علم نفس (15).. دراسة سلوك واستجابات الحيوانات أفادت كثيرا

الثلاثاء 14 نيسان/أبريل 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

 

خاص: قراءة – سماح عادل

نواصل القراءة في كتاب (علم النفس في القرن العشرین.. الجزء الأول)  للكاتب “د. بدر الدين عامود”، والذي يعد مرجعا هاما في فهم مصطلح “علم النفس”.

علم نفس الحيوان..

إن إحدى الحقائق العامة أن علـم النفس عامة، وعلم النفس المقارن وعلم نفس الطفـل وعلـم الـنفس التعليمـي خاصة، مدينون لأولئك الذين عملوا بدأب كبير وصبر جميل ضـمن ظـروف صعبة وعلى امتداد عقود طويلة. ونقصد العلمـاء الـذين اتخـذوا مـن حيـاة الحيوانات وسلوكها ميداناً لبحوثهم، واستطاعوا جمع معطيـات وفيـرة حـول مراحل تطورها ومميزات سلوكها في كل مرحلة، وتوصلوا إلى القوانين التـي يخضع لها تفاعلها مع العالم الخارجي وعلاقاتها بعضها ببعض داخـل الجـنس وخارجه في شتى المواقف الحياتية. فكان لعملهم هذا الفضل في ولادة فرع من فروع علم النفس، وهو علم النفس الحيواني، مثلما كان له شرف المشاركة فـي النهوض بالفروع المجاورة.

ومن المعلوم لدى المختصين بعلم الحيوان والمهتمين بمعرفة أنماط الحيـاة عند الحيوانات على اختلاف أنواعها أن مثل هذه البحوث ظهرت قبل الإعـلان عن ظهور نظريات التطور، وأنها، ضمن المجرى العام للتقدم العلمي، جمعـت مادة ثرية أفادت بها واضعي هذه النظريات. وبالمقابل فإنها عرفـت، بـدورها، تطوراً ملحوظاً على مستوى الأداة والمحتوى بعد انتـشار الأفكـار والمفـاهيم التطورية. ولا سيما الداروينية منها.

لقد ذكرنا أن آليات السلوك عند الكائنات الحية كالغرائز والانفعالات. بـل وحتى القدرات العقلية احتلت مساحة هامة في أعمال داروين. ومن خلال طرح هذه الموضوعات ومعالجتها أكد داروين أن نشوء الوظائف وارتقاءها، كظهـور الأعضاء وتطورها، يمكّنان الكائن الحي من الصمود في صراعه المستمر مـع العالم الخارجي. ومن أجل ذلك جمع كماً ضخماً من المعطيات التي استمدها من قراءاته ومشاهداته الخاصة. فزيادة على كونه قارئاً ممتـازاً وناقـداً منهجيـاً، عرف بملاحظته الدقيقة، وإمكانيته الكبيرة على رصـد الحـوادث والظـواهر وتبويبها وفق قواعد ومقاييس موضوعية.

ولهذا يكاد يجمع مؤرخو علم الـنفس على فعالية الدور الذي نهض به داروين على صعيد إدخال طريقـة الملاحظـة الموضوعية إلى الميدان السيكولوجي. ويدعمون موقفهم هذا باستعراض الكثيـر من الدراسات التي أجريت بعد صدور مؤلفات داروين، وخاصة كتابه “التعبيـر عن الانفعالات عند الحيوانات والإنسان”. وتناول أصحابها فيها سلوك الحشرات والطيور والأسماك والقطط والقردة وغيرها. ومنها دراسة سـبولدنج للـسلوك الغريزي عند الطيور، فقد لاحظ أن صغار الطيور لا تحتاج إلى مراقبة كبارها أو إلى تدريبات خاصة لتعلم الطيران. وأنها تتمكن منه حالما تنضج عـضويتها وتصبح قادرة عليه.

ولعل جون رومانيس (١٨٤٨-١٨٩٤) هو واحد ممن تحتل مؤلفاته مكانة مرموقة في قائمة الأعمال التي وضعها أولئك المؤرخون. فقد كتب هذا الباحـث ثلاثة كتب، كرس الأول للحديث عن “ذكاء الحيوانـات”  ١٨٨٢. وركـز فـي الثاني على “تطور الذكاء عند الحيوانات”  ١٨٨٣. وانتقل فـي الثالـث ليعـالج “تطور الذكاء عند الإنسان”  ١٨٨٧. ويتضح من خلال هذه العنـاوين اهتمـام رومانيس الكبير بالقدرات النفسية عند الحيوانات والإنسان. ولعل أهم ما عـرف به هو تصوره لتلك القدرات باعتبارها خطاً متصاعداً تمس نقاطـه المـستويات الحيوانية والمستوى الإنساني سواء بسواء. فهي، أي القدرات، أدوات الكائنـات الحية والإنسان، كل من موقفه ودرجته على سلم التطور، فـي عمليـة التفاعـل الجارية مع العالم الخارجي.

ويعني ذلك أن الـذكاء هـو سـمة عامـة لـدى الحيوانات والإنسان. والفرق الذي نلحظه بين ذكاء الإنسان وذكـاء الحيـوان، حسب تصوره، ليس فرقاً نوعياً، وإنما هو فرق كمي. ويعزو خطأ الآخرين في تقدير هذا الفرق إلى نتائج المقارنة الحسية التي يعقدونها بين إمكانيات الإنـسان المعاصر وقدراته مع ما يقابلها لدى الحيوان. إذ أن في مثل هذه الحالة سـرعان ما يقف المرء على عدد عديد من الصفات المتباينة بين موضـوعي المقارنـة، مما يقوده إلى الحكم لصالح وجود فوارق نوعية فيما بينها.

ويرى أن الصورة تختلف كثيراً فيما لو تمت مقارنـة الإنـسان البـدائي بالحيوانات الراقية، أو الطفل بالقرد. ففي اعتقاده أن الباحث يجد نفسه هنا أمـام صفات متشابهة لدى الطرفين أكثر بكثير مما يلقاه من فـروق بينهمـا. وهـذه الأخيرة، إن وجدت، فإنها لا تتعدى حدود الكم. لقد جمع رومانيس عدداً ضخماً من الأدلة عن طريق ملاحظاتـه اليوميـة وملاحظات الآخرين من أجل الدفاع عن أفكاره وتصوراته. إلا أن هذه الأدلة لم تكن مقنعة بالقدر الكافي بسبب افتقار طائفة منها إلى الدقة والموضوعية. وكـان ذلك ثغرة نفذ منها نقاده، وراحوا يطعنون بصحة منهجه وبالوقائع التي حـصل عليها بوساطته.

وفي هذا يقول فلوجل: “… جمع ذلـك الباحـث (رومـانيس- ب.ع) كمية هائلة من الوقائع عن طريق ما سمي بعد ذلـك بمـنهج الحكايات، أي الاعتماد على التقارير العرضية حول سلوك الحيوانات. ولما كان الكثير من هذه التقارير يأتي من ملاحظين غير مدربين ذوي نظرة غير نقديـة، فإنه من الواضح أنهم قد يتعرضون في بعض الأحيان لكافة مخاطر الملاحظـة الخاطئة، من إهمال في الوصف وتحيز في التفسير، وبالذات في اتجاه اسـتقراء دوافع وعمليات فكرية إنسانية في الحيوان”.

والواقع أن أفكار رومانيس الطبيعية ونظرته الآلية إلـى تعاقـب مظـاهر النفس ووحدتها عبر عمليات نشوء الأنواع الحيوانية وارتقائها هي التي كانـت هدف تلك الحملة من الانتقادات الموجهة إليه. وفي ضوء ذلـك يمكـن معرفـة مصدرها والهوية الفكرية لأصحابها. فإذا كان رومانيس من دعاة التشديد علـى التشابه والتماثل بين سلوك مختلف الأنواع، فإن خصومه ونقاده هم المتـشددون في إبراز الاختلافات والتباينات العميقة القائمة بين سلوك أفراد أي نوع حيواني ونوع آخر. ومن أبرز هؤلاء مورغان.

عمل لويد مورغان (١٨٥٢-١٩٣٦) أستاذاً لعلم الحيوان والجيولوجيا فـي

مدينة بريستول بانكلترا. وأسهم بقسط وافر في تطور علم النفس المقارن، حيث نشر كتاباً عام ١٨٩٤ تحت عنوان “المدخل إلى علم النفس المقارن”. ويعـرف مورغان بأنه صاحب قانون الاقتصاد في عالم الأحياء، الذي اشتهر بقانون لويد مورغان. وبموجب هذا القانون فإنه لا يجوز تفسير سلوك الحيوان انطلاقاً مـن قدرة نفسية عليا، إذا كان بالإمكان تفسيره على أساس قدرة تقع على درجة أقـل في سلم الارتقاء النفسي.

ولكي يدلل على صحة هذا القانون، اسـتخدم المـنهج الموضوعي والملاحظة المستمرة في جمع المعلومات عن تصرفات الحيوانـات في مواقف طبيعية ومصطنعة مختلفة. وأخضع مشاهداته إلـى تحليـل دقيـق ومقارنة تفصيلية وشاملة، خلص من خلالهما إلى القول بوجود وسـائل نفـسية متعددة تتوسط علاقة الحيوان بمحيطه، ولكنها غير كافية لتـسبغ علـى أفعالـه طابع التعقل والوعي.

فالحيوان، للمثال، لا يتمكن من حل المشكلة التي تعترضه إلا بعد سلسلة من المحاولات يختبر من خلالها إمكانياته المتعـددة علـى نحـو اعتباطي. بيد أن ذلك لا يعني أن مورغان يفـسر الأفعـال التـي تقـوم بهـا الحيوانات من أجل الوصول إلى هدف معين تفسيراً آليـاً، أو أنـه يرجعـه أو يختصره بالاستجابات العشوائية والعمياء. إنه يطرح المحاولة والخطـأ كآليـة تنظم السلوك الحيواني لحظة اختيار الأداة والأسلوب فـي المواقـف الجديـدة، وتجعله مختلفاً عن سلوك الإنسان الذي يتسم بالعقل والفهم.

وفي الفترة التي رأت فيها مؤلفات رومانيس النور ظهرت أعمال أخـرى في علم النفس المقارن وعلم نفس الحيوان. فقد لفت نمط الحياة الجمـاعي عنـد الحشرات والطيور انتباه الباحثين، أمثال د. ليبوك وج. فابر، ومن ثم أ. فوريل.

وقبل هؤلاء تحمل مسؤولية دراسة سلوك تلك الحيوانات. فكان أن نشر ليبـوك كتابه “النمل والزنابير والنحل” في سنة ١٨٨٢، وفـابر “مـذكرات فـي علـم الحشرات” بين عامي ١٨٨٠ و١٩٠٤، وفوريل “تجارب وملاحظات نقدية حول الإحساسات عند الحشرات” في سنة ١٨٨٧.

وبعد انتشار أفكار مورغان التي عرضها في كتبـه “المـدخل…” و”حيـاة الحيوان والذكاء”١٨٩٠ و”سلوك الحيوان”١٩٠٠، قام العالم الألمـاني جـاك لوب (١٨٥٩ -١٩٢٤) بدراسة سلوك الحيوانـات وحيـدة الخليـة مـستخدماً الطريقة التجريبية. فقد كان يدخل تغييرات كيميائيـة أو فيزيائيـة علـى بيئـة الحيوان بتسليط ضوء قوي عليه أو رفع درجة حرارة الماء الذي يوجد فيه حيناً وخفضها حيناً آخر، أو إضافة محلول كيميائي إلى الماء… الـخ، ثـم يراقـب استجابة الحيوان على تلك التغيرات.

وعقب مجموعـة كبيـرة مـن التجـارب توصل إلى صياغة نظريته المعروفة بالانتحاء Tropisme التي تشبه الحيـوان بجهاز يستجيب للمثيرات الخارجية (الفيزيائية والكيميائية) بصورة آلية. إن نظرية الانتحاء تعكس التزام لوب بتعاليم مدرسة شيف التـي تخـرج منها. ويتجلى ذلك عبر شفافية المبدأ الذي اعتبر منطلقاً لممثلي هذه المدرسـة، ومفاده أن النشاط العصبي يخضع لقوانين الحركة الآلية. ولا يحمل هذا المبـدأ أي جديد. فهو يجسد نفس النظرة التي وجدناها عند ديكارت وغاليله وهـارتلي وسواهم.

والاختلاف الذي يمكن أن يكون بين تفسيرات هؤلاء جميعاً يكمن فـي التفاصيل التي تمليها معطيات العلم والمشكلات التي يطرحها العصر في ضـوء حجم تلك المعطيات ونوعها. فالتقدم العلمي على صـعيد الظـواهر الفيزيائيـة والكيميائية والحيوية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بالإضـافة إلـى ظهور فكرة وحدة العالم العضوي، حدا ببعض الباحثين إلى البحث عن مقدمات أو أصول سلوك الحيوانات الراقية والإنسان في سلوك الحيوانات الدنيا. وهو ما فعله لوب حين حاول التوفيق بين آراء داروين والفهـم الفيزيـائي والكيميـائي للحياة.

لم يكن الموقف من نظرية الانتحاء مختلفاً عنه إزاء الكثير من النظريـات التي عرفها علم نفس الحيوان في بداية نشأته. فقد رحب بها بعـض البـاحثين وتبناها البعض الآخر، وسعى إلى تطويرها. ففي ألمانيا نادى كل مـن أ. بيتـي وت. بير وف. إكسكويل بضرورة إعادة النظر في المصطلحات الـسيكولوجية السائدة واستبدالها بمصطلحات فيزيولوجية لتحرير العلم الجديـد مـن النزعـة الذاتية التي يكرسها مذهب الاستبطان. واقترحوا في مقالتهم المـشتركة “ثبـت المصطلحات الموضوعية في فيزيولوجية الجملـة العـصبية”١٨٩٩ إحـلال مصطلح “استقبال” محل مصطلح “إحساس” ومصطلح “تكرار” محل “تـذكر”… الخ. وعللوا اقتراحهم بعدم قابلية الظواهر النفسية للدراسة العلمية الموضـوعية.

وكان بيتي قد طرح عام ١٨٩٨ سؤالاً جعله عنواناً لمقالته “هل يتوجب علينا أن نخلع الصفات النفسية على النمل والنحل؟”. وأجاب عليه بالنفي. فسلوك النحـل والنمل غريزي، يتألف من سلسلة من الاستجابات الآلية، المتعاقبة التي يستدعي السابق منها اللاحق آلياً لدى تأثير البيئة الكيميائية والفيزيائية المحيطة.

لم تحظ نظرية الانتحاء بنصيب كبير من التأييد، ولاقت مع معارضة شـديدة بسبب نزعتها الميكانيكية في تناول السلوك الحيواني ونظرتها إليه باعتباره أقـل تنوعاً وأكثر تشابهاً عند مختلف الأنواع الحيوانية. ومن أشهر معارضيها عـالم الحيوان الأمريكي هـ. س. جينينغز (١٨٦٨-١٩٤٧).

توصل جينينغز من خلال تجاربه إلى القول باستحالة تفسير الاسـتجابات التكيفية للحيوانات الدنيا باستخدام المفاهيم والمقولات الكيميائية والفيزيائية. ذلك لأن العلاقة بين المنبه الخارجي ورد فعل الحيوان ليـست علاقـة تـرادف أو تطابق. فهناك عوامل متممة ومؤثرة تتوسط تلك العلاقة. وكلما كانت العـضوية معقدة، والوسط الذي تحيا فيه سريع التغير والتحـول، ازدادت تلـك العوامـل الوسيطة تعقيداً وتغيراً وغنى.

 

لقد عمل جينينغز وكثير من علماء نفس الحيوان على حـل مـسائل ذات طبيعة مغايرة لموضوعات اهتماماتهم الأولى. وبغض النظر عن الموقع الفكري لكل منهم، فقد انطلقوا في حل هذه المسائل من التجليات الموضـوعية للنـشاط الحيوي، واتخذوا من طابعها دليلاً على تأثير النظام السيكولوجي إلـى جانـب تأثير النظام الفيزيولوجي. ولا تخفى القيمة المزدوجة لهذا الموقف ودوره في تطور علم النفس. فهـو تشكيك في إمكانية منهج الاستبطان من جهة، وإسهام جدي فـي التأكيـد علـى أهمية المنهج الموضوعي في علم النفس من جهة ثانية. وهذا ما يلمسه المـرء لدى اطلاعه على تعاليم المدرسة السلوكية.

وما دمنا بصدد الحديث عن فضل الدراسات المبكرة لسلوك الحيوان علـى تطور الفكر والمنهج، فإن الواجب يحتم علينا أن نـشير إلـى أعمـال العـالم الفرنسي هنري بيرون (١٨٨١-١٩٦٤) التي تناول فيها الإحـساسات والتـذكر عند الكائنات الحية، ولا سيما اللافقاريات البحرية. ويحتل كتابه “منـاهج علـم نفس الحيوان” الذي صدر عام ١٩٠٤ موقع الصدارة بين تلك الأعمـال. كمـا يلزمنا أيضاً بأن ننوه بالجهود التي بذلها مؤسس علم نفس الحيوان فـي روسـيا ف. فاغنر (١٨٤٩-١٩٣٤) في دراسة الغرائز عند العناكب والنحل والسنونو، وباستنتاجاته التي تعتبر دفاعاً عن دفاعاً عن النظريـة التطوريـة الداروينيـة وانتـصاراً لقوانينها.

 



الكلمات المفتاحية
علم نفس

الانتقال السريع

النشرة البريدية