السبت 26 نوفمبر 2022
20 C
بغداد

    لغز رواية السمان والخريف .. هل عيسى الدباغ هو نجيب محفوظ متخفيا ؟

    بقلم محمد مختار ( باحث وكاتب )

    لا شك أن رواية (السمان والخريف) جاءت من جانب نجيب محفوظ كمحاولة للتعرف على الذات، والغوص داخل مكنون النفس البشرية، واستكناه الوجه الآخر للأشياء، فقد استطاع (نجيب محفوظ) أن يرسم لقارئه عالمًا ينتمي للبوح الإنساني، والمعاناة التي تنتج عن الرؤية المعاكسة للمعتاد، يتجلى لنا هذا في البطل (عيسى الدباغ) الذي يمثل معاناة شريحة باكملها، شريحة المعاونين لنظام ما، الذاتي تتبدد معالمه فجأة؛ ليجد نفسه في مهب الريح، فلا سلطة، ولا نفوذ، ناهيك عن تشييع الناس له بنظرات ملؤها الاحتقار. وهو ما أعطى بعض النقاد انطباعا بأن عيسى الدباغ هو نجيب محفوظ متخفيا وراء شخصية وهمية . تحدث الفجوة –إذن-في عالم الواقع؛ لتتبلور فيما بعد في اللاوعي؛ لتحاول الذات –بعد عناء-إعادة استكناه ذاتها، وصياغة ملامحها التي التي ترسخت على حوائك الوجدان بعد سنوات عديدة من الزمن. يهدف هذا المقال إلى إجراء مقاربة سردية لرواية السمان والخريف التي كتبها الروائي المصري نجيب محفوظ ونشرت عام 1962م. وستتخذ القراءة من “المدخل الاجتماعي للأدب” مدخلا لدراسة الرواية، ذلك المنظور الذي يعني بالعلاقة المعقدة بين الأدب والمجتمع، وبما هو “اجتماعي” في الأدب، وبما في ذلك من مقولات تدور حول مفهوم “الواقعية” الذي تحدث عنه النقادالماركسيون. وسترتكز الدراسة – بالتحديد – على أفكار الناقد الماركسي البارز جورج لوكاتش (بما في تلك الأفكار من بُعد هيجلي)، سواء فيما يخص الأدب بشكل عام، أو الرواية ، كنوع أدبي، بشكل خاص. ولكي نستلهم السرد في الرواية يمكن أن نتتبع تقنية الزمن كما وظفها نجيب محفوظ في رواية السمان والخريف في علاقة الزمن بديمومة الأحدث يقول (ميشال بورتو) :”لكي نستطيع درس الزمن في ديمومته علينا أن نعتبره كأنه مسافة علينا أن نجتازها…كما أن زماننا ليس هو زمن علم الميكانيك الذي يوافقه، إنه مدى لا تتساوى فيه الاتجاهات مطلقا، مدى مليء بأشياء تغير وجهة سيرنا، حيث الحركة في خط مستقيم هي مستحيلة من نقطة لأخرى.

    تظهر شخصيات الرواية من خلال عيسى الدباغ “بطل الرواية”وأنه يعانى من الاغتراب في مجتمعه ويشعر أنه مطرود ويواجه واقعاً يخلو من المعنى وغير قادر على الاندماج في العالم الجديد وكأن عيسى الدباغ هو نفسه ذلك البطل الفرد الذي تحدث عنه لوكاتش، وطوال الرواية نجد كيف أن عيسى يعاني الاغتراب عن مجتمعه ويشعر أنه مطرود وغير قادر على الاندماج في العالم الجديد. وثمة تشابه ملفت آخر بين مقولات لوكاتش وبين عبارات موجودة في الرواية فيرى لوكاتش إن الرواية “بحث عن المعنى إلا أن المعنى ليس معروفا كما في الملحمة القديمة، وعلى البطل – ذلك الكائن الإشكالي والهامشي، الذي يواجه واقعا اجتماعيا خاليا من المعنى – أن يخترع ويخلق المعنى بالرغم من أن بحثه المثابر عنه ينتهي بالفشل”. وفي الرواية: “لكنه سيصمد للمحنة، ويتألم، ويكفر ثم يحيا، وأخيرا سيجد للحياة معنى”

    يتمثل في روايته تلك الأزمة تماما ولكن بسبب تغير سياسي جذري (وهو قيام ثورة يوليو 1952م، التي أطاحت بالنظام الملكي، وقد كان عيسى وقتها موظفا مرموقا في حكومة الوفد في العهد الملكي) ولكن النتيجة في النهاية واحدة، وهي أزمة الاغتراب التي يعيشها ذلك البطل مع مجتمعه وعالمه، وشعوره أنه ليس ثمة معنى لحياته وأنه لا دور له: “وكيف يكون للحجر دور في المسرحية، وللحشرة دور، وللمحكوم عليه في الجبل دور، وأنا لا دور لي” . وبالإضافة إلى شخصية عيسى الدباغ فهناك شخصيات أخرى منها (سمير عبدا لباقي) تتجه نحو التصوف)، حيلة هروبية انتمائية، تعطيه إحساسا موارباً بالانتماء. و(إبراهيم خيرت) يحمل على الحزبيين بمقالاته في الصحف، اي على الوفد خاصة، ثم ينافق بأنه مازال وفدياً! وان رجال الوفد موجودون في مجالس إدارات الشركات، أما شخصية (عباس صديق) فشخصية متمارضة منكفئة، بخلاف ريري وهى شخصية أخرى مثلت جزء من الصراع في حياة بطل الرواية، وشخصية ابنتها التي ظهرت في فترة متأخرة من الرواية ولكن بمشاعر جامدة تجاه الأب.

    إن عيسى هو تماما ذلك البطل الإشكالي الرافض والباحث عن معنى يعرف أنه لن يجده ابدا (وإن أشارت نهاية الرواية إلى وجود أمل في إيجاد عيسى للمعنى)، لكن هذا الوصف هو الوصف الأدق لشخصية عيسى وهو مصدر معاناته، ومنبع أزمته. إنه ذلك البطل الهامشي الذي يواجه واقعا اجتماعيا خاليا من المعنى وتتمثلفيه تلك “الفجوة بين الفرد والعالم”، وطوال الوقت يبحث البطل الفرد عن “الاندماج المفقود”. وإن كان لوكاتش قد جعل أزمة البطل الإشكالي مع المجتمع/ العالم بسبب النظام الرأسمالي فإن محفوظ