشاعرة ينفون علو الله على خلقه، وأنه في السماء؛ وهم مختلفون في الإجابة عن سؤال أين الله: فمنهم من يقول هو في كل مكان، ومنهم من يقول: هو موجود بلا مكان، لا داخل العالم ولا خارجه؛ وذلك حتى لا يلزمهم تبعات قول إن الله في كل مكان من أنه داخل العالم أو مختلط به. وعلى الرغم من أن قضية العلو هي فرع عن قضايا رئيسة وهي: إثبات الصفات، والموقف من حديث الآحاد، وغير ذلك: إلا أنها صارت عند الكثير منهم محور الحديث والامتحان والتفرقة بين الأشعري وغيره. وهذا على الرغم من أن متقدمي الأشاعرة كانوا على القول بعلو الله تعالى واستوائه على عرشه.
    والحقيقة أن يسود اللبس عند كثير من المسلمين بين المذهب الأشعري وبين فكر الاعتزال. وسبب هذا اللبس هو أن أبو الحسن الأشعري ، مؤسس المذهب الأشعري، ظل أربعين سنة يعتنق فكر المعتزلة . والمعتزلة هم أتباع واصل بن عطاء ، و سموا كذلك ، لأنم اعتزلوا حلقة الحسن البصري وفكر المعتزلة يقوم على فكرة أنه إذا تعارض النص مع العقل قدموا العقل لأنه أصل النص، ولا يتقدم الفرع على الأصل، ومن أشهر المعتزلة الزمخشري صاحب تفسير الكشاف، والجاحظ، والخليفة المأمون، والقاضي عبد الجبار، ويؤخذ على المعتزلة أن عقيدتهم مشوشة بأفكار فلسفية لا تتناسب مع بساطة الدين الإسلامي . فالمعتزلة أثبتوا أسماء الله، قالوا: إن الله سميع بصير قدير عليم حكيم … لكن قدير بل قدرة، سميع بلا سمع بصير بلا بصر، عليم بلا علم، حكيم بلا حكمة. أثبتوا الأسماء دون الصفات. أما الأشاعرة فهم من قالوا: نثبت لله الأسماء حقيقة، ونثبت له صفات معينة دل عليها لعقل وننكر الباقي، نثبت له سبع صفات فقط والباقي ننكره تحريفاً لا تكذيباً، لأنهم لو أنكروه تكذيباً، الصفات السبع هي مجموعة في قوله: له الحياة والكلام والبصر … سمع إرادة وعلم واقتدر . فهذه الصفات نثبتها لأن العقل دل عليها وبقية الصفات ما دل عليها العقل، فنثبت ما دل عليه العقل، وننكر ما لم يدل عليه العقل. آمنوا بالبعض، وأنكروا البعض.