فرنسا والقرن الإفريقي: إعادة التموضع والتحالفات ورهانات المستقبل

السبت 02 تشرين ثاني/نوفمبر 2019
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

إعداد/ الشافعي أبتدون

زيارة الرئيس ماكرون للقرن الإفريقي تُشكل فرصاً محفوفة بالمخاطر، فلو تعاطت فرنسا مع هذه المنطقة بطريقتها التقليدية في التعاطي مع إفريقيا حيث التدخل والهيمنة فلن تنجح الزيارة، أمّا إذا انخرطت في سياسة جديدة تقوم على التعاون في المجالات التنموية فستكون الفرص مفتوحة أمام باريس.

المقدمة

منذ قرابة عقد من الزمن، غابت دول شرق إفريقيا عن أجندات واهتمامات السياسية الخارجية الفرنسية، وأصبحت الصين وغيرها من القوى العظمى تستأثر بفرص الاستثمار ومجالات النفوذ في القرن الإفريقي، وتضاعف حجم استثمارات الصين عموماً في إفريقيا، في ظلّ تراجع باريس سياسياً واقتصادياً في بعض مناطق القارة السمراء، لاسيما في جزئها الشرقي، وهو ما دفع بفرنسا حالياً للعودة إلى القرن الإفريقي، وتبني سياسة رد الاعتبار لهذه المنطقة، لخلق توازن دولي جديد فيها، وتثبيت أركانها في المنطقة التي كان بعضها يخضع لحكم باريس منذ عقود وخصوصا جيبوتي، التي تحوّلت بعد الاستقلال إلى محمية عسكرية عالمية.

مثّلت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دول القرن الإفريقي (جيبوتي وإثيوبيا وكينيا) منعطفاً جديداً، وأبرزت توجها مغايراً للسياسة الخارجية الفرنسية التي تخلت – طوعاً أو قسراًـ عن القرن الإفريقي، حيث كانت محطة ساركوزي في جيبوتي في يناير/ كانون الثاني عام 2010 آخر زيارة لمسؤول فرنسي رفيع المستوى إلى تلك المنطقة، وهو ما عكس تذبذباً فرنسياً في المنطقة، أمام تدخل صيني وياباني وتركي في منطقة كانت لـ”باريس” اليد الطولي فيها سياسياً وعسكرياً واقتصادياً منذ مطلع القرن الماضي.

في هذا التقرير نبحث عن أهداف زيارة ماكرون للمنطقة ودلالاتها، في ظلّ تدفق الاستثمارات الصينية في إفريقيا، هذا إلى جانب المتغيرات الجيوسياسية التي تشهدها دول القرن الإفريقي، وهو ما يمثل بالنسبة لها عامل جذب للأسواق والاستثمارات العالمية، وكذلك الاستشراف عن مستقبل العلاقات بين فرنسا والقرن الإفريقي.

خلفية عن العلاقات بين فرنسا والقرن الإفريقي

تعود العلاقات الفرنسية مع دول القرن الإفريقي إلى ما قبل هذه الألفية، فبحكم احتلالها لجيبوتي منذ عقود، كانت فرنسا من بين الفاعلين النافذين في الشرق الإفريقي إلى جانب كل من انجلترا والولايات المتحدة، كما أن علاقاتها الوثيقة مع أديس أبابا، والتي تمتدّ إلى بداية القرن العشرين؛ حيث منح الإمبراطور منليك الثاني عام 1907 لباريس أكبر سفارة لها في العالم والتي تبلغ مساحتها نحو 106 فدادين. وفي 1917 بنت فرنسا خط السكك الحديدية بين جيبوتي وأديس أبابا(1)، الأمر الذي مكّنها من توسيع دائرة نفوذها وشبكة علاقاتها في المنطقة على غرار دول شمال إفريقيا ومنطقة غرب ووسط إفريقيا، وشهدت العلاقات بين فرنسا وهذه الدول تطوراً ملحوظاً منذ منتصف التسعينيات في القرن الماضي، ففي السودان ساندت باريس سياسات نظام البشير لأسباب عدة، أهمها الرغبة في إيجاد مرتكز لها في منطقة البحيرات العظمى، بعد أن تراجع نفوذها فيها، كما استطاعت باريس أن تقيم علاقات طيبة مع النظام الإريتري ورئيسه أسياسي أفورقي، حيث دعمته باستثمارات ومساعدات فنية ومالية. أمّا بالنّسبة لكينيا فتعدّ زيارة ماكرون، أول زيارة لرئيس فرنسي إلى هذا البلد الذي يحظى بثقل سياسي واستراتيجي في المنطقة، وهو ما سيفتح صفحة علاقات جديدة بين نيروبي وباريس(2).

أمّا الصومال وفرنسا، فالعلاقات بين البلدين كانت محدودة، ولم تشهد تطوراً ملحوظاً، وظلّت كما كانت في حقبة الاحتلال البريطاني والإيطالي للصومال، وكانت السياسات الفرنسية تجاه هذا القطر العربي رديفة سياسات الأمم المتحدة وأمريكا والدول الأوروبية منذ عقدين ونيف، ولم تتبنَ سياسة أحادية الجانب للتعاطي مع مفردات الأزمة الصومالية، وكانت تشارك فقط كجزء من دول الاتحاد الأوروبي التي تساهم في البعثة العسكرية الإفريقية في الصومال، حيث خصصت فرنسا ما نسبته 20% للمشاريع الإنمائية في الصومال في الفترة ما بين 2008 إلى 2013، والتي موّلها الاتحاد الأوروبي بتكلفة 412 مليون يورو في أربعة مجالات رئيسة وهي: الحوكمة، والتعليم، والقطاع الاجتماعي، والتنمية الاقتصادية(3). أمّا بالنّسبة للمنظّمات الإقليمية في شرق إفريقيا، فيُشار إلى أنّ باريس أصبحت عضواً في نادي أصدقاء دول “إيغاد”.

وممّا لا شكّ فيه أنّ زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون للقرن الإفريقي ستغير مجريات واهتمامات السياسة الفرنسية تجاه المنطقة، التي خرجت للتو من خندقة الأزمات السياسية والمواجهات العسكرية، فالانفتاح الذي قاده عراب الإصلاح في إثيوبيا أبي أحمد في المنطقة، سيغير نظرة دول كبرى كثيرة تجاه المنطقة، فاقتصادات المنطقة ستشهد قفزات جديدة، ومع كل هذه التوقعات الإيجابية بالنّسبة للمنطقة، إلا أنّ تحدي المواءمة والتوفيق بين تلك المصالح المتناقضة ومواجهة تحدي الفساد المستشري في هرم دول القرن الإفريقي، تحديات ربما من الصعب تجاوزها في ظلّ غياب الشفافية وقوانين تحدّ من الفساد، وهو ما سيبقي المنطقة كأفقر بقعة يموت شعبها جوعاً وعطشاً على الكرة الأرضية.

ماكرون في شرق إفريقيا.. الدلالات والأهداف

حملت زيارة ماكرون إلى القرن الإفريقي أبعاداً جيوستراتيجية وسياسية واقتصادية، وجاءت استجابة لرغبة فرنسية جامحة في إعادة التموضع على هذه المنطقة ذات الموقع الاستراتيجي الحيوي والتي تشهد تنافساً دولياً متزايداً منذ عقد من الزمن، وخاصة بعد دخول بيكين المنطقة لتعبيد طريق الحرير التجاري ولحماية مصالحها الاقتصادية والأمنية من خلال إقامة قاعدة عسكرية في جيبوتي ستحتضن نحو 10 آلاف جندي صيني.

وعلى الرغم من أن أهداف زيارة الرئيس الفرنسي إلى هذه المنطقة متشابكة وتتداخل فيما بينها، لكن على سبيل الحصر لا الذكر، سنتناول بعض الأهداف الطاغية في محطة ماكرون إلى كل من جيبوتي وإثيوبيا وكينيا.

استراتيجية وأمنية
على الرغم من أنّ سياسة فرنسا الخارجية ارتكزت في الماضي ـ ولاتزال ـ على الإرث التاريخي والثقافي الناتج عن الفترة الاستعمارية لغالب الدول الإفريقية وكذلك بسبب الرهانات الاقتصادية التي تمثلها إفريقيا(4)؛ إلّا أنّه في الوضع الراهن تبدو فرنسا وكأنّها في خضم تدافع دولي للانخراط أكثر نحو بسط نفوذها على القرن الإفريقي، ومواجهة التحديات الجيبولوتيكية والانضمام إلى سباق النفوذ ومواجهة الصين، التي تتمتع بنصيب الأسد في استغلال استثمارات إفريقيا.

ولأهميتها التاريخية والاستراتيجية بالنسبة لفرنسا، بدأ ماكرون زيارته إلى شرق إفريقيا من جيبوتي، ما يعكس مكانة جيبوتي في السياسة الفرنسية الخارجية، الأمر الذي بينه الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيلة، حيث قال في تصريح مشترك مع ماكرون إنّ “بدء الرئيس ماكرون جولته في المنطقة بجيبوتي يعكس العلاقات الثنائية المتينة بين جيبوتي وفرنسا والتزام قادة البلدين بالحفاظ على هذه العلاقات. وأضاف قائلا: “تحتفظ جمهورية جيبوتي والجمهورية الفرنسية بعلاقات تاريخية ومميزة تستند إلى شراكة استراتيجية فريدة ظلّت مدفوعة بوجود أكبر قاعدة عسكرية فرنسية خارج فرنسا، بالإضافة إلى معاهدة تعاون دفاعي بين بلدينا”(5).

وكغيرها من دول الاتحاد الأوروبي، تهتم فرنسا بشكل أكبر في القضاء على ظاهرة التشدد الإسلامي في القرن الإفريقي. وفي سبيل تحقيق ذلك، أنفقت فرنسا 0.2 مليون يورو عام 2016، لتصبح فرنسا بذلك في المرتبة الثالثة والعشرين في قائمة مانحي المساعدات الثنائية للصومال(6)، كما أنّ أمن الصومال كان حاضراً في مباحثات أبي أحمد مع الرئيس الفرنسي ماكرون، في باريس نهاية عام 2018، حيث نصّ البيان المشترك بين الطرفين على “أنّ كلا الطرفين أكّدا أهمية الاستقرار والمسائل الأمنية في منطقة القرن الإفريقي، وستواصل كل من إثيوبيا وفرنسا جهودهما من أجل تعزيز السلام والازدهار في المنطقة، ولاسيما من خلال مساهماتهما في نجاح بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال (أميسوم)، وتعزيز قدرات القوات الصومالية(7).

وإلى جانب ذلك، وقّع الجانبان اتفاقية عسكرية تشمل مساعدة إثيوبيا في بناء سلاح للبحرية، وهو الجهاز الذي شُطب من المؤسسة العسكرية الإثيوبية منذ استقلال إريتريا عام 1994، لتصبح أديس أبابا الدولة الحبيسة في القرن الإفريقي، أمّا اليوم، فنتيجة التفاهمات التي أفضت إلى مصالحةٍ وانفتاحٍ بين أسمرة وأديس أبابا، تسعى إثيوبيا إلى إعادة تشغيل جهازها العسكري البحري، أملاً في الاستفادة من موانئ دول الجوار، مثل: الصومال وإريتريا، بينما تسعى باريس لتعزيز العلاقات الاقتصادية مع ثاني أكبر دول إفريقيا سكاناً لتزويدها بقطعها العسكرية، والاستثمار في هذا المجال، لتسدّ الطريق أمام الدول الكبرى التي تطمح إلى دخول هذا السوق الإثيوبي(8).

من الواضح أنّ توقيع فرنسا معاهدات دفاعية مع كل من جيبوتي وإثيوبيا يعكس رغبتها في التغلغل أكثر في القرن الإفريقي، نظراً لعلاقاتها التاريخية مع كل الدول في شرق إفريقيا، فقد شدد إيمانويل ماكرون على أنّه ليس لفرنسا “ماضٍ استعماري” فيها، وبالتالي يمكن النظر إليها على أنّها “شريك أفضل مما هو وضعها في مناطق إفريقية أخرى”(9).

اقتصادية وثقافية
كذلك حملت زيارة ماكرون إلى المنطقة أبعاداً اقتصادية وثقافية، إذ تدفعها سياسات جديدة مبنية على المصالح الاقتصادية، فإقامة علاقات مع أطراف متعددة والبحث عن تكتلات اقتصادية مهمة رئيسية للقيادة السياسية في أية دولة، كما أنّ السياسة الخارجية كلها تشكل بوابة للبحث عن الفرص الاستثمارية، وتحسين شروط العيش داخل البلد، وحمايته بشراكات وتحالفات دفاعية(10). انطلاقاً من هذه القاعدة تبحث فرنسا عن توطيد علاقاتها الاقتصادية مع دول القرن الإفريقي، لكن ما يمثل عبئاً على تحقيق هذه السياسة أنّ فرنسا لا تخصص ميزانية ضخمة لدعم اقتصادات دول شرق إفريقيا، أي أنّ ميزانيتها المخصصة للخارج لدعم إفريقيا أقل من 1% من عملتها الصعبة، وذلك أمام السيولة المالية الهائلة والدعم المنقطع النظير الذي تجده إفريقيا من قوى عالمية صاعدة مثل: الصين وتركيا.

ومع هذا النضوب المالي الفرنسي لفتح شراكات اقتصادية مع إفريقيا، يتفق ماكرون مع رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد على توقيع اتفاقيات في مجالات اقتصادية عدة كان من أبرزها:

– دعم برنامج الاستثمار في الخطوط الجوية الإثيوبية.

– دعم تعزيز استراتيجيات التنمية الحضرية المستدامة لمدينتي أديس أبابا ودرى داوا، في إطار استراتيجيات التعاون اللامركزية لكل منهما.

كما يسعى الطرفان إلى تطوير تعاونهم الثنائي في الأمور الاقتصادية والمالية، وتشجيع الحوار بين مجتمعات أعمالهم، من خلال تطوير منتدى الأعمال الفرنسي الإثيوبي، إلى جانب تشجيع الاستثمارات من خلال توفير بيئة أعمال مواتية، مما يتيح للشركات الإثيوبية والفرنسية، المستعدة للاستثمار في فرنسا وإثيوبيا، فرصة تلقي المشورة والخدمات الكافية(11).

أمّا كينياً، فقد كانت زيارة الرئيس الفرنسي إليها ذات طابع اقتصادي بحت، وأصبحت نيروبي في صدارة اهتمام الخارجية الفرنسية المتغيرة حالياً، والدليل على ذلك أنّ أياً من الرؤساء الفرنسيين لم يطأ أرض كينيا التي نالت استقلالها عام 1963، كما أنّ آخر زيارة رئاسية لإثيوبيا تعود للعام 1966 أيام الجنرال شارل ديغول (1959 –1969)(12). وقد بحث ماكرون مع نظيره الكيني أهورو كنياتا سبل تعزيز تعاون اقتصادي بين البلدين، وتمثّل ذلك بتوقيع عقود ثنائية تصل قيمتها إلى ثلاثة مليارات يورو. وهذا الأمر يعكس آفاق التعاون الواعدة والمستقبل الاقتصادي المشرق بين الجانبين. وتشمل العقود قطاعات الطاقة، والبنى التحتية، والتعليم، والتنمية المستدامة.

وعلى سبيل الإيجاز، يمكن حصر أهم المشاريع التجارية التي تنفذها الشركات الفرنسية في كينيا في النقاط الآتية:

1. شركة فينسي التي ستبدأ بتشييد سد ريرو2، شمالي كينيا، وكانت الشركة قد فازت به في مناقصة أجريت في العام 2017.

2. وقعت مجموعة ترانسديف الفرنسية بروتوكولات اتفاق من أجل تجديد وتمديد خط سكة الحديد ما بين محطة نيروبي والمطار الدولي بكينيا، مطار جومو كينياتا.

3. شركة ماتيير حصلت على عقد من أجل بناء 210 جسور في الطرق القروية الكينية.

4. فازت شركة فولتاليا الفرنسية بعقد تشييد محطتين للطاقة الشمسية بقيمة 70 مليون يورو. كما سيتم إنشاء خط إمداد كهربائي عالٍ، بقيمة 101 مليون يورو، من قبل شركة جي غريد سوليسيون، أي “GE Grid Solutions” بالفرنسية(13).

وفي سبيل تعزيز مكانتها التجارية والسياسية في القرن الإفريقي، تبذل فرنسا جهوداً مضنية من أجل تفويت الفرصة على الدول الغربية الأخرى الطامحة إلى الحصول على امتيازات في دول القرن الإفريقي، وكذلك البحث عن موطئ قدم لها في هذه المنطقة التي ستشهد مزيداً من الصراع الدولي عليها، وهو ما يمثل خارطة مواجهات جديدة بين الصين وأضدادها في المشرق الإفريقي.

