الجمعة 2 ديسمبر 2022
17 C
بغداد

    علم نفس(6) ميلاني كلاين.. تميزت في دراستها للتكوين النفسي للطفل

     

    خاص:إعداد- سماح عادل

    “ميلاني كلاين” محللة نفسية نمساوية الأصل تنحدر من أسرة يهودية، اتجهت في أبحاثها نحو دراسة التكوين النفسي للأطفال، وكان لها طريقة مميزة عن “فرويد”، لم تدرس علم النفس أو الطب النفسي، وبالصدفة قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى قرأت مقالاً ل”فرويد” وشغفت على أثره بالتحليل النفسي، وبدأت تتعلم على يدي “ساندوز فيرينزي”.

    نمو الطفل..

    كتبت بحثها الأول عام 1921 بعنوان نمو أو نشوء الطفل، ثم دعاها “كارل ابراهام” إلى برلين فاستقرت بها لفترة من الزمن، وطلقت من زوجها، وكرست نفسها لممارسة التحليل النفسي متأثرة ب”ابراهام” وكتاباته، وخضعت للتحليل يومياً بإشرافه، وبعد وفاته استمرت في تحليلها لنفسها يومياً، عام 1925 دعاها “ارنست جونز” لإلقاء محاضرة في لندن وفي عام 1926، قبلت دعوة للبقاء في لندن والعيش فيها، واتسعت أبحاثها فيها رغم أن أبحاثها بقيت موضع جدال إلا أنها أثرت على كافة المحللين النفسيين في بريطانيا وبسببها تميزوا عن غيرهم وأصبح لديهم مدرسة تدعى بالمدرسة البريطانية في التحليل النفسي.

    ورأت “ميلاني” أن القلق عند الأطفال وخيالاتهم يمكن اكتشافها من خلال مواقف التحويل التي يظهرونها، ووصفت طريقتها التحليلية هذه في كتابها التحليل النفسي للأطفال عام 1932 وهدفت من خلاله إلى خلق منهجاً تحليلياً خاصاً بالأطفال كالمنهج الذي أتى به “فرويد” مع الراشدين، وصممت من أجل ذلك حجرة خاصة بسيطة الأثاث وزودتها باللعب والدمى البسيطة ومهمتها فقط المراقبة، فالطفل هو من يختار ألعابه وطريقه تعامله مع هذه الألعاب والدمى، والواضح أن اللعب هنا يستعاض فيه عن الحديث والكلمات عند “فرويد” مع الراشدين.

    وركزت “ميلاني” على أوجه القلق عند الطفل وطرقه في الدفاع عن نفسه إزاءها، ووجدت أن ما ذكره “فرويد” عن الأطفال يبدأ معهم في سن مبكرة عن السن التي حددها، فإحدى مريضاتها كانت طفلة بعمر سنتين وتسعة أشهر ولديها أنا أعلى قوية جداً و”فرويد” يعتقد بعدم وجودها قبل الخامسة من العمر، وكان للطفلة علاقات أوديبية مع والدها و”فرويد” يعتقد أن عقدة أوديب لا تتكون قبل 3-4 سنة من العمر.

    كما أن “ميلاني” بينت أن العنف والقسوة لهما دور أكبر في تكوين الطفل مما اعتقده “فرويد”، وكتبت عن نظرية القلق والذنب وربطت بين أقوال “فرويد” و”كارل ابراهام” في موضوع تكوين الأنا الأعلى، كما اعتبرت أن الحسد هو المصدر الأول للعنف عند الطفل المتوجه بالأساس نحو الأم وثديها، واعتبرت أن هذا الحسد العنيف هو المسئول عن عجز الطفل عن الحب وإظهار الامتنان لما يقدم له.

    وفي هذا الصدد تقول “ميلاني كلاين”: “إنَّ الأنا، ومنذ البداية، قادرة على معاناة القلق، وعلى استخدام ميكانيزم (آليّة دفاع) وإقامة علاقات أولية. تتكوَّن الأنا باكراً وجزء كبير منها غير منتظم (أي لاشعوري) على الرغم من نزوعها نحو التكامل”.

    أسَّست “ميلاني كلاين”، مع عالم النفس “آرنست جونز”، ما بات يُعرَف لاحقاً بالمدرسة البريطانية في التحليل النفسي، أو “التحليل النفسي الكلايني” كما يُسمّيه تلامذتها. حصل كلّ ذلك بعد أول محاضرة لها ألقتها في لندن بدعوةٍ من “جونز” نفسه.

    وبذلك وجدت “كلاين” التطورات التي اعتبر “فرويد” إنها تحدث للطفل في المرحلة الأوديبية (3 – 5 سنوات) تحدث في الواقع في السنة الأولى من حياة الطفل. كما توصلت إلى نتائج مثيرة للجدل ومنها أن خيال المولود أو الطفل الصغير يدور حول ثدي الأم وأعضائها التناسلية ورغبته في تدمير ثديها.

    ولم تقتصر “كلاين” في تحليلاتها على الدوافع الغريزية والصراعات الداخلية لدى الطفل، بل اهتمت أيضاً بالروابط العاطفية بين الطفل والعالم الخارجي، خصوصاً مع أمه، حيث وجدت أن علاقة الأم والطفل علاقة تجمع بين الحب والكراهية في آن واحد.

    من أهم أعمال “كلاين”: التشخيص بواسطة اللعب عند الأطفال والمراحل المبكرة لعقدة أوديب. وكتاب “الحسد والعرفان بالجميل”. وكذلك كتاب “الحب والكراهية” الذي شرحت فيه عمليات النمو البدئي في حياة الطفل الذهنية والوجدانية. وأوضحت كيف أن الحسد هو المصدر الأساسي للعنف لدى الأطفال. وكيف أنَّ المبالغة في هذا الحسد يؤدّي في المستقبل إلى إنتاج أشخاص عاجزين عن الحب، وعاجزين حتى عن الشعور بالامتنان! وكيف يمثّل اللعب الوسيلة المثلى للتواصل مع المحيط، حيث يلعب الطفل ليقدّم ذاته للعالم، وألعابه التلقائية هذه هي نواقل صراعاته وأحاسيسه ودوافعه الداخلية.

    وككلّ باحث سيكولوجي كان ل”كلاين” رأيها الخاص في الهستيريا والوساوس التسلطية، حيث رأت بأنه لا يجوز دراسة الحالة الهستيرية لأيّ فرد بمعزل عن وساوسه القهرية. وكأنها بذلك تمنح الوسواس الصفة المميزة لكلّ فرد.

    وحول التقمُّص الإسقاطي تقول: “إنَّ الأساس في آلية التقمُّص الإسقاطي يكمن في قيام الفرد بنقل الجانب السيئ من ذاته وإسقاطه على موضوع في الخارج. مما يُشكّل لديه الحصر والقلق على الدوام كلَّما حضر الموضوع أو تمَّ تخيُّله”.

    التقمص الإسقاطي..

    هو عند “ميلاني كلاين” ميكانيزم أساسي في البناء الشخصي، أي يقوم الفرد بإسقاط شخصيته وذاته داخل الموضوع فبهدف الامتلاك، و التحكم و حتى التدمير.ووصفت “ميلاني كلاين” في كتابها “تحليل الأطفال” عام 1932 هوامات هجومية على داخل جسد الأم وفق اختراق سادي له، لكنها لم تقدم مصطلح التقمص الإسقاطي إلا في مرحلة متأخرة من عام 1946 للدلالة على شكل خاص من التقمص الذي يرسخ النموذج الأول للعلاقة العدوانية مع الموضوع.

    و يلخص التقمص الإسقاطي في شكل وضعية ذات صلة وثيقة مع الوضعية الشبه فصامية عن طريق إسقاط هوامي للجسم أو جزء منه داخل جسد الأم، و هذا الهوام يكون مصدر لأنواع كثيرة من القلق مثل قلق الاحتجاز أو فوبيا الأماكن المغلقة. وترى كل من “ميلاني كلاين” و “جوان رفيير” أن هوام التقمص الإسقاطي يظهر كثيرا في فئات مرضية مثل الفوبيا. والأساس في التقمص الإسقاطي يكمن في أن الفرد ينقل الجوانب السيئة من ذاته ويسقطها على الموضوع مما يشكل لديه قلق كلما حضر الموضوع أو تم تخيله.

    تنظيم الأنا..

    ينطوي المفهوم من وجهة نظر “كلاين” على درجة من تنظيم «الأنا» أعلى من درجة التنظيم التي يفترضها “فرويد”، كما أن الأنا منذ الولادة قادرة على أن تعاني القلق، وأن تستخدم آليات الدفاع، وتقيم علاقات أولية مع الموضوعات في الاستيهام وفي الواقع. أي إن «الأنا» تتكوّن تكوّناً مبكراً، وهي غير منظمة في جزء كبير منها، مع أنها تميل منذ الولادة إلى التكامل، ومنسجمة مع كل اتجاه للنمو الفيزيولوجي والنفسي. كما أن الأنا تسقط في الخارج جزءاً من الليبيدو (الطاقة النفسية الجنسية كما ذكرها فرويد) وما يبقى منه (الليبيدو) يستخدم لإقامة علاقة ليبيدية بالموضوع المثالي. وعلى هذا النحو يكوّن الأنا علاقة بموضوع (الثدي) الذي ينقسم في هذه المرحلة إلى موضوعين هما: الثدي المثالي والثدي المضطهِد، وتُنتج التجارب مع مصدر الحب والغذاء وهو الأم الحقيقية استيهام الموضوع المثالي وتؤكده، وينجم استيهام الاضطهاد أيضاً عن التجارب الفعلية؛ تجارب الحرمان والألم، ولكن الطفل يستشعرها وكأنها آتية من الموضوعات المضطهِدة.

    وكانت ترى أن الألعاب التلقائية للطفل تظهر صراعاته وأحاسيسه وميوله، وهي بالتالي بديل ذو قيمة لتداعي الأفكار الذي يُعتمد في تحليل الراشدين، كما عدّت أن خوف الطفل من هجر أمه له هو المسئول عن عدد من اضطرابات الشخصية لدى الأطفال والبالغين.

    عرضت “كلاين” أفكارها حول جنسية المرأة فيما يتعلق بعقدة أوديب لدى البنت والصبي التي تطرق إليها “فرويد” في محور نظريته عن النمو النفسي الجنسي لدى الكائن البشري، إذ رأت في هذا الأمر أنه يعود إلى طبيعة علاقة الطفل بالأم.