الجمعة 30 سبتمبر 2022
27.4 C
بغداد

    على مقهى في شارع شامبليون .. محمد ابراهيم مبروك يهدي لنا أفكارا من لحم ودم وأنفاس نستشعر حرارتها !

    بقلم محمد مختار ( باحث وكاتب )

    على المقهى البسيط بشارع شامبليون جلست انتظره وأنا اعرف ان من سيجالسني بعد قليل هو شخص من عباقرة العصر الذين قد تخطئهم العين، ولكن لا يعرفه إلا من يقيس الرجال على ميزان الذهب، أجالس الرجل الذي يشرفني ان أنه يصفني بالصديق وأنا منه بمثابة الطالب من المتعلم ، اسمع ببساطته المعهودة وابتسامته التي تتقاطع مع ضحكه البرئ فيعطي لكل من يلتقيه الأمل. لا يتقعر مثل المثقفين المزعومين ولا يحاول أن يظهر نفسه فوق غيره علما ولا مكانة، من اقصده هو المفكر الاسلامي الكبير الأستاذ محمد ابراهيم مبروك. الذي عاد ليثبت من جديد أنه أقوى من أن يمكث طويلا في الظل وحتي في احلك الظروف فيصدر كتابه الاخير الذي تحول لمغامرة فكرية مدوية وهو كتاب من جزأين بعنوان : ( لماذا أعتبر سيد قطب أسطورة فكرية مزيفة ؟! )، ليهدي لنا في هذا الكتاب مثلما اعتاد أن يهدي لنا في كتبه السابقة أفكارا من لحم ودم وأنفاس نستشعر حرارتها

    ومحمد ابراهيم مبروك لمن لا يعرفه هو مفكر إسلامي وناقد فلسفي مصري، وله جانب متجاهَل هو نفسه أول مَن يتجاهله؛ ويتمثل في كونه شاعرًا له عدة دواوين من الشعر أيضًا. ويوصف بأنه مفكر إسلامي مُتمرد ومستقل؛ بمعنى: عدم تبعيته لأيٍّ من التيارات والاتجاهات الإسلامية القائمة، بل ونقده الشديد للبعض منها. وله ثلاثون كتابًا في مختلف المجالات الفكرية، كان عددٌ منها من أكثر الكتب إثارة للجدل في الواقع الثقافي العربي في العقود الثلاثة الأخيرة؛ مثل: «الإسلام النفعي» – «الإسلام الليبرالي» – «الإسلام والغرب الامريكي» – «العلمانية» – «نقد الليبرالية» – «موقف الإسلام من الحب بين الرجل والمرأة»… وتعتبر هذه الكتب بالذات من أهم المراجع الأساسية في مجالاتها، كما يتجلى ذلك واضحًا في قائمة مراجع الرسائل الجامعية التي تدور في فلكها، حيث تتميز هذه الكتب بمزيجٍ ثابت من الدين والفلسفة والسياسة معًا.

    ومن اشهر أقواله أن : «المفكر أو الفيلسوف الذي يفتقر إلى الخبرات بالتجارب الإنسانية المكثفة يكون غير جدير بتلك المكانة». مؤكدا على أن : «الفكر أو التيار الدعوي الذي لا يجعل إعانة الفقراء والمساكين هَمًّا دائمًا له هو فكر منحرف». وأن «الزواج بالإكراه من أجل المال هو بِغاء قَهري مُقنع بالشرعية يسمى زواجًا».

    قد لا تقل حياة محمد إبراهيم مبروك غرابةً وتمردًا واستقلالاً عن أفكاره! ويمكن القول أن حياته وأفكاره كلاهما مِرآة الآخر؛ فلم يمر مبروك بأيٍّ من أشكال التعليم الديني أو حتى الأكاديمي حيث قرر التفرغ للقراءة والاطلاع على مختلف العلوم الدينية والإنسانية في سن الخامسة عشر، وحصل على الثانوية وليسانس الحقوق كشيءٍ جانبي بنظام الانتساب، كما أنه استقل عن أسرته محدودة الإمكانيات وشِبه عديمة الثقافة في الثامنة عشر، حيث واجه عنتًا اقتصاديًّا كبيرًا وهو يعمل على التأسيس المعرفي لتكوينه الفكري والحصول على شهادته الجامعية في نفس الوقت، ولم تكن له وسيلة لكسب العيش يستند عليها سوى التدريس للطلبة في المنازل من طلبة الابتدائي حتى طلبة الجامعات. وقد بدأ في نشر مقالاته في العديد من الجرائد والمجلات، وأصدر أول كتبه «الإسلام النفعي» الذي أثار ضجةً كبيرة وما يزال في سن الخامسة والعشرين.

    أما صدمته الوجودية الكبرى فتتمثل في فقدانه الفتاة التي أحبها، وكانت قريبته وجارته وزميلته في المدرسة في الخامسة عشر من العمر، أي في نفس العمر الذي قرر فيه العكوف على البحث عن الإجابة على أسئلته المصيرية ، وربما كان هذا الحادث تحديدًا هو الذي دفعه إلى ذلك، وكان من أهم الأسباب التي أثرت فيه تأثيرًا بالغًا أن ظاهرة بيع الفتيات للأثرياء بعقدٍ مُقنَّع بالشرعية يسمى زواجًا (وهي الظاهرة التي استشرت في مصر في السبعينيات والثمانينيات وتحدثت عنها أفلام تلك المرحلة طويلاً) كانت حالة فقدانه لحبيبته تمثل ذروة بشاعة هذه الظاهرة، لما كانت تتضمنه من حدة التناقضات.

    وهذه الملامح تبين مدى تمرس مبروك وخبرته بالواقع وظروفه المختلفة منذ صغره؛ الأمر الذي حدا به أن يشترط في المفكر أو الفيلسوف لكي يكون مؤهلاً لتلك المكانة هذا الشرط الذي ربما انفرد به وهو أن تتوافر فيه الخبرات المكثفة بالتجارب البشرية حتى لا تكون أفكاره مجرد تأملات ذهنية عقيمة.

    وفي أوائل التسعينيات حيث كان مبروك في أوائل الثلاثينيات من عمره حاز مبروك تقديرًا كبيرًا لدى كبار المفكرين في ذاك العصر، والذين سبقت إليهم كتبه قبل لقاء أغلبهم؛ من أمثال: خالد محمد خالد وعبدالوهاب المسيري وعادل حسين وأنور الجندي، بل وحتى من الاتجاهات المضادة كالمفكر اليساري الكبير محمود أمين العالم، حتى أن الدكتور/ المسيري قال عنه وهو يقدمه لإلقاء محاضرةٍ له وهو في ذلك السن أن محمد إبراهيم مبروك مثله مثلنا؛ أي أن مبروك مثله مثل كبار المفكرين في ذلك الوقت.

    واشتهر محمد إبراهيم مبروك بأنه أحد أهم مَن يمثلون المدفعية الثقيلة للإسلاميين في مواجهة العلمانية والليبرالية والتيار التغريبي بوجه عام في التسعينيات والألفينيات، وكتب في ذلك عدة كتب جاء على قمتها كتابه «المواجهة»؛ والذي قدم فيه نقدًا لحوالي ثلاثين كتابًا من الكتب المشبوهة التي قدمت دعمًا لهذا الاتجاه مثل: «الشعر الجاهلي» و«الإسلام وأصول الحكم».

    كما واجه مبروك ذاك الاحتفاء الغربي الكبير بالفيلسوف ابن رشد في أواخر القرن العشرين، ومحاولة تقديمه للعالم الإسلامي كرمزٍ للتنوير الفكري؛ فأظهر مدى زيف هذه المقولة، واتهم ابن رشد بالجمود باعتباره كان تابعًا أمينًا لأرسطو، وأن الغرب يعمل على استخدامه كقاعدةٍ لنشر الفكر الإغريقي المُمَهِّد للفكر العلماني. وعقد ندوةً للمفكرين المتخصصين في ذلك على الرغم من الضغوط المعارضة لذلك من أتباع المخرج يوسف شاهين الذي ساند التوجه الغربي بفيلمه «المصير» عن ابن رشد.

    وقد تكون أهم معاركه الفكرية هي تصديه على امتداد فترة الألفينيات لموجة لَبْرَة الإسلام أو الإسلام الليبرالي، ومواجهته بالذات لما يسميه بالتيار الأردوغاني. وكتب في ذلك عدة دراسات كان أهمها كتابه «الإسلام الليبرالي»، وسلسلة مقالاته التي بلغت ستة عشر مقالاً عن عمرو خالد الذي اعتبره النموذج الأمثل لهذا التوجه، وذلك في جريدة الحياة وموقع الوكالة الاسلامية. ولم يكن تصديه لتيار الإسلام الليبرالي مِن خلال مقالاته وكتبه فقط وإنما من خلال مناظراته المتعددة على القنوات الفضائية أيضًا، والتي كان من أهمها مناظرته مع مارتن إنديك مساعد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق في برنامج الاتجاه المعاكس بقناة الجزيرة، وكذلك مع المفكر المصري جمال البنا في حلقةٍ أخرى من نفس البرنامج.

    تتمثل أهم الصراعات الفكرية لمبروك في أمرين:

    الأول: صراعه مع العلمانيين والتغريبيين عمومًا. فهو يرى أن هؤلاء في الأغلب الأعم منهم لم يتجهوا هذا الاتجاه نتيجة تفكيرٍ أو بحثٍ؛ وإنما إما تعبيرًا عن رغبةٍ في التحلل من التعاليم الإسلامية، أو عمالةً لإحراز مصالح لهم في الغرب. وقد كتب مبروك في ذلك العديد من الكتب والمقالات.

    والثاني: صراعه مع الإخوان المسلمين. وهو يرى أن الإخوان المصريين ومَن يماثلهم قد عملوا في العقود الأخيرة على إحالة الإسلام إلى كَمِّ مادي تترك منه أو تأخذ بحسب ما تحققه من منافع! وأن جُل النشاط الفعلي لقادتها يتمثل في استخدام القوى الغربية لهم في لبرَلة الإسلام في مقابل وعدٍ كاذب في إعانتهم على بلوغ الحكم في عدة بلاد. وقد كتب عن ذلك في عدة كتب مثل: «الإسلام والغرب الأمريكي» و«الإسلام النفعي» و«الإسلام الليبرالي».

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا