الإثنين 27 يونيو 2022
34 C
بغداد

    عودة مكيافيلي

    العناصر و« التيمات » القصصية في مجموعة « عودة مكيافيلي »

    تمتح قصص « عودة مكيافيلي » للقاص المغربي الصديق اروهان من مرجعيات متعددة ، منها ما هو وجودي فكري بتعالقات أسئلته ، وعمق بحثه في ثنايا الأنطولوجي ، ونبشه في أضابير المغيب المنسي ، وما هو اجتماعي في رصده لما يعج به المحيط الخارجي من مفارقات واختلالات عبر عناصر حكي يستغرقها الزمان بتداعياته وامتداداته ، وموضوعات يتوزعها الحلم والكتابة بطابع وصفي تخترقه بلاغة التشبيه في أبعاده المجازية .

    لتطالعنا أولى نصوص المجموعة « لا شيء يعجبني.. » بآفاق بحث مضن عن المعنى بحس فلسفي في عالم موسوم بالسعة والتباعد : ” أنا الباحث عن المعنى في الوجود .. الفيلسوف التائه .. ” ص 9 ، مستحضرا جهابذة الفكر والفلسفة كسقراط : ” فتذكر قضية سقراط الفيلسوف .. ” ص  17، ليغوص في متاهة تفكير تتشعب مسلكياته ، وتتعدد اتجاهاته : ” لا يدري فيما يفكر ، ولِمَ يفكر ؟ في الوجود .. في العدم … ” ص 20 ، حيث يحاصره سيل من أسئلة تداهم ذهنه ، ويزدحم بها خاطره : ” أسئلة مؤرقة جالت بخاطره دفعة واحدة … ” ص 21، دون الظفر بجواب يحدد أفق تفكيره ، ويلملم  شتات أفكاره : ” بلع سؤالا دون أن يجد له جوابا شافيا … ” ص22 ،راصدا، و مصورا ما يعج به محيطه من آفات تنخر كيان المجتمع ، وتضاعف من تفاقم شروخه وتصدعاته كما يحيل على ذلك نص « كبياض الثلج .. » : ” كيف لهذا المكان الذي لا يهدأ من صخب وضوضاء المعطلين …؟ ” ص 27 ، في إشارة إلى معاناة حاملي الشواهد من أجل الحصول على شغل يدرأ عنهم الغرق في متاهات مجهول مشرع  على اليأس و الضياع في غياب سياسة تشغيل محددة المعالم والأهداف .

    وتتوزع قصص الأضمومة  بين أزمنة  الماضي عبر عنصر الاسترجاع : ” داخل غرفته تقوقع يسترجع تفاصيل كل شيء … ” ص 10 ، بالعودة للنبش في زمن الطفولة ، وما تختزنه من صور وأحداث لم تطمسها عاديات النسيان : ” تعقبت أثر الطفولة والذاكرة ذات يوم .. ” ص 13 ، والحاضر الذي يحرص على الاحتفاظ بتوهجه وزخمه : ” تزاحمت صور شتى كادت تفقدني علاقتي بالزمن الحاضر .. ” ص 15 ، فالعلاقة بالزمن عبر آليات الاسترجاع ( نوستالجيا الماضي في حقبة الطفولة )، والتوق لحاضر تشتد الرغبة وتتأجج في الارتباط به ، وعدم التفريط في تجلياته وأبعاده.

    ومن الموضوعات التي تزخر بها قصص المجموعة الحلم في مختلف تشكلاته و تمظهراته : ” تمنى لوكان الحلم واقعا … ليست كل الأحلام سيئة ” ص 69 ، مطلقا العنان للسفر والترحال في أجواء الحلم كبديل عن واقع تجهض فيه الآمال ، وتتحطم الأماني : ” تسقط في الحلم … تستيقظ … ” ص 59 ليشيع في النفس أثرا جميلا جم المتعة ، غامر اللذة : ” وحين تذكر الحلم اللذيذ الذي ملأ ليلته. ” ص 68 ، وموضوع الكتابة كهاجس يسكن ذاكرة السارد ووجدانه ، وهَمّ يلازمه في كل حركاته وسكناته : ” أصابته حمى الكتابة … ” ص 22 ، فهي الداء والدواء ، العلة والبلسم . تسطو على المشاعر ، وتسيطر على الفكر لالتقاط ما يحفل به المحيط القريب من صور ومشهديات تلزم التدوين ، وتحتم التصوير و التعبير: ” لم يمنع وردان من أن يترجل وحيدا ، لعله يتمكن من التقاط لحظات يستغلها في كتابة روايته الجديدة … ” ص23 ، فعل يتكرر ما يفتأ ينتأ في ثنايا المجموعة : ” دلفت إلى مكتبي ، أخذت قلما وورقة وطفقت أكتب ..” ص 73 . ومع فعل الكتابة تحضر أدوات وعناصر تخلع طابعا جماليا على نسيج الحكي ومكوناته كعنصر التشبيه في نص « وجوه عابرة.. »، حيث نقرأ : ” فجاءه الصوت مبعثرا كأوراق الخريف … ” ص 10 ، أو في  نفس النص : ” توحدا ككرة ثلج باردة .. ” ، وقصة « الذاكرة ..»  : ” لكنني تجمدت كتمثال بلا حياة … ” ص 7 ، مع توظيف « المونولوغ » لاستجلاء ما تمور به الدواخل من أحاسيس ، وما يجول في الذهن من خواطر مما يضفي على المتن السردي عمقا تعبيريا و بعدا دلاليا ، فتتكرر عبارات من قبيل : (همس في سره … ، وطفق يحدث نفسه  … ، يهمس في نفسه متعجبا … ) ، مقرونا بصفة التعجب ، و( غمغمت بينها وبين نفسها … ) بشكل « غمغمة » تفتقر للإفصاح والتصريح.

    وتحضر «التيمة » الغرائبية لتمنح قصة « عودة مكيافيلي .. » نزوعات ذات طابع انزياحي ينأى بها عن النمطية السردية في خطية سيرورتها القصصية : ” أدار وجهه ناحيتي فإذا به مكيافيلي نفسه .. كدت أجن من هول الصدمة … أأنت .. أنت مكيافيلي ..؟ ” ص 35 حدث ينم عن خلفيات  فنية تتغيا خلق واقعة  تشذ في سياق حكيها عن نمطية القص ونسق صيرورته ببعث شخص كمكيافيلي من عصور غابرة ، وتطويقه بسيل من أسئلة تعمق جانب الغرابة ، وتشرعه على آفاق تأويلية متشعبة : ” قلت محاولا دفعه إلى حوار حقيقي … : ماذا تفعل في زماننا هذا؟ ” ص36 ، ليتجاوز عتبة الدهشة والاستغراب إلى مساءلة تروم إقحامه في أجواء الحكي ، وتجريده من هالات إرث معرفي موغل في أعماق التاريخ الكوني ،والحضارة الإنسانية عبر سفر عجيب إلى زمان غير زمانه في مواجهة سارد لم يثنه هول الصدمة ، ورهبة الحدث من تطويقه بأسئلة ترتبط بماهية سفره الغريب من زمانه الغابر إلى زمان السارد الحديث . كما تبرز في نص « الوالي .. » إيمان فئة من المجتمع بمعتقدات خرافية من خلال  اعتقادهم الراسخ ببركات الوالي ، واستجابته لطلباتهم المستعصية على التحقق بسلوكيات تفتقر لأي حس منطقي : ” وضعت إحداهن سكرا وأخرى قطعا نقدية ، تدحرجت فتاة بحثا عن زوج يقيها شر عنوسة نخرت شبابها .. كانت تردد : ـ يا سيدي الوالي .. شي راجل يسافر بيا .. ” ص 61 . الشيء الذي يعكس مستوى الوعي المتدني لدى شرائح عريضة من مجتمع يرزح تحت وزر جهل ممعن في الاستفحال والاستشراء. 

    فقصص « عودة مكيافيلي » والتي حازت جائزة « رونق المغرب » للقصة القصيرة سنة 2017 ، يمنحها غنى « تيماتها » ، وتعدد عناصرها ومكوناتها السردية زخما إبداعيا حافلا بميزات الخلق والابتكار. 

    عبد النبي بزاز ـ المغرب 

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    ــ الكتاب : عودة مكيافيلي ( قصص ) .

    ــ الكاتب : الصديق اروهان .

    ــ المطبعة : سليكي أخوين ـ طنجة / 2017.