الإثنين 27 يونيو 2022
34 C
بغداد

    على أطلال جيلنا – وأيام كانت معهم (2)

    خاص : بقلم – سعيد العليمي :

    5 – “تغازل العصافير قضبانها.. دوق زينا حلاوة الزنازين”

    قبل أن ينتهي النصف الأول من تشرين أول/أكتوبر 1966، كان قد تم اعتقال “الأبنودي”، و”حجاب”، و”عيسى”، و”محمد عبدالرسول”، و”سيد خميس”، و”الغيطاني”، و”هلسا”، و”علي الشوباشي”، و”رؤوف نظمي”؛ (محجوب عمر)، و”أحمد” و”محمد العزبي” – وهما أخوان ويجري الخلط بينهما أحيانًا؛ والأول فقط هو من كان قياديًا في “وحدة الشيوعيين” -، و”غازي عزام”، و”أحمد فرج” وآخرين. وقد سبقهم بفترة طويلة: “إبراهيم فتحي”، والمحامي اليساري “عادل أمين”، والعاملان: “منصور زكي” و”محمد عبدالغفار”.

    تمكن “يحيى الطاهر عبدالله” من الإفلات من الضربة البوليسية؛ بسبب تركه الإقامة في منزل “الأبنودي” قبلها بفترة وجيزة، مما سأتناوله في موضعه.

    كانت سلطة تموز/يوليو ما تزال في ذروة سطوتها “المخابراتية-البوليسية”، حيث مارست قبلها ولمدة عامٍ كامل أو يزيد؛ كافة صنوف القمع والتعذيب على متآمري “الإخوان المسلمين” من أنصار “سيد قطب” وغيرهم، بدءًا من صيف 1965، وكان من المنطقي أن يحظى المتمردون على النظام الناصري – سواء كانوا شيوعيين قدامى من رافضي الحل، أو شيوعيون جدد يتبنون الخط الصيني، أو قوميون عربًا انتقدوا ما اُسمي: “التجربة الاشتراكية” – بنصيبهم من القمع والتعذيب، ولم يستثنوا أحدًا تقريبًا من الضرب والإهانة، والتعليق والسحل.. إلخ. وأرادوا كسر “إبراهيم فتحي”؛ المسؤول السياسي لـ”وحدة الشيوعيين” أمام الشباب الجُدد، فرفض طلبهم القول: “أنا مره”. وحين قيدوه لم يجد سوى رأسه يُقاوم بها في جدار حائط. ثم نال النصيب الأكبر من التعذيب؛ “محمد عبدالرسول”، وهو الماركسي الصلب؛ لأن المباحث العامة وجدت في حوزته وثائق ومنشورات سرية. ويقول عنه “سيد حجاب”؛ في واحد من حواراته: “تعرض لكل أنواع التعذيب التي تتخيلها والتي لا تتخيلها؛ من الجلد والصلب والتعليق والسحل وكل شيء ولم يُغير أقواله”. ويورد الصحافي “محمد العزبي” شهادة “الأبنودي”؛ عن تفاصيل الضرب والإهانة، وكذلك “صلاح عيسى”؛ الذي كتب عن ضربه وشتمه وتعليقه في المشجب الحديدي من قِبل الرائد “عاصم الوكيل”؛ الذي تولى مهام التعذيب آنذاك.

    وقد كانت تجربة السجن مؤثرة في حياة “الأبنودي”؛ لأنها شخصت عطشه الحقيقي للحرية، رغم أنها لم تتجاوز الستة شهور في حياته كلها – يقول “الأبنودي”: “كان حائط السجن مثل كرسي الاعتراف، إذا أردت أن تعرف نفسك جيدًا أسند ظهرك إلى الحائط، حتعرف قد أيه شجاع أو قد أيه جبان، وبتخاف من أيه وبتخاف على أيه، ودرجة صمودك قد أيه، وكيف ترى الناس حولك”. وبعدها بعقود يُدرك أن: “الزنزانة” ليست المترين في مترين: “بحسب صورتها التقليدية، لكن قص الأجنحة وتكبيل القوانين ولي أعناقها؛ نوع من تحديث صورة الزنازين !”.

