قصة الحضارة (13): بلاد “ما بين النهرين” شهدت أول مناظر المسرحية التاريخية للمدنية الإنسانية

     

    خاص: قراءة- سماح عادل

    يتطرق الكتاب إلى المدنيات المفقودة، والتي كان يعتبرها البعض أساطير يحكي عنها من قبل الأولين، ويتوقع الكتاب أن تكون هناك حضارات كثيرة قد أبيدت، وسقطت من ذاكرة التاريخ الإنساني، مثلما تسقط من ذاكرة الإنسان نفسه معظم أحداث حياته التي عاشها، مبينا أنما فقد ربما أكثر بكثير مما بقى من حضارات التاريخ الإنساني. وحول بداية المدنية، والمكان الذي بدأت منه، ذلك السؤال المحير، يعمل الكتاب الخيال لأنه لا توجد حقائق مؤكدة، ويستنتج خلافا لما هو سائد أن المدنية ظهرت أولا في بلاد ما بين النهرين، والتي هي العراق حاليا.

    وذلك في الحلقة الثالثة عشرة من قراءة “قصة الحضارة” الكتاب الموسوعي الضخم وهو من تأليف المؤرخ الأمريكي “ويل ديورانت” وزوجته “أريل ديورانت”، ويتكون من أحد عشر جزء.

    المدنيات المفقودة..

    بولينزيا – أطلانطس

    تحت عنوان “المدنيات المفقودة” يحكي الكتاب عن تلك الحضارات التي قيل أنها مفقودة: “ليس في وسعنا أن نُصَمَّ آذاننا فلا نسمع هذه الأساطير التي لم تنقطع روايتها طوال عصور التاريخ، عن مدنيات كانت ذات يوم عظيمة عالية الثقافة، ثم حلت بها كارثة من كوارث الطبيعة أو الحرب فحطمتها تحطيماً لم يُبق منها ولم يَذَر، فإن حفائرنا الحديثة في مدنيَّات كريت وسومر ويقطان تدل كلها على مدى احتمال الصدق في هذه الأساطير.

    ففي المحيط الهادي آثار مدنيَّة واحدة على الأقل من هذه المدنيَّات الضائعة؛ فالتماثيل الضخمة في جزيرة “إبستر” وما يرويه الرواة في بولينزيا عن أمم قوية ومقاتلين أبطال كانوا ذات يوم يكتبون المجد لساموا وتاهيتي؛ ثم ما لسكانها من قدرة في الفن وحساسية في الشعر، كل ذلك يدل على مجد ذاهب، يدل على شعب لا يبدأ اليوم نهوضه ليأخذ في الحضارة، بل يتدهور من منزلة عالية كان ينزلها.

    وفي قاع المحيط الأطلسي، يمتد جزء مرتفع تحت الماء من أيسلندة شمالا إلى القطب الجنوبي، فينهض دليلا جديدا يؤيد هذه الأسطورة التي نقلها إلينا أفلاطون في صورة جذابة خلابة الأسطورة التي تروى عن حضارة ازدهرت يوما على قارة محاطة بالماء بين أوربا وآسيا، ثم ضاعت بين عشية وضحاها حين ارتجَّت الأرض ارتجاجا فابتلع اليمُّ تلك القارة في جوفه ابتلاعا.

    ويعتقد “شليمان” الذي بعث طروادة بعد موت، أن قارة أطلنطس كانت بمثابة حلقة اتصال بين ثقافتي أوربا ويقطان، وأن مصر كانت قد استمدت حضارتها من أطلنطس هذه ولعل أمريكا نفسها أن تكون هي أطلنطس وأنها كانت ذات حضارة قديمة متصلة بحضارات إفريقية وأوربا في العصر الحجري الحديث؛ ويجوز أن كل كشف جديد يقع عليه الإنسان اليوم، هو كشف للمرة الثانية، سبقه في العصر السالف كشف أول”.

    التاريخ حطام سفينة..

    ويبين الكتاب انه ربما انهارت حضارات كثيرة وما تبقى لنا هو الحطام: “لاشك أنه من الجائز- كما ظن أرسطو- أن يكون العالم قد شهد مدنيات كثيرة، وصلت إلى كثير من المخترعات وأسباب الترف ثم أصابها الدمار وزالت من ذاكرات البشر؛ ويقول “بيكُن” عن التاريخ إنه حطام سفينة، إذ ضاع من الماضي أكثر مما بقى؛ وإننا لنجد العزاء عن هذا الضائع في الرأي القائل بأنه كما أن ذاكرة الفرد لا بد أن تنسى الجزء الأعظم مما يصادفه في خبرته من حوادث، لكي يحتفظ الفرد بقوته العاقلة، فكذلك الجنس البشري كله لم يحتفظ في تراثه إلا بأنصع وأقوى ما مَر به من تجارب ثقافية- أم هل استمد هذا المحفوظ نصوعه في الذاكرة وقوته لأنه وحده ما أجاد الذاكرة الاحتفاظ به؟.

    ومهما يكن من أمر تراثنا الذي نعيه، فحتى لو لم يكن إلا عُشر ما مَر بالإنسان من تجارب، فليس في وسع إنسان أن يلم به كله؛ وسنجد قصة الإنسان رغم ذلك كله مليئة مترعة بما يكفي”.

    مهود المدنيّة..

    آسيا الوسطى – أناو – خطوط الانتشار

    وعن السؤال الهام والحيوي عن أين بدأت المدنية يحاول الكتاب تقديم الاستنتاجات والاحتمالات: “إنه من المناسب أن نختم هذا الفصل الذي ملأناه بأسئلة لا يمكن الجواب عنها، بهذا السؤال: “أين بدأت المدنية؟”- وهو كذلك سؤال يعزّ على الجواب؛ فلو أخذنا بما يقوله الجيولوجيون الذين يعنون في أبحاثهم عما قبل التاريخ بضباب، لو أخذنا بما يقولونه، لكانت المناطق القاحلة في آسيا الوسطى ذات ماضٍ فيه ماء وفيه اعتدال في حرارة الجو، وفيه ما يُزهره من بحيرات عظيمة وأنهار كثيرة، تراجعت عنها آخر الموجات الجليدية، فجفَّت شيئا فشيئا حتى لم يعد ما يسقط على ذلك الإقليم من مطر كافيا لقيام المدن والدول؛ فأخذت المدائن تقفر من أهلها واحدة في إثر واحدة، حين هرب الناس غربا وشرقا وشمالا وجنوبا سعيا وراء الماء؛ ولا تزال ترى أنقاض مدن مثل “باكترا” غائصة في الصحراء إلى نصفها- ولابد أن تكون “باكترا” هذه قد ازدحمت بسكانها في مساحتها التي تمتد قطر دائرتها اثنين وعشرين ميلا.

    ولقد حدث في عهد جدّ حديث- سنة 1868- أن اضطر عدد من أهل تركستان الغربية يقرب من ثمانين ألف نسمة، أن يهاجر لأن الرمال الزاحفة قد غمرت موضعه من الأرض وكثيرون يذهبون إلى أن هذه الأصقاع التي تسير اليوم في طريقها إلى الفناء، قد شهدت أول خطوات أساسية من خطوات التقدم، في هذا المزيج المؤلف من نظام وطعام وعرف وأخلاق وترف وثقافة، والذي منه تتكون المدنية.

    ولقد كشف “بَمبلِي” سنة 1907 قي “أناو” جنوبي التركستان، عن خزف وآثار أخرى تدل على ثقافة قديمة أرجعها إلى سنة 9000 ق.م، وربما أسرف في تقديره هذا فزاد أربعة آلاف؛ وهاهنا نجد زراعة القمح والشعير والذرة، واستخدم الناس واستئناس الحيوان، وزخرفة الفخار بزخارف بينها من التشابه في قواعد الرسم ما يدل على أنهم كانوا قد جمعوا تقاليد وبطانة في الفنون لعدة قرون سلفت والظاهر أن ثقافة تركستان سنة 5000 ق.م كانت قد قطعت من الزمن أشواطا؛ وربما كان بينهم إذ ذاك مؤرخون يضربون في أعماق ماضيهم عبثاً للبحث عن أصول المدنية، وفلاسفة أخذوا يندبون بعبارة فصيحة ما أصاب الجنس البشري إذ ذاك من تدهور كان يؤدي به إلى الموت”.

    الخيال بدلا من الحقائق..

    ويؤكد الكتاب على أن لا شيء مؤكد وقت صدور الكتاب عن  أول مكان ظهرت فيه المدنية وإنما يعتمد على الخيال أكثر من الحقائق: “ولو اهتدينا بالخيال حيث يعزُّ علينا العلم الصحيح، لقلنا إنه من هذا المركز هاجر الناس- يلوذون فراراً مما أصاب أرضهم من جفاف في المطر وجفاف في تربة الأرض- فساروا في اتجاهات ثلاثة، يحملون معهم ما لهم من فن ومدنية؛ فبلغت فنونهم- إن لم يبلغوا بفضيلتهم- أرض الصين ومنشوريا وأمريكا الشمالية من جهة الشرق؛ وبلغت شمال الهند في سيرها إلى الجنوب؛ ثم أدركت في طريقها نحو الغرب بلاد “عيلام” و “سومر” ومصر؛ بل إيطاليا وأسبانيا كذلك.

    فقد وجدت في “سوزا” وهي في “عيلام” القديمة (فارس الحديثة) آثار تشبه في نمطها آثار “أناو” شبهاً يكاد يبرر للخيال الذي يعيد قوته صورة الماضي، أن يفترض أنه قد كان بين “سوزا” و “أناو” صلات ثقافية في فجر المدنية (أي حول سنة 4000 ق.م) وكذلك يوجد شَبَه كهذا في الفنون والمنتجات القديمة يوحي بوجود علاقة كهذه بين بلاد ما بين النهرين ومصر فيما قبل التاريخ، وبوجود ارتباط يدل على اتصال مجرى المدنية.

    ويستحيل علينا أن نعلم علم اليقين أيّ هذه الثقافات جاء أولا، وليس ذلك بكبير الأهمية، لأنها جميعاً كانت في جوهرها أفراد أسرة واحدة ونمط واحد”.

    هل الأصل من العراق؟..

    ويواصل الكتاب في تحليلاته واستنتاجاته المعتمدة على الخيال: “فلو كان لنا أن نخالف الرأي الشائع الذي اكتسب احتراما لقِدَمه، بحيث نضع “عيلام” و”سومر” قبل مصر، فلسنا نصدر في ذلك عن عبث يريد مخالفة المعروف لذاتها، لكننا نعتمد على الحقيقة التي تدل على أن عمر هذه المدنيات الآسيوية، إذا قيس إلى مدنيات إفريقية وأوربا، يمتد طولا كلما ازداد علمنا بتلك المدنيات عمقا؛ فمجاريف علماء الآثار بعد أن قضت قرنا كاملا في بحثها المظفّر على ضفاف النيل، انتقلت في سيرها عبر السويس إلى جزيرة العرب وإلى فلسطين وبين النهرين وفارس، وهي كلما خطت في طريقها هذا، ازددنا ترجيحا مع تزايد المعرفة التي تعود علينا من أبحاثنا، أن الدلتا الخصيبة للأنهار التي تجري في أرض الجزيرة “ما بين النهرين” هي التي شهدت أول مناظر المسرحية التاريخية للمدنية الإنسانية، فيما نعلم”.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا