قصة الحضارة (3): أحب الإنسان البدائي طعم اللحم البشري وتفنن في طهيه

    0

     

    خاص: قراءة- سماح عادل

    في الحلقة الثالثة من قراءة الكتاب الموسوعي الضخم “قصة الحضارة” وهو من تأليف المؤرخ الأمريكي “ويل ديورانت” وزوجته “أريل ديورانت”، ويتكون من أحد عشر جزء. يحاول الكتاب تخيل مسار الإنسان البدائي، اعتمادا على مشاهدات ومعلومات عن قبائل بدائية ظلت باقية إلى وقت تأليف الكتاب، أو درسها الباحثون وسجلوا معلومات عنها في الكتب والتي استعان بها  كتاب “قصة الحضارة” كمصادر هامة.

    من أحوال تلك القبائل البدائية يحاول الكتاب استنتاج سيناريو لكيف تطور البشر، وما هي أسباب ودوافع ذلك التطور. وقد اعترف المؤلفان أن أغلب الكتابات التي تتناول تاريخ الإنسان منذ بدايته تعتمد على الظن والاستنتاج والتخيل وربط التفاصيل للوصول إلى نتائج محتملة. لأن لاشيء مؤكد من تلك الأزمان السحيقة ومادام لم يدون الإنسان تجربته فلن تصل إلينا موثقة. لكن يمكن ترك الخيال يسرح في تصور تلك التفاصيل.

    العناصر الاقتصادية للحضارة..

    تكملة للعناصر الاقتصادية للحضارة يواصل الكتاب تخيلاته عن الإنسان البدائي الذي يتعرف على أنواع الطعام ويجربها: “ويمكننا أن نصور لأنفسنا الإنسان الأول إذ هو يُجري التجارب على ألوف الأصناف التي تخرجها له الأرض من جوفها، حتى لقد عانى في سبيل ذلك ما عانى من ضيق ألم بجوفه، لعله واجد أي صنف من هاتيك المنتجات يمكن أكله بحيث يكون مأمون العواقب، ثم أخذ يجري التجارب تلو التجارب في مزج هذه الصنوف بالفاكهة والثمر وباللحم والسمك اللذين اعتادهما من قبل”.

    لكن الإنسان يظل محبا للافتراس: “لكنه خلال تلك التجارب كلها لم ينفك مشوقا لأكل غنائم الصيد؛ وإنك لترى الشعوب البدائية محبة للحم في طعامها إلى حد الافتراس، حتى وإن كان طعامهم الرئيسي في الواقع هو الغلال والخضر واللبن، فإذا ما صادفهم حيوان ميت لم يطل أمد موته، فالأرجح أن يهجموا عليه في نهم فظيع، وكثيراً ما يستغنون في ذلك عن عملية الطهي حتى لا يضيعوا من وقتهم شيئاً، فيأكلوا فريستهم نيئة، مسرعين في ذلك ما أسعفتهم أسنانهم القوية في تمزيقها والتهامها، وسرعان ما تنظر فإذا الباقي أمامهم كومة من عظام؛ وإننا نسمع عن قبائل بأسرها تمرح في طعامها أسبوعاً كاملاً على حوت يلقيه البحر على الشاطئ. إن الشك في اطراد موارد الطعام جعل هذه الشعوب الفطرية تأكل كل ما يصادفها بمعنى الكلمة الحرفي تقريباً؛ يأكلون السمك وقنافذ البحر والضفادع البحرية والبرية والفئران كبيرها وصغيرها والعناكب والديدان والعقارب والعُثة والحشرات والجراد والأساريع والضب والثعابين بأنواعها والكلاب والخيل وجذور النبات والقمل واليرقات وبعض الزواحف والطير- ليس بين هذه الأنواع نوع إلا وكان في مكان ما لوناً من ألوان الطعام اللذيذ المشتهى عند الأقوام البدائية”.

    قائمة الطعام..

    ويفصل الكتاب عن قائمة الطعام لدى البدائي: “إن قائمة الطعام عند القبائل الدنيا لا تكاد تختلف في شيء عنها عند القردة العليا وجاء الكشف عن النار فحدد هذا النهم الذي لا يفرق بين طعام وطعام، وتعاونت النار والزراعة على تحرير الإنسان من اعتماده على الصيد؛ فطهيُ الطعام أذاب للإنسان مادتي “السليلوز” والنشاء الموجودتين في آلاف الأصناف من النبات فتجعلانها غير قابلة للهضم إذا ما تُركت فجة على حالتها، وأخذ الإنسان يزداد اعتماده على الغلال والخضر ويجعل منها غذاءه الرئيسي؛ ولو أن الطهي بتليينه لمواد الطعام الصلبة، قلل من الحاجة إلى المضغ، فبدأ فساد الأسنان الذي هو من وصمات المدنية”.

    طعم الإنسان بعد طهيه..

    وعن أكل الإنسان لأخيه الإنسان يؤكد الكتاب: “ثم أضاف الإنسان إلى صنوف الطعام التي أسلفنا ذكرها صنفاً آخر كان ألذها وأشهاها- وهو زميله الإنسان، ذلك أن أكل اللحوم البشرية كان يومها شائعاً بين الناس جميعاً، فقد وجدناه في كل القبائل البدائية تقريباً، كما وجدناه بين الشعوب المتأخرة تاريخاً مثل سكان إيرلندة وإيبريا وجماعة البكت، بل بين أهل الدانمارك في القرن الحادي عشر. كان اللحم البشري من لوازم العيش بين قبائل كثيرة ولم يكن الناس يعرفون الجنائز؛ بل قد كان الأحياء في الكنغو الأعلى يُباعون ويُشترون رجالا ونساء وأطفالا، كانوا يباعون ويُشترون علنا على اعتبار أنهم من مواد الطعام، وأما في جزيرة بريطانيا الجديدة فقد كان اللحم البشري يباع في دكاكين كما يبيع القصابون اللحم الحيواني اليوم؛ وكذلك في بعض جزر سليمان كانوا يسمنون من يقع في أيديهم من الضحايا البشرية- وخصوصاً النساء- ليولموا بلحومهم الولائم كأنهم الخنازير؛ وكان الفويجيون ينزلون النساء منزلة أعلى من الكلاب لأن “الكلاب كان مذاقها رديئا” كما كانوا يقولون؛ ولما مر “بيير لوتي” بجزيرة تاهيتي، أخذ رئيس كهل من رؤساء البولينزيين يشرح له طعامه فقال: “إن مذاق الرجل الأبيض إذا ما أُحسن شواؤه كمذاق الموز الناضج” أما الفيجيون فلم يعجبهم لحم البيض زاعمين أنه زائد في ملحه عما ينبغي، وقوي الألياف، فالبحار الأوربي إذا ما وقع لهم كاد في رأيهم ألا يصلح للطعام، وعندهم أن الرجل من بولينزيا ألذ طعما.

    فمـا أصل هذه العـادة؟ ليس هنالك مـا يثبت قطـعاً أنها نشأت- كمــا ظـن النـاس مـن قبل- بسبـب قلـة في أنـواع الطعـام الأخرى، ولو كان ذلك كذلك إذن فقد بقى التلذذ بمذاق اللحم البشري بعد زوال القحط في مواد الطعام الأخرى، لأن العادة قد تكونت وأصبحت مما يستميل الأكل  وهاهي ذي الطبيعة، أرسل فيها تَرَ الدم البشري طعاماً شهياً لا يُقدم عليه اللاعق في جزع قط، حتى النباتيون البدائيون كانوا سرعان ما يعتادونه بشغف عظيم؛ ولطالما شرب أهل القبائل دم الإنسان، مع أنهم يكونون في غير هذا الظرف رقيقي القلوب كرام النفوس- يشربونه تارة باعتباره دواء؛ وطوراً باعتباره شعيرة دينية أو وفاء بعهد، ويشربونه عادة على عقيدة منهم أنه سيضيف إلى الشارب القوة الحيوية التي كانت للمأكول.

    ولم يكن أحد ليشعر بشيء من الخجل في إيثاره للحم البشري، والظاهر أن البدائيين لم يكونوا يفرقون في حكمهم الأخلاق بين أكل الإنسان وأكل الحيوان، بل أنه لمدعاة للفخار في ميلانيزيا أن يدعو الرئيس أصدقاءه إلى أكلة يُقدم فيها إنسان مشوي، وفي ذلك قال رئيس برازيلي فيلسوف: “ما دمتُ قد قتلتُ عدوي، فلا شك أنه من الخير أن آكله بدل أن أتركه فيضيع خسارةً لا يفيد منه أحد . . . ليس أسوأ الحالات أن يؤكل الإنسان، لكن أسوأها أن يموت، فإذا ما قُتلتُ فسواء لدي أأكلني عدو القبيلة أم تركني؛ على أنني لا أجد بين صنوف الصيد جميعاً ما هو ألذ مذاقاً من طعم الإنسان. والحق أنكم أيها البيض قد بلغتم الغاية في حسن المذاق”

    ومما لا ريب فيه أن هذه العادة قد كان لها حسنات اجتماعية معينة؛ فقد سبقت إلى الوجود الخطة التي اقترحها “سوفت” في شأن الانتفاع بالأطفال الزائدين عن الحاجة، ثم أفسحت أمام الكهول مجالا وهو أن يموتوا موتا فيه نفع للآخرين؛ أضف إلى ذلك وجهة النظر التي لا ترى في الجنائز إلا إسرافاً لا تدعو إليه ضرورة؛ ولقد كان من رأي “مونتيني” أن تعذيب الإنسان حتى يُسلم الروح تحت قناع من الورع والتقوى- كما كانت الحال في عصره- أفظع وحشية من طهيه وأكله بعد موته؛ إنه لواجب علينا أن يحترم كل منا أوهام الآخر”.

    الفصل الثاني: أسس الصناعة..

    يتناول الفصل الثاني من الكتاب أهمية النار في دخول الإنسان البدائي مرحلة الصناعة:” لئن بدأت إنسانية الإنسان بالكلام، وبدأت المدنية بالزراعة، فقد بدأت الصناعة بالنار التي لم يخترعها الإنسان اختراعاً، بل الأرجح أن قد صنعت له الطبيعة هذه الأعجوبة باحتكاك أوراق الشجر أو غصونه، أو بلمعة من البرق أو باندماج شاءته المصادفة لبعض المواد الكيمياوية، ولم يكن لدى الإنسان في ذلك إلا ذكاء الذي يقلد به الطبيعة ويزيدها كمالاً؛ ولما أدرك الإنسان أعجوبة النار استخدمها على ألف صورة، أولها فيما نظن أن أتخذ منها شعلة يقهر بها عدوه المخيف، ألا وهو الظلام، ثم أستعملها بعد ذلك للتدفئة، وبذلك استطاع أن يتحرك مبعداً عن مناطقه الاستوائية إلى مناطق أقل منها إرهاقاً للقوى، وبهذا الانتقال أخذ شيئاً فشيئاً يعمر الكوكب الأرضي فيجعله مسكناً للإنسان، ثم بعد ذلك أخذ يستعمل النار في المعادن فيلينها ويطرقها ويمزجها في هيئة أشد صلابة وأكثر مرونة مما وجدها عليه أول ما وجدها؛ لقد بلغت النار في أعين البدائيين من الغرابة ومن النفع حداً جعلها لديه إحدى المعجزات التي تستحق أن تتخذ إلهاً وتُعبد، ولذلك أقام لها ما لا يحصى عدده من الحفلات التعبدية، وجعل منها مركزاً لحياته وبيته؛ وكان كلما انتقل من مكان إلى مكان، حملها معه معينا بها، لا يرضى لها قط أن تخمد؛ بل أن الرومان أنفسهم أعدموا العذراء الطاهرة عقاباً لها على إهمالها الذي كان من شأنه أن تنطفئ النار المقدسة”.

    تقليد الحيوانات..