وللحفاظ على التراث الكنسي في شرق إفريقيا وخاصة في إثيوبيا، تخصص باريس مبلغ مائة مليون دولار، حيث استهل ماكرون جولته أولاً من منطقة “لاليبيلا” التاريخية المعروفة باحتضانها كنائس المسيحيين الأوائل في إثيوبيا الموجودة على لائحة اليونيسكو للتراث الإنساني والمعرضة للضياع بسبب العوامل الطبيعية. وطلبت أديس أبابا مساعدة فرنسا لترميمها وصيانتها وهو ما كان موضوع اتفاق فرنسي/إثيوبي(14).

مواجهة النفوذ الصيني
لم يخفِ الرئيس الفرنسي ماكرون امتعاضه من التمدد الصيني في القرن الإفريقي، محذراً في الوقت ذاته من خطورة استثمارات بيكين في الشرق الإفريقي، مستخدماً لغة التخويف والترهيب، وإمكانية أن يتحول هذا الاستثمار الصيني إلى أداة لابتلاعها بعد أن تغرقهم في أوحال الديون الخارجية الصينية. وأكّد ماكرون أنّ الصين قوة عالمية، وسّعت من تواجدها في العديد من البلدان، وخاصة إفريقيا، في السنوات الأخيرة”. “لكن ما يمكن أن يبدو جيدًا على المدى القصير […] قد ينتهي به المطاف إلى أن يكون أمراً سيئًا بالنسبة لدول كثيرة في إفريقيا”(15).

يبدو أنّ هذا التخويف المُبَطّن يحمل في طياته دلالات كثيرة، وأهمّها أنّ بيكين باتت تُقلق أكثر الدول الغربية وأمريكا، وأنّ استثماراتها الضخمة في إفريقيا تزدهر يوماً بعد الآخر، أمام عجز الاتحاد الأوروبي في مواجهة الصين، من خلال استراتيجيات أوروبية جديدة لوقف النفوذ الصيني الاقتصادي في القارة الإفريقية، لاسيما المناطق التي تتمتع باهتمام دولي بحكم موقعها الجغرافي.

وبينما يضع الاتحاد الأوروبي جُلّ اهتماماته في الشؤون السياسية والتدخل في القضايا الداخلية بشأن القارة السمراء، يتضاعف حجم التبادل التجاري بين الصين وإفريقيا في السنوات الأخيرة، حسب إحصائيات البنك الدولي في العام 2014، إلى حوالي 222 مليار دولار، ومن المتوقع أن يقفز هذا الرقم إلى 400 مليار دولار بحلول عام 2020(16)، حيث تنأى الصين بنفسها عن التدخل في الشؤون الداخلية والسياسية لدول القارة، مركّزة اهتماماتها على استثماراتها وتوسيع نفوذها اقتصادياً في إفريقيا.

ولعلّ أهم ما يميز الاستثمارات الصينية عن الفرنسية في إفريقيا، أنّ استراتيجية الصين ترتكز على خطين متوازيين لبسط نفوذها عمودياً وأفقيا، وهما “سلسلة اللؤلؤ ” لإنشاء خط من الموانئ البحرية بطول المحيط الهندي لتأمين الممرات البحرية التي عادة ما تمرّ بها السفن التجارية للصين، إلى جانب مبادرة “حزام واحد، طريق واحد” لإنشاء شبكة طرق برية وبحرية تجارية تربط الصين مع الشرق الأوسط وأوروبا. بينما تعمل فرنسا على استرجاع ممتلكاتها الاستعمارية القديمة، والشراكة الاقتصادية، لتوسيع دائرة الفرنكفونية في إفريقيا، هذا بالإضافة إلى تقليص نفوذها العسكري على حساب الشراكة الاقتصادية لتقليل تدخلاتها العسكرية في إفريقيا، وهو الأمر الذي نال من أرصدتها ونفوذها السياسي والاستثماري في إفريقيا(17).

وتحاول باريس إلصاق التهم بالصين ضمنياً بسياسة “استرهان” شركائها من خلال الديون المقدمة والاستثمارات الكبيرة التي لا يستطيع الأفارقة تحمل أعبائها، ومثال ذلك خط السكة الحديد الذي أقامته الصين بين جيبوتي وأديس أبابا في العام 2016، واستثماراتها الكبرى في البنى التحتية في إفريقيا، لكن في المقابل، تعلن الصين مراراً أنّ علاقاتها الاقتصادية والاستثمارية في إفريقيا غير مشروطة، وفي منتدى التعاون الصيني الإفريقي الذي يضم 46 دولة إفريقية من أصل 53 دولة هي كل دول القارة، والذي أعلن فيه – من بيكين في العام 2000- بأنّه قد تم إسقاط ديون تبلغ نحو 1.2 مليار دولار من ديون دول القارة دون شروط مسبقة(18).

من الواضح أنّ الصراع الدولي في القرن الإفريقي يتزايد ويشهد تدافعاً جديداً بين القوى الكبرى ذات المصالح السياسية والعسكرية والاقتصادية في الشرق الأوسط وإفريقيا، وهو ما سيقود المنطقة نحو استقطابات سياسية واقتصادية جديدة، فالصين قوة اقتصادية وعسكرية صاعدة، وتتجنب دوماً التدخل في الشؤون الداخلية الإفريقية، بينما تزاوج اهتمامات الدول الغربية بين استثماراتها الاقتصادية والسياسية وبين التدخلات العسكرية والنفوذ الاستراتيجي، وتميل تلك الدول ومن بينها فرنسا طبعا إلى سياسة “العصا والجزرة” لإخضاع الفيل الإفريقي للنفوذ الغربي والأمريكي مجدداً.

القرن الإفريقي: مسألة التوازن لنفوذ العمالقة

تقفز إلى الأذهان مع كل اهتمام أوروبي جديد بالقرن الإفريقي، أسئلة كثيرة حول إمكانات التوازن لدى دول المنطقة ونهجها السياسي في التوفيق بين مصالح القوى العظمى واحتياجات أسواقها وشعوبها لنهضة اقتصادية، وتُمكّن تلك الدول من مواكبة التطور الاقتصادي والطفرة التكنولوجية، لكن هناك مخاطر على القرن الإفريقي نتيجة هذه القواعد العسكرية المتزايدة، فتناقض المصالح بين القوى العظمى ربما سيؤثر سلباً على علاقات تلك الدول مع القوى الكبرى في خضم صراع التجاذبات والاستقطابات، فسباق النفوذ على المواقع الاستراتيجية في القرن الإفريقي يزداد مع انتشار المخاطر الأمنية التي تتفجر في كل من الصومال واليمن، ثمّ إنّ السعودية والإمارات دخلتا المنطقة، واتخذتا من إريتريا منطلقاً، وأقامتا قواعد عسكرية، بينما تنفرد الإمارات بالقاعدة العسكرية في بربرة بـ”أرض الصومال”، وبرزت أهمية هذه القواعد العسكرية في المنطقة بعد اندلاع حرب اليمن ضد الحوثيين صيف عام 2015.

أمّا القوى العظمى المتمركزة في القرن الإفريقي وهي: أمريكا، وفرنسا، والصين، واليابان، وتركيا، فهي تهدف إلى حماية مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية بالدرجة الأولى، فظاهرة القرصنة التي تهدد الملاحة العالمية التي تعبر باب المندب لا تزال متفشية في المياه الإقليمية في المحيط الهندي، وهو ما يبقي الأسطول العسكري الغربي باقياً قبالة السواحل الصومالية.

لكن ثمّة أجراس إنذار تقرع بين الفينة والأخرى، لدول القرن الإفريقي، في الوقوع في شراك حرب الديناصورات، نتيجة التجاذبات الدولية والإقليمية، وهو ما سيهدد مستقبل بعض تلك الدول، خاصة تلك التي لا تستطيع إدارة ملف شؤونها الخارجية. فالصومال مثلاً يدفع ثمن أخطائه السياسية وخاصة بعد طرده مبعوث الأمم المتحدة، الأمر الذي أكسبه غضباً دولياً، وكذلك نتيجة اصطفافه مع الدوحة عام 2017، ما دفع الإمارات والسعودية إلى وقف مساعداتهما للصومال سياسياً وإنسانياً، فالتحديات القادمة التي تواجهها تلك الدول هي دخول رهانات حرب خاسرة، فعلى تلك الدول إمّا أن تختار أصدقاء كثر، وتعيش في صراع سياسي مستمر لرأب الصدع مع هذا أو ذاك، أو أن تنحاز إلى أصدقاء جديرين بالثقة، تطبيقاً للمثل العربي “الصديق وقت الضيق”.

فرنسا والقرن الإفريقي: آفاق التعاون والمستقبل

هل حققت زيارة ماكرون أهدافها نحو إعادة تموضع باريس بين الكبار من جديد في القرن الإفريقي؟ يمكن القول إنّ الإجابة على هذا السؤال سواء بالنفي أو بالإيجاب هي التي ستحدد مصير ومستقبل العلاقات الفرنسية مع دول القرن الإفريقي، فإذا أسرعت فرنسا في الاستجابة للمطالب الإفريقية لاستثمارات واعدة وتعاون أكبر مع شركائها الإفريقيين، فإنّ من المحتمل أن تسترجع مكانتها بين القوى الكبرى في إفريقيا، لكن إذا تباطأ معدل استثماراتها وتراجعت سياساتها في الشرق الإفريقي، فإنّ الساحة ستكون خالية للآخرين، غربياً وصينياً، وهذا ما سيضعف صورتها الخارجية، ويتيح للقوى الصاعدة في المنطقة وخاصة تركيا ودول الخليج التغلغل أكثر، وهو ما سيزيد مشهد التحالفات والاستقطابات في المنطقة تعقيداً، وخاصة من بين محاور عدة، وجبهات دولية وإقليمية وعربية أكثر.

ومما لا يختلف عليه اثنان أنّ التوجه الفرنسي نحو القرن الإفريقي منبعه سياسات فرنسية طارئة مع نشوء تقلبات وتحالفات تشهدها منطقة كانت تعدّ الحصن الإفريقي الفرنسي، فقد كانت هذه الزيارة بمثابة تدارك خطأ سياسي واستراتيجي بالنسبة لسياسة حكومة ماكرون، لكن من الراجح حتماً أن عودتها إلى هذه الواجهة لن يمرّ من دون دفع ثمن غيابها، فضلا عن التحديات السياسية والاقتصادية التي تشهدها تلك الدول، وهي تحديات كفيلة أن تنخرط باريس في مواجهات شبه صفرية مع اقتصادات دولية صاعدة مثل الصين.

الخلاصة

في نهاية المطاف فإنّ موقع القرن الإفريقي المتميز جغرافياً واستراتيجياً، هو الذي سيدفع دولاً كثيرة في البحث عن موطئ قدم لها في تلك البقعة من إفريقيا، فزيارة ماكرون إلى تلك الدول ستثبّت أركان باريس في هذه المنطقة، إذا توافرت شروط نهج فرنسي جديد مع إفريقيا، وواجهت الصعوبات والتحديات بسياسة اقتصادية ناجعة، هذا إلى جانب أن تتبنى باريس سياسة مغايرة في تعاطيها مع المسائل الإفريقية، وهي عدم التدخل في الشؤون الداخلية والسياسية لتلك الدول، لكن إذا انخرطت في مشاكل القارة السمراء واختارت الاصطفافات، فإنّ استراتيجياتها واستثماراتها ستبوء بالفشل في إفريقيا شرقاً وغرباً.

___________________________________________________

* الشافعي أبتدون: كاتب وباحث مهتم بشؤون القرن الإفريقي

مراجع
1 – إثيوبيا وفرنسا توقعان اتفاقا عسكريا وتفتحان “صفحة جديدة” في العلاقات، رويترز، 13 مارس/آذار 2019، (تاريخ الدخول: 15 مارس/آذار 2019) https://ara.reuters.com/article/worldNews/idARAKBN1QU0A6

2 – مجموعة مؤلفين، العرب والقرن الإفريقي: جدلية الجوار والانتماء، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، أكتوبر/ تشرين الأول 2013، ص: 585.

3 – فرنسا والصومال، موقع الدبلوماسية الفرنسية، (د. ت)، (تاريخ الدخول: 16 مارس/آذار 2019): https://goo.gl/nsW6sV

4 – بلفلاح، يونس، المقاربة الأمنية الفرنسية بالساحل الإفريقي في عهد ماكرون، مركز الجزيرة للدراسات، تاريخ النشر، 19 يونيو/ حزيران 2019، (تاريخ الدخول: 16 مارس 2019) http://studies.aljazeera.net/ar/reports/2017/06/170618105015693.html

5 – الرئيس الفرنسي يغادر البلاد بعد زيارة رسمية استغرقت 24 ساعة، جريدة القرن الجيبوتية، تاريخ النشر، 14 مارس/آذار 2019، (تاريخ الدخول: 16 مارس/آذار 2019) http://www.alqarn.dj/act_suite.php?ID=8427

6 – موقع الدبلوماسية الفرنسية، مرجع سابق.

7 – النص الكامل للإعلان المشترك بين رئيس الوزراء أبي أحمد والرئيس ماكرون، وكالة الأنباء الإثيوبية، تاريخ النشر، 10 نوفمبر/ تشرين الثاني 2018، (تاريخ الدخول: 17 ارس/آذار 2019):

https://www.ena.et/ar/index.php/sport/item/5422-2018-11-10-08-29-47

8 – اتفاق عسكري إثيوبي فرنسي يفتح “صفحة جديدة” في علاقات البلدين، قناة روسيا اليوم، تاريخ النشر، 13 مارس/آذار 2019، (تاريخ الدخول: 17 مارس/آذار 2019) https://arabic.rt.com/world/1006716-اتفاق-عسكري-إثيوبي-فرنسي-يفتح-صفحة-جديدة-في-العلاقات/#

9 – جولة ماكرون الإفريقية… هموم سياسية واستراتيجية والبحث عن شراكات اقتصادية، الشرق الأوسط، 14 مارس/آذار 2019، (تاريخ الدخول: 17 مارس/آذار 2019) https://aawsat.com/home/article/1633246/جولة-ماكرون-الإفريقية-هموم-سياسية-واستراتيجية-والبحث-عن-شراكات-اقتصادية

10 – بلفلاح، يونس، مركز الجزيرة للدراسات، مرجع سابق.

11 – وكالة الأنباء الإثيوبية، مرجع سابق.

12 – الشرق الأوسط مرجع سابق.

13 – ماكرون يقود الشركات الفرنسية لصفقات ضخمة في إفريقيا، صحيفة العربي الجديد، تاريخ النشر، 14 مارس/آذار 2019، (تاريخ الدخول: 17 مارس/آذار 2019) https://www.alaraby.co.uk/economy/2019/3/14/ماكرون-يقود-الشركات-الفرنسية-لصفقات-ضخمة-في-إفريقيا

14 – ماكرون في القرن الإفريقي: تعزيز نفوذ ومنافسة استراتيجية، مونت كارلو الدولية، تاريخ النشر، 13 مارس/آذار 2019، (تاريخ الدخول: 17 مارس/آذار 2019) https://www.mc-doualiya.com/chronicles/back-to-news-mcd/20190313-إفريقيا-فرنسا-علاقات-دبلوماسية-زيارة-ايمانويل-ماكرون-جيبوتي-اثيويبا

15 – Macron and the Chinese ghosts at the feast, the africanreport, 14 March 2019 (visited, 17 March 2019):

https://www.theafricareport.com/10358/macron-and-the-chinese-ghosts-at-the-feast/

16 – الاستراتيجية الصينية في القرن الإفريقي على ضوء سعي الصين الى السيطرة على ادارة ميناء عدن، الشارع السياسي، تاريخ النشر، 24 مارس/آذار 2018، (تاريخ الدخول: 18 مارس / آذار 2019) http://www.politicalstreet.org/Section/1460/Default.aspx

17 – الصين الصاعدة.. وفرنسا الآفلة في قلب إفريقي، الموسوعة الجزائرية للدراسات، تاريخ النشر، 19 أكتوبر/تشرين الأول 2017، (تاريخ الدخول: 18 مارس/ آذار 2019) https://www.politics-dz.com/community/threads/alsin-alsayd-ufrnsa-al-fl-fi-qlb-friqia.9134/

18 – مرجع سابق.
المصدر/ الجزيرة للدراسات



الكلمات المفتاحية
القرن الإفريقي فرنسا

الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.