الجمعة 2 ديسمبر 2022
17 C
بغداد

    كيف تتم صناعة الملياردير ؟

    خاص : بقلم – أحمد دياب :

    “طبقًا لـ”دين بيكر” Dean Baker؛ المحرر الاقتصادي في جريدة (The Gurdian)، فإن: “معظم الثروة التي حققها مليارديرات وادي السليكون ترتكز على براءات الاختراع وحقوق الملكية الفكرية، وكلاهما احتكارات تمنحها الحكومة…” (16). وجميعنا يعلم أن شبكة الإنترنت نفسها نشأت في الأساس كمشروع حكومي تحت رعاية وزارة الدفاع الأميركية.

    عندما نسأل أنفسنا، ما الذي اخترعه مارك زوكربيرغ مثلاً ولم يكن موجودًا من قبل ؟ نتذكر أن العديد من مواقع التواصل الاجتماعي كانت موجودة بالفعل في الولايات المتحدة من قبل وجود موقع (فيس بوك-Facebook). لقد تم تأسيس موقع التواصل الاجتماعي (ماي سبيس-My Space) في عام 2003، ووصل عدد المشتركين فيه إلى مئات الملايين. حتى بعد تأسيس موقع (فيس بوك) في عام 2004، استمر موقع (ماي سبيس) يتفوق على موقع (فيس بوك) في عدد المشتركين حتى عام 2007. إن انتشار موقع للتواصل الاجتماعي على الإنترنت، وانحسار موقع آخر يرجع بالأساس إلى تفضيلات كبار رجال المال ومضارباتهم ورهاناتهم على موقع بعينه، ويتبعهم في ذلك السياسيون والمشاهير في جميع المجالات، وفي النهاية يقلد الجمهور العادي جميع هؤلاء.

    في نهاية عام 2021 كانت ثروة “إيلون ماسك” قد تضاعفت لتصل إلى حوالي 250 مليار دولار، ويصبح “ماسك” الشخص الأغنى في العالم. ومن ثم، اختارته مجلة (تايم-Time) كشخصية العام وأثنت على مشروعاته المتعددة. وكان من الواضح أن تلك الشخصية قد تم العمل على تلميعها منذ سنوات سبقت ذلك العام بكثير، ليصبح أيقونة الشباب الطموح حول العالم. ولكن بنظرة سريعة على مسيرة “ماسك” سنجد أنه لم يخترع أي شيء جديد ليقدمه للعالم، وأن الشركات التي ساهم مع آخرين في تأسيسها بدعم من ممولين كبار، لم تكن سوى شركات قائمة على استحداث تطبيقات لربط البشر والشركات والبنوك بشبكة الإنترنت، مثل شركة (Zip2)، وشركة (X .com). أما شركة (تسلا Tesla, Inc) التي تولى رئاسة مجلس إداراتها نتيجة مساهمته بأكبر رأسمال فيها، على الرغم من أنه لم يكن من مؤسسيها، فلم تكن هي الشركة الأولى أو الوحيدة من نوعها التي تسعى لتطوير صناعة السيارات الكهربائية والقيادة الذاتية للسيارات. أما شركة (SpaceX) التي قام بتأسيسها في عام 2002 بهدف إرسال رحلات تجارية إلى الفضاء، فلم تكن سوى اتجاه من الحكومة الأميركية لخصخصة جزء من أعمال وكالة الفضاء (ناسا)، التي منحت “ماسك” عقد برنامج خدمات النقل المداري التجاري في عام 2006.

    طوال السنوات التالية لتوليه إدارة الشركتين الجديدتين ظل مشروعي “ماسك” للسيارات الكهربائية والرحلات التجارية للفضاء لا يُحققان أي أرباح تقريبًا، حتى عام 2008؛ مما جعل “كيمبال”؛ أخو “ماسك” وشريكه؛ يُصرح لـ”ماسك” بأن الأخير قد أصبح مدينًا وأكثر من مفلس. ولكن سرعان ما بادرت الحكومة الأميركية بمنح شركة (SpaceX) مبلغ 1.5 مليار دولار عن طريق وكالة (ناسا) في نفس العام لدعم برنامج الشركة لتصنيع الصواريخ. ظلت ثروة “إيلون ماسك” لا تزيد عن 200 مليون دولار حتى عام 2011. ولكن في عام 2015 وصل إجمالي الدعم الحكومي الذي تم تقديمه لشركات “ماسك” على مدار السنوات السابقة إلى حوالي 5 مليار دولار (17)، وتزامن مع ذلك القفزة الكبرى التي تحققت لثروة “ماسك” في 4 سنوات فقط؛ من 200 مليون دولار في عام 2011 إلى 14 مليار دولار في عام 2015. وهكذا، لم يكن مستغربًا أن تتضاعف ثروة شخص يمتلك مئات الملايين، عندما يحصل على دعم من الحكومة بآلاف الملايين.

    لم يتوقف الدعم الحكومي لشركات “ماسك” عند عام 2015، ولكن كان هناك نوع آخر من الدعم يفوق الدعم المالي الذي تمنحه الحكومة الأميركية لشركاته، إنه دعم الدعاية والتسويق لشخص بحيث يتم تصويره على أنه شخص استثنائي وعبقري، ومن ثم يمكن أن يراهن الناس عليه في مجال الأعمال. يُفسر الكاتب ورجل الأعمال “تيم أوريلي” سر القفزة الكبرى الثانية التي أدت إلى تضاعف ثروة “إيلون ماسك” من 20 مليار دولار في عام 2019؛ إلى أكثر من 200 مليار دولار في عام 2021. يُرجع “أوريلي” تلك القفزة إلى ما يُسمى: بـ”اقتصاد الرهان-betting economy” الذي يتمكن فيه الناس من جني أرباحهم قبل انتهاء السباق، وبالتالي يرى سبب الثروة الضخمة التي جمعها “ماسك” هو مراهنة الناس عليه، حيث يربح الدولار في (تسلا) 600 دولار؛ وفي (آمازون) يتحول الدولار إلى 67 دولار؛ وفي (غوغل) يتحول الدولار إلى 34 دولار. وهكذا، يمكن للشركة ومالكيها استخراج كميات هائلة من القيمة على الرغم من عدم وجود أرباح حقيقية – وهي القيمة التي يمكن أن يسحبها أولئك الذين يمتلكون أسهمًا – أي الحصول على شيء مقابل لا شيء.

    ويرى “أوريلي” أن هذا هو أحد الأسباب التي تجعل الأثرياء يزدادون ثراءً والفقراء يزدادون فقرًا في الاقتصاد الحديث، حيث يعيش الأغنياء والفقراء في الواقع في اقتصادين مختلفين يعملان بقواعد مختلفة. فبينما يعيش معظم الناس العاديين في عالم؛ حيث الدولار هو دولار، يعيش معظم الأثرياء في عالم: “المال الخارق-Supermoney”، حيث يتم “تمويل” الأصول (القادرة على المشاركة في اقتصاد الرهان) وتقييمها اليوم كما لو أنها كانت قد أنتجت بالفعل أرباحًا مستقبلية لعقود من الزمن وانعكست تلك الأرباح على أسعار أسهمها (18).

    ولكن ذلك المال الخارق الذي يتم إنتاجه من لاشيء بالرهان على المستقبل يبقى دائمًا مهدَّدًا بالتلاشي والتحول مرة أخرى إلى لاشيء في حالة خسارة الرهان. يوضح “يوفال نوح هراري” في كتابه: (العاقل.. تاريخ مختصر للنوع البشري)، كيف أن البنوك والحكومات في مختلف أنحاء العالم تقوم، بشكل مسعور، بطباعة تريليونات الدولارات واليوروهات والينات… من لاشيء أثناء الأزمات المالية الكبرى، خشية أن توقِف تلك الأزمات النمو الاقتصادي. ويضيف “هراري” أن ضخ تلك الأرصدة الرخيصة في النظام المالي يقوم على أمل: “أن يتمكن العلماء والتقنيون والمهندسون من التوصل إلى اكتشاف حقيقي قبل انفجار الفقاعة… بحيث يمكن لاكتشافات جديدة في مجال مثل التقنية الحيوية وتقنية النانو إنشاء صناعات جديدة بالكامل. ويمكن لأرباحها أن تسند تريليونات الأموال الزائفة التي تصنعها البنوك والحكومات…”، ويعود “هراري” ويُحذر: “ولو لم تحقق المختبرات هذه التوقعات قبل انفجار الفقاعة، فنحن سائرون باتجاه أوقات عصيبة جدًا” (19).

    إن طريقة صناعة مليارديرات وادي السليكون وإعدادهم للمشاركة في الرهان الاقتصادي لا تختلف كثيرًا عن طريقة صناعة المشاهير من نجوم الفن والسياسة والثقافة والمؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي في الوقت الحالي. فيكفي أن يتم دعمك بشكلٍ مباشر أو غير مباشر من مؤسسات إعلامية كبرى وجهات حكومية مرموقة وشخصيات سياسية بارزة، لتُصبح بعدها مرشح لأن يُراهن ملايين الناس عليك في مجتمعك. وفي عصر العولمة يُصبح بإمكانك جذب مليارات الناس من مختلف المجتمعات للمراهنة عليك وزيادة سعرك في السوق العالمي. ومع ذلك يجب الأخذ في الاعتبار أن بعض عمليات الدعم تلك قد تفشل وتنهار قبل أن تصل إلى المرحلة التي تصبح فيها أكبر من أن تسقط.”

    ________________________________

    أحمد دياب – (ما لم تألف سماعه) –  ص: 250، 251، 252