    وتخيل الكتاب الإنسان وهو يحاول تطوير نفسه وأدواته مقلدا الحيوانات: “على أن الإنسان، إذ هو لم يزل في مراحل الصيد والرعي والزراعة، ما أنفك مخترعاً، فكان الإنسان البدائي يشحذ زناد عقله لعله يجيب لنفسه إجابات عملية عما تثيره الحياة الاقتصادية في وجهه من مسائل؛ فقد كان الإنسان بادئ ذي بدء راضياً – في ظاهر الأمر – بما تقدمه له الطبيعة – كان راضياً بثمار الأرض طعاماً، وبجلود الحيوان وفرائه لباساً، وبالكهوف في سفوح التلال مأوى، ثم تلا ذلك، فيما نظن (فمعظم التاريخ ظن وبقيته من إملاء الهوى) أن أخذ في تقليد آلات الحيوان وصناعته؛ فلقد رأى القرد وهو يقذف بالحجارة وثمار الفاكهة على أعدائه، أو يكسر الجوز والمحار بالحجر، ثم رأى كلاب الماء تبني لنفسها السدود والطيور تهيئ الأعشاش والعرائش، والشمبانزي تقيم بيوتاً شبيهة جداً بما يقيم الإنسان من أكواخ؛ فحسدها على ما لها من قوة في مخالبها وأسنانها وأنيابها وقرونها، وعلى صلابة جلودها، فأخذ من فورهُ يعد لنفسه آلات وأسلحة على غرار ما للحيوان منها، بل تفوقها، فالإنسان – كما قال فرانكلن – حيوان صانع للآلاتلكن هذه الميزة أيضاً- كسائر ما نُضفيه على الإنسان من ميزات نزهى بها ونفخر – إن هي إلا تفوق على الحيوان في الدرجة وحدها لا في النوع”.

    صنع الآلات..

    واستخدم الإنسان النبات لصنع الآلات: “وكان النبات الذي يحيط بالإنسان البدائي مصدراً لكثير من الآلات، فمن الخيزران صنع الإنسان السهام والمدى والإبر والقوارير؛ ومن فروع الشجر صنع الملاقط والمماسك؛ ومن لحاء الشجر وأليافه صنع الحبال والثياب في صنوف شتى؛ وفوق هذا كله صنع الإنسان لنفسه العصا؛ ألا ما أبسطها اختراعاً لكنها من كثرة النفع بحيث لبث الإنسان ينظر إليها رمزاً للقوة والسلطان، من العصا السحرية عند عرائس الجن وعكازة الراعي إلى عصا موسى أو هارون، والعصا العاجية التي كان يمسك بها القنصل أيام دولة الرومان، والقضيب الذي يلوح به المنبئون بالغيب ثم الصولجان يمسك به القاضي أو الملك؛ ولقد انقلبت العصا في الزراعة فأساً.

    أما في الحروب فقد أصبحت حربة أو سهماً أو رمحاً أو سيفا وكذلك استغل الإنسان المعادن وصاغ الصخر أسلحة وأدوات هي اليوم تحفة المعارض، فصنع منها المطرقة والسندان والوعاء يغلي فيه الماء، والسكين، ورأس الرمح، والمنشار، والصفائح، والخوابير، والروافع، والفئوس، والمثاقب؛ وكذلك من دنيا الحيوان صنع أدواته، فصنع المغارف، والملاعق، والأواني، والأطباق، والأقداح، والمراسي، والمشابك؛ صنع هذا كله من قواقع الشاطئ، كما صنع غير ذلك من الأدوات الغليظة والدقيقة من قرون الحيوان وأنيابه وأسنانه وعظامه وشعره وجلده؛ وكان لمعظم هذه الأدوات المصنوعة مقابض من خشب شُدت إليها بطرق تدل على مهارة صانعيها، فقد كانوا يربطون هاتيك المقابض بضفائر من الألياف أو الحبال أو عصب الحيوان، وأحياناً كانوا يلصقونها بغراء مصنوع من مزيج عجيب من الدماء.

    إن مهارة الإنسان البدائي توازي على الأرجح – بل ربما تفوق – مهارة الإنسان المتوسط في عصرنا الحديث، فلئن كنا نختلف عن هؤلاء الأولين، فما ذاك إلا بفضل ما تجمع لدينا من معارف وأدوات ومواد، ولا يُعزى الفرق بيننا وبينهم إلى تفوق فكري امتازت به طبائعنا من دونهم؛ الحق أن أبناء الطبيعة أولئك يغتبطون أيما غبطة كلما سيطروا على موقف اعترضهم”.

    النسيج والخزف..

    وعن النسيج كأول الفنون التي صنعها الإنسان يتخيل الكتاب: “وتبدّت مهارة الإنسان البدائي في فن النسيج على صورة جديرة منه بالفخر، وهاهنا أيضاً اهتدى الإنسان بالحيوان في طريق السير، فنسيج العنكبوت وعش الطائر، وتشابك الألياف والأوراق وتقاطعها في النسيج الطبيعي الذي تراه في الغابة، كل ذلك أقام للإنسان نموذجاً بارزاً يجتذبه، وإنه لنموذج بلغ من الوضوح حداً يجعلنا نرجح أن قد كان النسيج من أول الفنون التي اصطنعها الجنس البشري”.

    وعن صناعة الخزف: “وصناعة الخزف قريبة الشبه بصناعة السلال، بل ربما كانت مأخوذة عنها، فهم يصنعون العجينة على إطار من أغصان الصفصاف المجدولة حتى لا تحترق هذه الأغصان، وبذلك يتصلب الطين غلافاً لا يقبل الاشتعال، ويحتفظ بهيئته بعد أن يزال عنه إطار الصفصاف، ربما كانت هذه أول مرحلة من مراحل طريق أخذ يتطور حتى بلغ القمة في الصناعة الخزفية المثلى المعروفة باسم “البورسلان” أو ربما جففت أشعة الشمس قطعاً من الطين ألقيت فيها، فكان ذلك منبها للإنسان إلى فن الخزف؛ فما عليه بعد ذلك إلا أن يخطو خطوة واحدة، وهي أن يستبدل بالشمس ناراً، ثم يصنع لنفسه من تربة الأرض آنية مختلفة الصور يستخدمها في شتى جوانب العيش – يستخدمها للطهي، وللخزن”.

    وعن بناء البيوت: “ومن الطين الذي جففته الشمس صنعت القبائل البدائية الآجر وأقامت الدور، ثم سكنت فيما يصح أن نسميه بيوتا من خزف، لكن هذه البيوت الخزفية لم تكن أول صورة من صور البناء، التي أخذت تتطور في رقيها من الكوخ الطيني الذي سكنه “الهمجي” إلى أن بلغت أحجار البناء الراقية في مباني نينوى وبابل”.

    مدنية اقتصادية..

    وعن باقي الخطوات للوصول إلى مدنية اقتصادية يقول الكتاب: “لم يبق أمام الإنسان البدائي إلا ثلاث خطوات في طريق التطور لتتم له ضرورات المدنية الاقتصادية كلها: آلات النقل، وعمليات التجارة، ووسائل التبادل، إنك إذا أبصرت بالحمّال يحمل المتاع من طيارة حديثة لينزله على الأرض، فقد رأيت صورة النقل في أول مراحله وفي آخر مراحله معا؛ فلاشك أن قد كان الرجل في بداية الأمر يحمل أثقال نفسه بنفسه، اللهم إلا إذا تزوج (فتكون الزوجة حاملة أثقاله) بل إن الإنسان إلى يومنا هذا، في آسيا الجنوبية والشرقية، تراه في الأعم الأغلب عربة وحمارا وكل شيء؛ ثم أخترع الإنسان الحبال والروافع وبكرات الجر؛ سيطر على الحيوان واستخدمه ناقلا لأحماله؛ ثم صنع أول ما شهد التاريخُ من جرارات حين جعل ماشيته تجر على الأرض غصوناً طويلة وضع عليها متاعه .

    ثم وضع جذوعا من الشجر تحت الجرارة كأنها عجلات؛ ثم قطع الجذوع شرائح مستعرضة وابتكر بذلك أعظم اختراع آلي، وهو العجلة، لأنه وضع العجلات تحت الجرارة وصنع بذلك عربة؛ ومن جذوع الشجر كذلك صنع الأطواف بربط الجذوع بعضها ببعض، كما صنع الزوارق بحفر الجذوع وتفريغ أجوافها، ولما تم له ذلك أصبحت مجاري الماء أيسر طرق النقل؛ وأما على اليابس فقد شق لنفسه الطريق بادئ ذي بدء عبر المروج والتلال التي لم يكن فيها طريق؛ ثم عبَّد لنفسه سكةً ثم رصف آخر الأمر طريقاً، ودرس النجوم وأخذ بعدئذ يسير بقوافله عبر الجبال والصحراوات مهتدياً إلى طريقه بالنظر إلى السماء؛ وطفق الإنسان يسبح بزورقه دافعا إياه بالمجداف والشراع حتى عبر البحر في شجاعة من جزيرة إلى جزيرة، وأخيراً قطع  المحيطات لينشر ثقافته المتواضعة من قارة إلى قارة؛ ففي هذا الصدد أيضا حُلت المشكلات الرئيسية قبل أن يبدأ التاريخ المدون”.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا