الثلاثاء 28 يونيو 2022
30 C
بغداد

    على شفير السقوط

    بويطيقا السقوط في ديوان « على شفير السقوط »
    تحتل شعرية السقوط مكانة بارزة داخل نصوص مجموعة « على شفير السقوط » الشعرية للأديب المغربي ( الشاعر والقاص والمترجم ) عبد الله فراجي . سقوط يتخلل قصائد الديوان بمستويات متنوعة ، وإفرازات جمالية ودلالية متعددة.
    ف « تيمة » السقوط تتمظهر عبر العديد من التجليات . انطلاقا من عتبة الكتاب الموسومة ب « على شفير السقوط » ، وما تبعثه من إشارات على بداية رحلة شعرية ، وسفر إبداعي في رحاب سقوط محفوف برجات واهتزازات وانزياحات تتمثل في عبور الشاعر لمدينة تنهكها الأعطاب ، وتستنزفها الآفات ( بيت المقدس ) كمكان مثقل برمزية المقاومة والصمود : ” عبرت في شجون ليلة بهيمة مدينة جريحة أصابها العطب … مدينة تساقطت عمادها… ” ص 34 ، مصورا ، بحس نقدي ، ما عاشته من خذلان يختزله الكلام العقيم ، والخطب الجوفاء : ” وتاه كل من روى نحيبها ، من الخليج للمحيط في الكلام والخطب … ” ص 34 ،حيث انضافت إلى قائمة ثابت السقوط ونماذجه التي سخر الشاعر قصائده لتناولها وتصويرها : ” وصُغْتها على جداول السقوط آية تنير صحوتي … ” ص 38 ، معلنا عن تضمين نصوصه ، بشكل جمالي وإبداعي ، للازمة السقوط : ” أنا استعارة الأمان والسقوط في قصائدي … ” ص 43 ، وانتقال السقوط من مدينة المقدس إلى المرأة ( الحبيبة ) : ” حبيبتي على معابر الضياع والألم … وفي رفاتها مسافة السقوط والمحن …” ص 71، في تنويع لرمزية السقوط وما يحيط به من نكبات مؤلمة ، وما ينجم عنه من تبعات مزرية بمآسي مختلفة الأشكال والألوان : ” حبيبتي تموت في مدائن الردى وبرزخ السقوط والعجب … ” ص 73 ، سقوط لم تفلت من شركه أنا الشاعر : ” أساقط أنا ، وفي السقوط ذلتي …؟” ص 103 عبر سؤال يختزل الخيبة والتردي.
    وإذا كانت بويطيقا السقوط قد هيمنت على نصوص الديوان فهناك موضوعات أخرى ساهمت في إثراء زخمه التعبيري والجمالي والدلالي فغدا ، أي الديوان ، أكثر تنويعا وسعة وعمقا ؛ كموضوع اللغة والذي نهل ، بدقة وانتقائية ، من معجم تراثي ينماز بالجزالة اللفظية ، ودرر المفردات ، مثل ( الوغى ، سهاد ، الغسق ، الرُّطَب ، الرعاع ، سرادق ،سنابك ، حُشاشة، القِلى…) . والدين الذي خلع على المدونة الشعرية مسوحات أخلاقية من غلالة روحية موسومة بالسموو البهاء من خلال طقوس تنخرط في أجواء خشوع العبادة ، وشعائر التبتل : ” كزاهد يروم في الصلاة توبة ، يزور مقدس السماء والرسل …” ص 35 ، ليرتقي مقامات علوية تنضح إشعاعا ووضاءة : ” ظننت أنني شهيدها الذي تزركشت على مقامه العلي ياقة وأنجم من البهاء والجمال والحلل… ” ص 35 ، وما تحفل به من دلالات برمزية تاريخية وروحية ( مقدس السماء والرسل ) تنم عن سمو ورفعة ترقى إلى مقامات علوية تجللها هالات نورانية وضاءة .
    وللمكان حضور مرهون بخلفيات تاريخية تجسد انتكاسة قومية كما في بيت المقدس : ” مدينة جريحة أصابها العطب حزينة كئيبة بل جريرة …” ص 34 ، وفي طرابلس والعراق واليمن : ” إلى طرابلس الكسيحة الخطى ،إلى هزيمة الفرات وانتكاسة اليمن…” ص 67، ومصر من خلال ( طيبة ) : ” ووحش طيبة الرهيب غاصب مدمر…” ص 64 ، والنيل : ” ونيل مصر جارف ومرعب … ” ص 63 ، والمغرب ( الرباط ) : ” وها أنا من الرباط لليمن … ” ص 80 ، وفلسطين ( غزة والخليل)، والشام : ” على قلاع غزة السليبة الرؤى وفي مرابع الخليل والشام والمحن … ” ص 80 ، مع ذكر أسماء بعض الرموز وما اقترنت به حكاياتهم من خوارق وبطولات في التراث العربي كسيف بن ذي يزن : ” أسير في مفازتي كأنني الجليل ذويزن … ” ص 84 ، والكوني كدون كيشوط لميغيل دي ثيربانتس : ” أفارس أنا كدون كشوط في جنونه … ” ص 102.واستخدام لبعض عناصر الطبيعة من نجوم ، وقمر ، وسحب : ” وغربة النجوم والقمر … كأنها سحابة عصية بلا مطر… ” ص 12 ،وشمس : ” وشمس رحلتي التي تغور في الدجى …” ص 12 ، وبحار : ” وقلت للبحار باركي جنون أحرفي… ” ص 17 في صيغ مجازية بطابع رمزي إيحائي . فضلا عن تنوع الإيقاع بين خارجي في مثل : ” من العبيد والخدم … عقالها العدم … عقيمة ودم… يذيبها المرار والندم … ” 41 ، وداخلي يجسده حرف الميم في : ” من الرماد قام فارس مغامر ، يروم قلعة اغترابها ، له المجون والغرام والصخب ” ص 47 ، واستعمالات بلاغية تمنح المتن الشعري عمقا دلاليا ، وبعدا بيانيا كالطباق في نص « دجنة العشق والمحن » : ” سأنشر البياض في المدى ، وأغزل السواد في دفاتري ” ص 49 ( البياض / السواد ) ، وقصيدة « شهرزاد في الحمم » : ” ويعتلي رحابة الوجود والعدم … ” ص 59 ( الوجود / العدم ). مع توظيف لشخوص برمزية دينية عقدية ، بشكل إيحائي ، كشخصية النبي يونس : ” لعلني بصولتي أشق بطن حوتها ، فيشرق الرسول من رحابها… ” ص 106، أو تراثية قصصية ( قصص ألف ليلة ) كشهريار : ” وفي الصباح شهريار قابض إزارها … ” ص 56 ، أو الجمع بينهما : ” وشهرزاد كالمسيح في دمائنا … ” ص 59 ، في صورة بلاغية ( تشبيه).
    وأخيرا فديوان « على شفير السقوط » منجز شعري غني بعناصره الجمالية من إيقاع وبلاغة ، والتعبيرية من « تيمات » بميزات متنوعة ومتعددة برز فيها موضوع السقوط والذي قاربناه من خلال بويطيقا أقرب إلى الشعرية غير المقيدة بنسق مغلق يقوم على كما حددها جيرار جينيت في استعماله للبويطيقا في مقاربة النص الأدبي ، وتفكيك عناصره ومكوناته .(conventions)مواضعات
    عبد النبي بزاز
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الكتاب : على شفير السقوط ( شعر ) .
    ــ الشاعر : عبد الله فراجي .
    ــ المطبعة : مطبعة بلال ـ فاس 2021