الإثنين 28 نوفمبر 2022
15 C
بغداد

    قصة الحضارة (47): امتلكت المرأة الحرية في العهد الفيدي في الهند

     

    خاص: قراءة- سماح عادل

    يستمر الكتاب في تناول حضارة الهند القديمة، ويحكي عن المجتمع الآري الهندي وتفاصيله وكيف اهتم بالزراعة والصناعة والتجارة، وكيف كانت عادات الزواج فيه. وذلك في الحلقة الثامنة والأربعين من قراءة “قصة الحضارة” الكتاب الموسوعي الضخم وهو من تأليف المؤرخ الأمريكي “ويل ديورانت” وزوجته “أريل ديورانت”، ويتكون من أحد عشر جزء.

    المجتمع الآري الهندي

    يواصل الكتاب الحديث عن المجتمع الآري الهندي: “كيف كان هؤلاء الهنود الآريون يعيشون؟ بالحرب والسلب أول الأمر، ثم بالرعي والزراعة والصناعة على نمط ريفي كالذي ساد أوربا في العصور الوسطى لأنه حتى قامت الثورة الصناعية التي تظللنا اليوم، لبثت حياة الإنسان الرئيسية من حيث الاقتصاد والسياسة، على صورة واحدة لا تكاد تتغير في جوهرها منذ العصر الحجري الحديث؛ فكان الآريون الهنود يربون الماشية ويستخدمون البقرة دون أن ينزلوها من أنفسهم منزلة التقديس، ويأكلون اللحم أينما استطاعوا إليه سبيلاً، بعد أن يهبوا جزءاً منه للكهنة أو للآلهة؛ ونعلم أن بوذا بعد أن أوشك على الموت جوعاً بما التزمه في شبابه من تقشف، كاد يودي بحياته بعد أكلة كبيرة من لحم خنزير.

    وكذلك كانوا يزرعون الشعير، لكن يظهر أنهم لم يكونوا يعلمون عن الأرز شيئاً في العهد الفيدي؛ وكانت الحقول تقسمها الجماعة القروية بين عائلاتها، على أن يقوم الكل معاً بريّها، ولم يكن يجوز بيع الأرض لأجنبي عن القرية، ويمكن توريثها لأبناء الأسرة نفسها من نسل الذكور المباشر؛ وكانت الكثرة الغالبة من الناس فلاحين يملكون أرضهم التي يفلحونها، لأن الآريين كانوا يعدونه عاراً أن يعملوا لقاء أجر يتقاضونه؛ ويؤكد لنا العالمون بحياتهم أنه لم يكن بينهم مُلاّك كبار ولا متسولون، ولم يكن بينهم أصحاب الملايين ولا المعدمون.

    الصناعات اليدوية..

    ويضيف عن الصناعات: “وأما في المدن فقد ازدهرت الصناعات اليدوية على أيدي صناع وناشئين في الصناعة، كل منهم مستقل بذاته؛ ثم انتظمت قبل ميلاد المسيح بنصف ألف من السنين، نقابات قوية لصناع المعادن، وصناع الخشب، وصناع الحجر، وصناع الجلود، وصناع العاج، وصناع السلال، وطلاة المنازل والرسامين، والخزافين والصباغين والسماكين والبحارة والصيادين وبائعي جلود الحيوان، والجزارين وبائعي الحلوى والحلاقين والدلالين والزهارين والطهاة- إن مجرد النظر إلى هذه القائمة يبين لك كم كانت الحياة الآرية الهندية مليئة متعددة الجوانب؛ وكانت النقابات تقضي فيما ينشب بين مختلف الطوائف العمالية من أمور، بل كانت تقيم نفسها حكماً يفض النزاع بين الصناع وزوجاتهم.

    وكانت أسعار السلع تحدد، كما نفعل نحن اليوم، لا وفق قانون العرض والطلب، بل على أساس من غفلة الشاري؛ ومع ذلك فقد كان قصر الملك “مثمن” رسمي، يشبه ما لدينا الآن من مكتب لتحديد الأسعار، واجباته أن يخبر السلع المعروضة للبيع، ويملي الشروط على الصناع”.

    التجارة..

    وعن التجارة في المجتمع الهندي يذكر: “وتقدمت بينهم وسائل التجارة والسفر حتى بلغت مرحلة استخدام الجواد والعربة ذات العجلتين، لكنها كانت تعاني من الصعاب ما كانت تعانيه في القرون الوسطى؛ وكانت القوافل تستوقف للضرائب عند كل حد يفصل دويلة عن زميلتها مهما صغرت هذه الدويلات، كما كانت تتعرض لهجمات اللصوص في الطريق عند كل منعطف؛ وكان النقل بالنهر والبحر أكثر من ذلك رقياً؛ فكنت ترى في سنة 860 ق.م أو نحوها، سفناً تدفعها أشرعة متواضعة ومئات من المجاديف، في طريقها إلى بلاد الجزيرة وشبه جزيرة العرب ومصر، تحمل إليها منتجات تتسم بطابع الهند مثل العطور والتوابل والقطن والحرير والشيلان والنسيج الموصلي واللؤلؤ والياقوت والأبنوس والأحجار الكريمة ونسيج الحرير الموشى بالفضة والذهب.

    وكان مما وقف في سبيل التجارة أساليب التبادل العقيمة التي اصطنعها الناس في معاملاتهم، فقد كانت وسيلتهم بادئ الأمر تبادل سلعة بسلعة؛ ثم استخدموا الماشية عملة نقدية؛ حتى لقد كانت العروس تشترى بالأبقار، كهؤلاء اللائي يقول عنهن هومر “عذارى يحملن أبقارا” وبعد ذلك ظهرت عملة نحاسية ثقيلة، لم يكن يضمن قيمتها إلا الأفراد بصفاتهم الشخصية؛ ولم يكن للقوم مصارف، ولذلك كان المال المخزون يُخبأ في المنازل أو يدفن في الأرض أو يوُدع عند صديق.

    ومن هنا تطور نظام للإيداع في عهد بوذا؛ وذلك أن التجار في المدن المختلفة كانوا ييسرون التجارة بأن يعطي كل منهم لزميله خطاباً يعترف فيه بما عليه له؛ وكان في المستطاع أن تستعير من هؤلاء، وهم أشباه أسرة روتشيلد، ديناً بربح مقداره ثمانية عشر في كل مائة وكنت تسمع بين الناس حديثاً كثيراً عما بينهم من عهود مالية؛ وفي ذلك العصر لم تكن العملة النقدية من ثقل الوزن بحيث تثبط المقامرون عن استخدامها في قمارهم، وكان “زهر” القمار قد وطد لنفسه مكانة في المدينة؛ ففي حالات كثيرة كان الملك يعد قاعات للقمار لشعبه، على غرار “موناكو” إن لم تكن على صورتها؛ وكان جزء من المال المكسوب يذهب إلى الخزانة الملكية؛ ولقد يبدو ذلك في أعيننا نظاماً يصم أصحابه بوصمة العار، لأننا لم نعتد أن نرى أنظمة القمار عندنا تمد رجال الحكم بيننا بالمال بطريقة مباشرة”.

    أخلاق التجارة..

    وعن أخلاق الهند في التجارة يوضح: “وكانت أخلاقهم في التجارة رفيعة المستوى؛ ولو أن الملوك في الهند الفيدية- كما كان أقرانهم في اليونان الهومرية- لم يرتفعوا عن اغتصاب الماشية من جيرانهم، لكن المؤرخ اليوناني الذي أرخ لحملات الإسكندر، يصف الهنود بأنهم “يستوقفون النظر باستقامتهم، وأنهم بلغوا من سداد الرأي حداً يجعل التجاءهم إلى القضاء نادراً، كما بلغوا من الأمانة حداً يغنيهم عن الأقفال لأبوابهم وعن العهود المكتوبة تسجيلاً لما اتفقوا عليه، فهم صادقون إلى أبعد الحدود”. نعم إن في سفر “رج- فيدا” ذكراً للزواج المحرم وللتضليل وللعهر وللإجهاض وللزنا، كما أن هناك علامات تدل على الانحراف الجنسي الذي يجعل الرجال يتصلون بالرجال، إلا أن الصورة العامة التي نستمدها من أسفار الفيدا ومن الملاحم، تدل على مستوى رفيع في العلاقات بين الجنسين وفي حياة الأسرة”.

     الزواج..

    وعن قواعد الزواج ومراسمه: “كان الزواج يتم باغتصاب العروس من أهلها أو بشرائها أو بالاتفاق المتبادل بين العروسين، لكن هذا النوع الأخير كان ينظر إليه بعين النقد إلى حد ما، فقد ظن نساؤهم أنه أشرف لهن أن يشترين وأن تدفع فيهن الأثمان، وأنه مما يزيد قدر المرأة أن يسرقها الزوج من أهلها، وكان تعدد الزوجات جائزاً، ويشجعون عليه بين العلية، لأنه مما يسجل للرجل بالفخر أن يعول زوجات كثيرات وأن ينقل إلى الخلف قوته، وكذلك كان هناك تعدد الأزواج، فقصة “دروبادي” التي تزوجت خمسة إخوة دفعة واحدة تدل على وقوع تعدد الأزواج للزوجة الواحدة، في أيام الملاحم، حيناً بعد حين.

    وكان الأزواج عادة إخوة، وهي عادة بقيت في جزيرة سيلان حتى سنة 1859، وما تزال متلكئة في بعض قرى الجبال في التبت، لكن التعدد كان في العادة ميزة يتمتع بها الذكر دون الأنثى، لأنه عند الآريين هو رب الأسرة يحكمها حكماً لا ينازعه في سيادته منازع، فكان له حق امتلاك زوجاته وأبنائه، وله الحق في ظروف معينة أن يبيعهم أو يرمي بهم في عرض الطريق”.

    حرية المرأة..

    وعن مقدار حرية المرأة يتابع: “ومع ذلك فقد تمتعت المرأة بحرية في العصر الفيدي أكثر جداً مما تمتعت به منها في العصور التالية، فقد كان لها حينئذ رأي في اختيار زوجها، أكثر مما قد تدل عليه ظواهر المراسيم في الزواج؛ وكان لها حق الظهور بغير قيود في الحفلات والرقص، وكانت تشارك الرجل في الطقوس الدينية التي تقدم بها القرابين؛ ولها حق الدرس، بل ربما ذهبت في ذلك إلى حد بعيد مثل “جارجي” التي اشتركت في المجادلات الفلسفية، وإذا تركها زوجها أرملة فلم يكن على زواجها من قيود.

    أما في عصر “البطولة” فيظهر أن المرأة قد فقدت بعض هذه الحرية، فكانوا لا يشجعونها على المضي في الأبحاث العقلية، على أساس أن “المرأة إذا درست أسفار الفيدا كان ذلك دليلاً على اضطراب المملكة”، وقل زواج المرأة بعد موت زوجها الأول، وبدأت “البردة”، التي تعني عزل المرأة، وزادت بين الناس عادة دفن الزوجة مع زوجها وهي عادة لم تكد تعرفها الأيام الفيدية، وأصبحت المرأة المثالية هي التي جاءت على نموذج بطلة “رامايانا”- وهي “سيتا” الوفية التي تتبع زوجها وتطيعه في خضوع مهما تطلب منها ذلك من ضروب الوفاء والشجاعة، حتى آخر يوم من حياتها.