    وشهدت فترة الاعتقال وفق التقليد الشيوعي؛ تنظيم الحياة العامة المشتركة للمعتقلين، خاصة مع وجود القدامى من ذوي الخبرة، وعقد الأمسيات الأدبية، وتنظيم الاحتفالات والغناء، ولحظات الترفيه المتناسب مع واقع الحال، وتمكن “الأبنودي” من إنهاء: “قصيدة أحمد سماعين”؛ آنذاك، ورغم كل الأوضاع القمعية يعتبر “الأبنودي” أن الأيام التي قضاها في معتقل “طرة” هي: “الأيام التي لم أكف فيها عن الضحك”.

    6 – “يحيى الطاهر عبدالله” بلا طوق ولا أسورة

    توقع قسم مكافحة الشيوعية أن يجد “يحيى” مُقيمًا مع “الأبنودي”، ولم يبلغه أنه ترك المنزل قبل حوالي شهر من تاريخ المداهمة؛ في 9 تشرين أول/أكتوبر 1966، إثر خلاف مع “عطيات الأبنودي”. وكان قد جرى اعتقال “صلاح عيسى” و”غالب هلسا”؛ قبلها في يوم 4 تشرين أول/أكتوبر، مما جعل الاعتقال من الجميع أمرًا مترقبًا. وكما ذكرت “عطيات”: “لم تكن المباحث تعرف أي شيء عن يحيى أو صورته”.

    كان “يحيى” عضوًا في “منظمة وحدة الشيوعيين المصريين” بالفعل، ورفيقًا في خلية واحدة مع “صلاح عيسى”؛ وقد اختار لنفسه اسمًا حركيًا: “سعيد مهران”، وهو اسم بطل رواية “نجيب محفوظ” المعروفة: (اللص والكلاب). وقد انسحب من المنظمة ضمن المجموعة التي انسحبت للأسباب التي عرضتها عاليه دون أن يتخلى بالطبع عن فكره السياسي الماركسي؛ ولا عن إدراكه للضرورة التاريخية للتنظيم الشيوعي الفاعل في الواقع.

    أفلت “يحيى” من القبضة البوليسية وتوجه إلى منزلي كأول مكان للإختفاء – وكان قد تعرف قبلاً على أسرتي واعتبرته أمي؛ ككل أصدقاءنا، أخًا لنا يُشاركنا في كل شيء؛ (سي يحيى – هكذا كانت تناديه)، ولم تكن إقامته لتُثير أي تساؤل أو شكوك، خاصة لدى شقيقي: “عادل” و”مجدي”. وقتها لم أكن معروفًا بعد لدى المباحث العامة، رغم ترددي على منزل “الأبنودي” وشيوع معرفة صداقتي بـ”يحيى”، مما سهل مهمة هروبه وإختباءه. ولم أشعر وقتها بأنني أقوم بعمل فذ أو استثنائي؛ وإنما أقوم بواجبي كماركسي مناهض للنظام رغم حداثة ماركسيتي، وبواجبي كصديق مقرب، وأخيرًا برغبتي في ممارسة التجربة وتذوق متعة مراوغة السلطة.

    ولكن “يحيى” لم يكن ليقنع بالقراءة والكتابة والإستماع للمذياع؛ (لم يكن لدينا تلفاز)، وتقييد الحركة ورؤية صديق واحد مشترك هو: “خليل كلفت”. وبدأ يضيق بالإنضباط الذي أصررت عليه، وتدخل الأخير لإقناعي بأهمية أن يلقى أبناء الأديب الكبير؛ “عبدالرحمن الخميسي”؛ (وكان ذلك سببًا للقائي بزوجتي الأولى؛ السيدة “ضياء الخميسي” وأم ابنتي البكر: “ميادة”). فوافقت على مضض، فأتوا لزيارته في مخبئه.

    وبعدها أصر على أن نستغل وقت الإفطار في رمضان ونذهب لزيارة “أحمد مجاهد” المحامي؛ في منزله بشارع “مريت باشا”؛ المواجه للمتحف المصري بـ”ميدان التحرير”، وكان هو و”الأبنودي” يسمونه: “الخال”، أي أنه الخال الأصلي قبل أن يتسمى “الأبنودي” بهذا الاسم – وقد كان من أنصار “حزب مصر الفتاة” في الأربعينيات، ثم “حزب العمل الاشتراكي” في السبعينيات؛ في عصري “السادات” و”مبارك” – وكانت له مواقف مشرفة في الدفاع القانوني عن الشيوعيين المصريين عقب حملة أول كانون ثان/يناير 1959، فلاحًا، شهمًا أصيلاً، كريمًا من “دكرنس”.

    استقبلنا “أحمد مجاهد” بترحاب شديد هو وزوجته؛ الفنانة المسرحية “عواطف رمضان”، وكان هناك بالمصادفة الصحافي المعروف؛ “منير عامر”، الذي تساءل عن: “هذا الرجل الغامض” الذي هو أنا؛ بشكل مرح، وبالطبع لم يكن “يحيى” ليُقدمني مُعرفًا بي آنذاك. أفطرنا معهم على مائدة خشبية أرضية بزخرفات من الطراز الياباني، وتحدث “أحمد مجاهد” عن طفله الشجاع الذي يُلقي بنفسه من ارتفاع شاهق على ذراع أبيه دون أن يخاف، ونفى “يحيى” أن تكون هذه شجاعة ورجح أنها عدم إدراك، وتحدث “منير” عن: “باشا” حبيبته التي إلتقاها قبل مجيئه مباشرة؛ وهي تقود سيارتها. أما “عواطف” فقد كانت حريصة على معرفة أحوال “يحيى” وظروف حياته؛ وقد طمئنها بأن كل شيء على ما يرام. وطلبت منه أن يتصل بها إن احتاج لأي شيء. وغني عن الذكر أن زوجها الذي ناداه “الأبنودي” و”يحيى” دائمًا بـ”الخال” قد قام بواجبه كخال إزاء الإثنين ماديًا ومعنويًا وقانونيًا كمحامٍ ذو خبرة.

    الإثم الذي لا يُغتفر في فلسفة هيمنة الدولة “المخابراتية-البوليسية” هو العصيان؛ لأنه يهز صورة: “جبروت السلطة”. وكان الإفلات وتفادي القبض هو أحد هذه الآثام الكبرى – إذ كيف يمكن أن يفلت أحد من هذا الأخطبوط القمعي. وكان يُنظر لذلك من جانب حلقة محدودة من الأصدقاء الماركسيين والمتعاطفين على المستوى الشخصي بوصفه شيئًا يحمل معنى التحدي إزاء نظام تموز/يوليو في عز جبروته، حيث كان من الممكن أن يذهب أي أحد: “ما وراء الشمس”؛ حسب التعبير السائد في تلك الأيام، لأي مدة ولأقل الأسباب. لم يكن هناك أي تنظيم يقف أو يُساند “يحيى” أثناء هروبه، كما أنه لم يكن: “محترفًا ثوريًا” متفرغًا للعمل السياسي ينفق عليه “الأبنودي” بأمر من التنظيم، بعكس الإنطباع الذي ساد لدى المباحث العامة والبعض الآخر آنذاك – وقد بدأ هربه عندي وفي منزل والدتي؛ في “حي السيدة زينب”، حيث أقام، وبعد كثرة المترددين لزيارته بناءً على طلبه ودعوته، وبعد القبض على (علي كلفت)، واختطافه لمكان مهجور وضربه ضربًا مبرحًا، وهو مريض القلب لمعرفة مكان “يحيى، اقترحت عليه مع “خليل كلفت” أن نغير المكان كل فترة، فإنتقلنا عند صديق مراهقة ليّ كان طالبًا في المعهد الزراعي بـ”مُشتهر”، ويُقيم في “مساكن الأميرية”، هو المهندس الزراعي الراحل؛ “وفيق السيد الشع”، ومدير مزرعة أبحاث جامعة “عين شمس” فيما بعد. ثم أقام بعد فترة في بيت أبي مع أخي؛ “عادل العليمي”، بـ”الحلمية الجديدة”، لبعض الوقت، حيث كان لأخي غرفته الكبيرة المستقلة التي كنت أشغلها أصلاً. ولكن “يحيى” بقلقه وتحفزه وحيويته لم يكن يُقر على حال، ولم يقبل القواعد المعروفة لتأمينه وحمايته من القبض عليه، فبدأ يتردد على الكثير من الأصدقاء ويلتقي بأصدقاء الأصدقاء من أصحاب الفضول، وبات مُعرضًا للقبض عليه في أي لحظة. وأصر على أن يلتقي بـ”علي كلفت”؛ ليعرف منه تفاصيل القبض عليه واستجوابه بشأن مكانه، والتقينا به في مقهى بالفعل  خلف منزلنا بـ”شارع مجلس الشعب”، ثم قرر أن يذهب لمنزل “إبراهيم عبدالعاطي”؛ بـ”عابدين”، بـ”شارع الشيخ ريحان” وحده – وهو أديب كان يعمل بـ”مجلس الدولة”.

    تولد لدي آنذاك شعور لازمني فيما بعد؛ وهو أن الأدباء والشعراء ومن ماثلهم لابد أن يوضعوا على مسافة من أي عمل حزبي منظم، نظرًا لفرديتهم المفرطة، واستبدادهم برأيهم، وعدم إلتزامهم بأصول العمل السري وبديهياته. وقرر “يحيى” أن ينتقل إلى حيث شاء؛ بحيث يكون مسؤولاً عن حركته؛ (علق المثقف الكويتي؛ عبدالله المسعود، لعطيات الأبنودي؛ عن طريقة يحيى في التحرك؛ فيما بعد، قائلاً: “ده موش هروب من الاعتقال، ده شكله بيتفسح”). فاختار الذهاب لأصدقاء له في محور – الجيزة وخاصة “عزبة أبوأتاتة” – و”العمرانية” و”الوراق” – وبدأت أسمع أسماء: (الشيخ) “محمد عبدالسلام”؛ والمرحوم “طارق جويلي”، أخ الأديب والفنان؛ “خالد جويلي”، وآخرين لم يكونوا معروفين لدي.

    واتفقنا أن نتراسل من خلال “خليل كلفت”؛ هو باسم: “عوليس”، وأنا باسم: “نسطور الحكيم”، حيث كنا قد انتهينا لتونا من قراءة (الإلياذة والأوديسه)؛ لـ”هوميروس”، واستعرنا أسماءنا منها. واخترنا أسمًا لصديقته هو: “الأولمبية”؛ وللمحامي “أحمد مجاهد”، هو: “أخيل – صاحب العفشة التحتانية”، لأنه كان دائم الاستعمال لهذا التعبير الأخير.

    طلب مني أن أطمئن صديقته عليه وعلى أحواله وسلمني رسالة لتسليمها إليها، وهي من أهدى لها مجموعته القصصية الأولى: (ثلاث شجرات تُثمر برتقالاً كثيرًا)، فأرفقت الرسالة بقطعة شيكولاته وسلمتها إليها، ولعبت دور رسول الغرام إلى حين، وربما كانت هذه هي النواة الواقعية لشخصية صانع أحجبة المحبة؛ الشيخ “العليمي”، التي صورها في روايته: (الطوق والإسورة) فيما بعد.

    أشتد الطلب على “يحيى”، وكلف الضابط “هاني الكموني”؛ الذي عمل في “قنا”، وكان يعرف “الجنوبيين” وسبق له الإحتكاك بهم فيما يبدو، لمتابعته والقبض عليه.

    أعلنت “عطيات الأبنودي”، عدم موافقتها على هرب “يحيى”، لأنه يؤكد للمباحث وجود تنظيم، كما أنه يضر بالمعتقلين؛ حيث يُطيل حبسهم. كما لا توجد وظيفة سياسية لهذا الهروب. واعتبرت هذا التصرف بمثابة “دون كيشوتية” ليس لها ما يُبررها.

    وربما كان لرأيها وجاهة في ظروف أخرى مغايرة؛ فليس الهرب في كل الأوضاع والأحوال أمرًا مرغوبًا.

    7 – من معطف الجلد.. إلى الكابوس الأسود

    جرى القبض على “كمال الأبنودي”؛ شقيق “عبدالرحمن”، لسؤاله عن مكان هروب “يحيى”؛ مع الوجبة المعتادة من الضرب والشتم والإهانة. (وما حدث لـ”كمال الأبنودي”؛ وما حدث لـ”علي كلفت”، من قبل، وما كان سيحدث لـ”شوقي حجاب”؛ وما سيجد من أحداث، كله بسبب “يحيى الطاهر أفندي”)، هكذا رأت “عطيات الأبنودي” الأمر. ولم يخب توقعها طويلاً، فقد اعتقل “محمد عبدالغفار”، وبعده “مختار الحجيري”، وجرى تهديد والد “عطيات” لنفس السبب. ثم استدعاها الرائد “منير محيسن” – وقد عرفته شخصيًا فيما بعد؛ عام 1968، حين اعتقلت لأول مرة – وأراد أن يتأكد من وقائع شجارها مع “يحيى” وحقيقة تركه منزل “الأبنودي”، وحاول كالعادة إغوائها بالتعاون معهم لأن؛ (القضية مفتوحة ولابد من القبض على “يحيى”؛ ولازم تساعدينا علشان “عبدالرحمن” يرجع البيت)، وأكد لها أن هذا عمل أخلاقي مئة في المئة، وأن المصلحة العامة ومصلحة الأمن والوطن ومصلحة “عبدالرحمن” ومن معه؛ في أن تُساعد المباحث العامة على معرفة مكان “يحيى” ! وتكرر الاستدعاء مرة أخرى من الضابط “هاني الكموني” وأحد رؤساءه.

    ولكن “رفعت السعيد”؛ الذي كان من أبطال حل التنظيمات الشيوعية وسكرتيرًا لمكتب “خالد محيي الدين”  آنذاك، كان له رأي آخر؛ وفقًا لما ذكرته “عطيات الأبنودي”: (… أن المباحث تعرف طريق “يحيى الطاهر” وهو متأكد من هذا بدون نقاش… المباحث رأيها أن طول ما “يحيى” هارب سوف يكون هناك دائمًا شخصًا ما مسؤول عن هربه، وبالتالي يكون هذا الشخص مسؤول التنظيم الوهمي الذي لا يعرف جهاز المباحث إثباته حتى الآن…).

    وتورد “عطيات” رواية هامة على لسان “رفعت السعيد”؛ عن عضو قديم في “حدتو”؛ جرى فصله منها بعد أن ضبط معه “كارنيه المباحث”، أتاه يطلب “تبرعًا” دعمًا ومساندة لـ”يحيى” في هربه محاولاً الإيقاع به وبـ”خالد محيي الدين”.

    وهو ما يؤيد احتمال أن يكون مكان اختباء “يحيى” معروفًا في أيامه الأخيرة؛ من خلال هذا الواشي الذي رفض “رفعت السعيد” ذكر اسمه. وقد قُبض على “يحيى”، يوم 14 شباط/فبراير 1966، بينما كان يسير في “شارع قصر النيل” من ناحية “العتبة”؛ في السادسة مساءً – حسب رواية “خليل كلفت”، التي نقلتها “عطيات” في مذكراتها.

    لقد كتب “يحيى” عن فترة الهرب قصتين تعكسان مرحلتين مختلفتين فيها؛ الأولى هي: (معطف من الجلد)؛ (كان اسمها الأول الذى غيره هو: “جاكت من الجلد للمطر”)، وقد كتبها حين كنا معًا – وتتضمنها  مجموعته القصصية الأولى: (ثلاث شجرات كبيرة تُثمر برتقالاً)، ومما يرد فيها: (إنهم يقلبون عليك الدنيا: أترك هذا المكان وأبحث عن مكان آخر – كان صديقي خليل وكنا نسكن سويًا، وكنت أحبه – قال إنهم هم – لا هو -… وقال أترك هذا المكان فورًا قلت لماذا ؟، قال إنه الجنون – وأن الأرض تدور وإننا في 1966…)، وفي موضع آخر: (رددت وقد إنتابني زهو: إنهم يبحثون عني في كل مكان.. بالصعيد.. في العاصمة – بالمقاهي.. سألوا كل معارفي….)، وفي موضع ثالث: (… ستكون درجة الجنون الذي يُطاردني قد هبطت قليلاً).

    أما القصة الثانية؛ فقد روى لـ”خليل كلفت” وليّ؛ أن هناك من تعمد تخديره ذات ليلة حين كان في “عزبة أبوأتاتة”؛ بـ”الجيزة”، وأنه يشك في صلة هذا الشخص بالمباحث العامة، لأنه فقد وعيه تمامًا ولا يدري ماذا حدث له بالضبط. واسم القصة: (الكابوس الأسود)، وهي مغرقة في الكافكاوية، ولم أقرأ مثيلاً لها إلا في الرويات الأسطورية عن تفاصيل عذابات الجحيم. ففيها حديث عن: “أفرع شجرة الحشيش النورانية” ورؤى وتصورات وهلاوس وأحلام كابوسية ضاغطة وقد: (كان محاصرًا بالسكون والظلمة والتعب – وقد كف عن النداء، أحس بأن روحه منهكة، وأنه فعلاً مضطهد ومقهور، وأنه حقيقة يتعذب، شعر بالخوف لأنه مخمور ووحيد).

    8 – أين إختبأت يا إسكافى المودة ؟

    هل كان يمكن للمباحث العامة أن تتغاضى عن سؤال “يحيى”؛ عن مكان إختفاءه أول ما أختفى ؟، حسب إفادته لـ”خليل كلفت” وليّ أنه صُفع وضُرب باللكمات؛ وكان سؤاله عن “منظمة وحدة الشيوعيين” روتينيًا،  والواقع أنه لم يعترف بشيء على رفاقه ممن سبقوه إلى المعتقل ومن زاملهم في “وحدة الشيوعيين”. ولا بد أنهم اكتشفوا أنها كانت شبحًا من الناحية الفعلية، وأنه لم يكن زعيمًا هاربًا وقف خلفه تنظيم قوي.

    لم يبق “يحيى” في المعتقل أكثر من أربع أسابيع، ثم أفرج عنهم جميعًا بناءً على تدخل من الفيلسوف الفرنسي؛ “جان بول سارتر”، الذي رفض في البداية قبول زيارة “مصر” بينما يُعتقل فيها التقدميون، ووعده الرئيس؛ “عبدالناصر”، بالإفراج عنهم يوم مغادرته “مصر”. وقد قامت الفنانة التشكيلية الراحلة؛ “إيفلين بوريه”، بحث والدها السويسري على الإتصال بـ”سارتر” وإبلاغه بوضع المعتقلين الماركسيين؛ ومنهم زوجها الشاعر؛ “سيد حجاب”، آنذاك. تابع أهلها الاتصال بـ”سارتر” من الخارج، وبعد أن وصل لـ”القاهرة”؛ مع “سيمون دوبوفوار”، تمكنت “إيفلين” من لقاءالأخيرة وأعطتها رسالة لـ”سارتر” أمام مصعد الفندق. وأسفر تدخله عن الإفراج بالفعل عن المعتقلين جميعًا يوم مغادرتة “مصر”؛ في 12 آذار/مارس 1966.

    كان “يحيى” أول من ساعدني على الاتصال بـ”عبدالفتاح الجمل”؛ المثقف والروائي والمُشرف على الصفحة الأدبية لجريدة (المساء)، وأوصل إليه لأول مرة قصتي المترجمة: (نهر شان الجليدي)، وهي قصة كورية، ومن المصادفات أن “كوريا الشمالية” ضربت إحدى الغواصات الأميركية؛ (بويبلو)، آنذاك، فنُشرت القصة على الفور؛ في 31 كانون ثان/يناير 1968، وبعدها قصة مجرية عنوانها: (لا غفران)، وآخرى تركية بعنوان: (البيت الحجري).

    كان “يحيى” شخصية استثنائية فريدة قلما تُصادف مثلها؛ وقد وصف نفسه كما يلي: (عشقت الشعب والقص والخمر وبعض النساء؛ ورفضت أن أكون إلا ما اخترت”، “فرحى النهائي، والعرس الأخير هو الثورة وتحرك الشعب الراقد”، “ربما يتعذر على واقع لاإنساني أن يُعطيك أشياء إنسانية.. يعني الواقع الطبقي واقع لاإنساني وكل ما يمكنك أن تفعله هو أن تُحاول الحياة كرجل محترم.. وأن تسعى إلى نفي إغترابك وهذا لا يكون إلا بالثورة”). وكان صادقًا فيما قاله عن نفسه.

    كما وصفه رفيقه في “وحدة الشيوعيين المصريين” وصديقه؛ “صلاح عيسى”، بأنه: “فارس القص المُقتّدر، الذي يوجز سيرة جيلنا”، “الطاووس المشاغب”، “أمير الحكي”، “الغماز، اللماز، الهجاء، الغضوب، المتشاجر مع ذباب وجهه، طفل البراري”؛ وهو وصف واقعي وأمين.

    وقد كان “الأبنودي” هو أقرب الناس إليه؛ وقد عاشره سنوات معاشرة يومية. ويصفه بأنه شخصية بديعة ومبدعة به مس من الجنون، بارعًا في استجلاب العواطف، وكان أينما يذهب تمشي الشجارات والمشاكل بين أقدامه. (… فقد كان يعتقد أنه يرى الحقيقة؛ وعلى الجميع أن يروا ما يراه وإلا كانوا متخاذلين…). ولم يكن يتورع عن استخدام حقوق صديق بدلاً عنه ودون إستئذانه إذا خُيل إليه ظنًا منه أن ذلك كان صوابًا.

    كنا في مقهى “إيزافيتش”؛ بـ”ميدان التحرير”، (مكان كنتاكي الآن)، بعد هزيمة حزيران/يونيو 1967، وشاهد صديقه الفلسطيني الشهيد؛ “مازن أبوغزالة”، وقال له ماذا تفعل في “مصر” ؟ تدرس هنا ؟ مكانك مع المقاومة الفلسطينية. وبالفعل شد “مازن” رحاله وانضم للمقاومة الفلسطينية؛ وكان من أوائل من إستشهدوا من منظمة (فتح).

    كما يحكي “الورداني” في واحد من كتبه الأخيرة: (الإمساك بالقمر)، وهو بمثابة سيرة فكرية سياسية له ولجيلنا، عن “يحيى” أيضًا، وقد عكس جانبًا من شخصيته، خاصة الورطات التي وضع فيها بعض أصدقاءه دون أن يشعر أنه قد فعل شيئًا لم يكن منتظرًا ولا متوقعًا. وقد صوره “الورداني” تصويرًا دقيقًا بنزواته، وعواصفه الغاضبة، وفرديته الجامحة، وإعتداده بنفسه، وثقل وطأته على أصدقاءه، وتقديسه لإله الخمر اليوناني؛ “ديونيسوس”، وجمال أدبه الباقي.

    حين أفرج عن المعتقلين زارني “يحيى” مباشرة وأخطرني بأنه ترك عنواني لدى المباحث العامة كمكان لإقامته، لأنه لم يشأ أن يكتب عنوان “الأبنودي” ولا أن يتطفل على أي أحد آخر. ولابد أن أشدد على أنه أن لم يكن أخبرني لم أكن لأعلم بذلك؛ وهو ما يُدلل على أن الأمر يدخل في إطار تقديراته الخاصة الاستثنائية، ونزوعه أحيانًا لاستخدام حقوق أصدقاءه. وكان فرحي بخروجه مع الأصدقاء المعتقلين أقوى من إستيائي لترك عنواني لديهم.

