فلسطين من النكبة إلى المحنة !

الأحد 16 أيار/مايو 2021
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

خاص : بقلم – د. محمد دوير :

وفقًا للتاريخ الثقافي للقرن العشرين، تُعتبر “القضية الفلسطينية” إحدى مخرجات السياسة الدولية ما بعد الحرب العالمية الثانية، نعم تحمل مقدمات تاريخية قديمة منذ المؤتمر الصهيوني الأول، عام 1898، ولكنها خضعت للتنفيذ، في 1948، بعد إقرار قرار التقسيم مباشرة.. فأصبحت إحدى محن التاريخ البشري المعاصر الذي تناوبت عليه المتغيرات الدولية، بصورة تدفعك للدهشة، كيف استطاع شعب أن يصمد أمام متغيرات كبرى أدت إلى تفكيك دول قائمة وعتيدة، واستطاع هو أن يصمد بقضيته كموضوع راسخ في ذهنية التاريخ الحديث.

تزامنت “نكبة فلسطين”، أحداث كبرى عالمية أهمها نتائج الحرب العالمية الثانية وما أحدثته من رسم ملامح مشروع دولي جديد.. تزامنت مع بدايات ظهور قوى التحرر الوطني، مع صعود البترول العربي كقوة اقتصادية دولية، ومع دخول القنبلة النووية الخدمة العسكرية، ومع وجود قوى دعم كثيرة جدًا لنصرة “القضية الفلسطينية”، والتي تبلورت وعبرت عن نفسها بتأسيس “منظمة التحرير الفلسطينية”، عام 1964.. وبدون الدخول في تفاصيل لتقييم الإنطلاقة الأولى لـ”الثورة الفلسطينية” من حروب العصابات وحتى تأسيس المنظمة.. فالمؤكد أنها كانت مرحلة تُعبر عن ردة الفعل تجاه النكبة.. وانتهت عمليًا على مرحلتين، كانت الأولى مع هزيمة 67 والثانية مع أزمة العراق والكويت 1990.

شهدت الانتفاضة الأولى، 1987، يقظة الشعب الفلسطيني، وقدرته على مواصلة الصمود والمواجهة، وشهدت أيضًا تلك الفترة بداية دخول التنظيمات الإسلامية في “الجهاد” من أجل “نصرة القدس” و”فلسطين”.. مع تكوين “منظمة حماس”.. وتوسعت التنظيمات الإسلامية عددًا قوة، وصار لها الغلبة في إدارة أي صراع على الأراضي الفلسطينية. فيما بدأت “منظمة التحرير” في خيار آخر تمحور حول “أوسلو”.. واتجه “الكيان الصهيو ني” إلى “تهويد الدولة”، فدفع باتجاه دعم المقاومة الدينية بالضرورة.. واتخذ الصراع صبغة دينية إلى حد ما..

ولكن المخاطر التي واجهتها “الثورة الفلسطينية” لم تكن نتيجة المواقف الدولية فقط، ولا جراء الانقسام الفلسطيني بين التنظيمات فحسب، ولا حتى نتيجة التخلي العربي والتطبيع فقط.. بل ثمة قضية أخرى تهدد مستقبل النضال الفلسطيني بقوة.. وتلك في الحقيقة هي محنة “الثورة الفلسطينية”.. وأعني تحديدًا أفكار ما بعد الحداثة، التي تهيمن على الثقافة العالمية الآن، تلك الأفكار التي تقفز فوق الصراعات التقليدية، والتي لا ترى البشر في صورة جماعات (وطنية – إثنية – عرقية – تاريخية… إلخ)، بل وتنظر إلى فكرة أن الشعوب مصفوفات تاريخة؛ نظرة ريبة وشك ورفض وإنكار.. والاقتصاد العالمي يُدرك تلك الحقيقة ما بعد الحداثية ويقوم بتنفيذها بنفسه عمليًا، وهناك أبحاث ودراسات تتوسع كل يوم في الأكاديميات والمؤلفات الثقافية تدفع باتجاه تفكيك الكتل التاريخية وأفكارها المؤسسة، من بينها فكرة الإيديولوجيا نفسها، ونظرية الحق التاريخي، وتصورات الشعوب عن نفسها باعتبارها متولدة عن أساطير وأوهام…

.. هذا التصور الثقافي يدفع بعض المثقفين والسياسيين من أنصار “الليبرالية الجديدة” إلى تشويه النضال الوطني بصفة عامة، والفلسطيني على وجه الخصوص، فلا توجد “أرض مقدسة” – حتى لو كان تقديسًا شعبيًا لا دينيًا – ولا توجد حواجز اقتصادية، فالاقتصاد علم تلبية الحاجات الفردية.. ولذلك تسير عمليات التبادل التجاري والاقتصادي بين رجال أعمال عرب و”الكيان الصهيوني” بإطراد وتقدم مستمر دون توقف، وينتقل خط الغاز بين “الكيان” و”مصر” بهدوء وبساطة دون توقف…

إن محنة “القضية الفلسطينية” الآن أنها تسير في بحر شاسع كل ما فيه من مياه يدعو إلى التفكيك، تفكيك كافة المقولات التقليدية: كـ”النضال والتحرر والاستقلال والوحدة الوطنية”.. فجميعها أفكار صارت من مخلفات القرن العشرين، كما تقول ما بعد الحداثة.. وأصبح الإيمان الوحيد المسموح به هو بـ”الإنسان الفرد” فقط.. إن نموذج “الاتحاد الأوروبي” – على ما به من مميزات كبرى – يكشف بوضوح إلى أي مدى تغير مفهوم الحدود، ومفهوم “الإنسان” نفسه، وتحولت بموجبه فكرة المعتقد والعقيدة الوطنية إلى مجرد شارة تمييز شكلية، ليس أكثر..

وأشد ما أخشاه.. أن تنتهي “النكبة الفلسطينية” بمحنة كبرى.. يقودها الاقتصاد الحر، وتبررها ثقافة ما بعد الحداثة، وينفذها الفكر السياسي المعاصر بمقولاته الداعمة لحقوق الأفراد وليس لحقوق الشعوب.. هنا.. وهنا فقط.. لن تجد “فلسطين” أمامها من مدافع؛ سوى هؤلاء المؤمنين بشيء، وأخشى ألا يصبح هذا الشيء الوحيد سوى “الإيديولوجيا الإسلامية”، التي لن يكن همها الأخير سوى الدفاع عن المقدسات فقط، لأنها لا تؤمن بالمعنى الكلاسيكي لفكرة “الوطن”.



الانتقال السريع

النشرة البريدية