    وحين اعتقلت لأول مرة؛ في آيار/مايو عام 1968، مع “محمد عبدالرسول”، و”صلاح عيسى”، و”أحمد الخميسي”، في أعقاب مظاهرات شباط/فبراير من نفس العام، وكنت مازلت أصعد درج مبنى المباحث العامة بـ”لاظوغلي”، فوجئت بمن يهبط من أعلى الدرج ليسألني: (أنت اللي خبيت يحيى الطاهر عبدالله ؟)؛ فأجبت عفويًا وقد فوجئت تمامًا: (يحيى الطاهر عبدالله مين ؟)، فأردف بغضب: (كنت عارف أنك حتقول كده). وكان هذا الشخص هو المقدم “منير محيسن”؛ الذي لخص بفظاظة ودونية سمات الجهاز النموذجية في عهد “مراكز القوى”؛ تحت قيادة “شعراوي جمعة” آنذاك.

    كان “التنظيم الشيوعي المصري” قد تأسس في 8 كانون أول/ديسمبر 1969. وكنت قد نلت عضويته أثناء اعتقالي. وبدأت على الفور في النشاط الحزبي مع “خليل كلفت”؛ الأمر الذي أدى لتباعد لقاءاتنا مع “يحيى”. ورغم ميوله واتجاهاته السياسية لم نفاتحه في وجود التنظيم أو نفكر في ضمه لتعذر خضوعه لأي انضباط حزبي.

    حين تزوج “يحيى” من أخت الدكتور “عبدالمنعم تليمة”، أستاذ الأدب المعروف لم أحضر و”خليل كلفت”؛ زفافه في آذار/مارس 1975، فقد كنا معتقلين بـ”سجن الحضرة”؛ بـ”الإسكندرية”، على ذمة قضية أمن دولة. وبعد الإفراج عنا على ذمة القضية صُدر قرار حزبي بضرورة اختفاءنا من الحياة العلنية وممارسة النشاط السري.

    التقيت به بعدها بفترة طويلة؛ وكنت قد بدأت التواجد علنًا بقدرٍ ما. زارني في بيت والدتي وكانت رواية: (الدُف والصندوق) قد صُدرت في “العراق”، فأهداني نسخة منها، وقد كتب عليها: (إلى صديقي سعيد العليمي الطاهر النقي)، وقد أهديتها إلى ابنته؛ الدكتورة “أسماء يحيى الطاهر عبدالله” – أستاذة المسرح بجامعة “حلوان”. وكان قد أسمى إحدى شخصيات روايته: (الطوق والأسورة)؛ “الشيخ العليمي”، تكريمًا ليّ كما قال.

    كان آخر لقاء لنا في أواخر السبعينيات وحدثني عن مشاكل بينه وبين صهره؛ الدكتور “تليمة”، الذي انتمى إلى ما يُسمى: بـ”التيار الثوري” وقتها، وكان اتجاهًا مواليًا تمامًا ومدعمًا لـ”أنور السادات”، الذي انتفض الشعب ضده في انتفاضة كانون ثان/يناير 1977. ولم يقبل “يحيى” ضغوط بعض أعضاءه في قبول الانضمام إليه، ولم يكن “يحيى” بتكوينه وبفكره السياسي الذي رفض كل تجليات النظام الناصري لينصاع لما يُخالف معتقده؛ حتى وإن حاول البعض تنغيص حياته الخاصة بسبب ذلك.

    علمت بالحادث الأليم الذي رحل فيه “يحيى”؛ في 9 نيسان/إبريل 1981، من الصحف عندما؛ (تمكن الموت من الريح)، على حد قول “الأبنودي”.

    ولابد أن أردد الآن مع “يحيى” ما ورد في قصته: (شموس): (والأيام التي مرت من العصي أن تعود: هذا ما يُحزنني).

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا