عالم متشابك (كتابات) تناقشه .. سبايا النساء في أدب نوال السعداوي

الثلاثاء 21 آذار/مارس 2017
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

حاورتها – نجوى المغربي :

سمراء بشعر كالثلج.. البعض يتعوذ من الشيطان حينما يراها، والبعض الآخر يبتسم إكباراً وإعجاباً عند سماعها.. هي المرأة الحديدة تارة, والمرتدة تارة آخرى, والساحرة الشمطاء في رواية ثالثة.. “سيمون دي بوفوار العرب” وألقاب كثيرة تصب جميعها في معنى التمرد والعصيان على “قوالب مجتمعية عديدة متصلبة أصابت النساء فجعلتهن كما هن الآن”، كما ترى الطبيبة أستاذ الجراحة بالقصر العينى “نوال السعداوي”، والأديبة العالمية والمفكرة المترجمة مؤلفاتها لأكثر من أربعين لغة. نالت “السعداوي” كثيرًا من التميز والإنفراد في كتاباتها ومجال مدافعتها عن حقوق المرأة عربيًا ودوليًا، ما أهلها لأختيارها كأهم امرأة حركت العالم في عام 2011، ولازالت تعطى حتى سن الثمانيين.. “نوال السعداوي” عالم متشابك من الأفكار والأطروحات والآراء المجابهة، حاولت (كتابات) قراءتها وتفنيدها معها..

(كتابات): د. نوال السعداوي سبق لها وصدقت السادات حينما قال بوجود معارضة فعارضت وكان مصيرها سجن النساء بالقناطر.. والآن وبعد هذا العمر صدقتِ بوجود حرية فكتبتِ فمنعت كتبك ما الفرق؟

  • هم لازالوا يخافون الحقيقة, فالخوف شئ متجذر.. والإنسان لا يموت في السجن من الجوع أو الحر أو البرد أو الضرب أو الأمراض أو الحشرات, لكنه قد يموت من الانتظار.. الانتظار يحول الزمن إلى اللازمن، والشئ إلى اللاشئ، والمعنى إلى اللامعنى. ولازلت أهتف لا يجب على الرجال أن تؤلمهم الحقائق.. عندما خرجت من السجن تمنيت أن أكتب برقية شكر للسادات فهو من جعلني أحول الألم لعمل إبداعي واستفدت من تجربة المعاناة القاسية في السجن لإصدار كتابي “مذكراتي في سجن النساء” وهو من أهم ما كتب، وكتبته بقلم حواجب وعلى مناديل تواليت تم تهريبها لي من عنبر البغايا.

(كتابات): هل الجرأة تعتبر جينات وراثية؟

  • لا.. العالم من حولنا جبان والأمهات مسؤولات عن تحرير بناتهن.. بالنسبة لي أمى حررتني من الخوف.

(كتابات): لم تأخذ كتاباتك حقها في التداول النقدي الموضوعي – بل تعمد بها التهميش – لماذا في رأيك؟

  • أعتقد أنه التخلف والجهل والتربية.. فمنذ البداية والكل يعمل على قتل الإبداع وقتل التفكير ووأد العقل والعمل على حشوه بمسلمات الخرافة وتجريفه من كل فكر وموهبة.. بداية من البيت والمدرسة والمناهج، لذلك هؤلاء الذين وصفتهم من قبل وصموني بكوني امرأة تكتب عن اللذة الجنسية وتبيح للفظ أن يتجول في الجسد كعربة بلا قيود للسرعة وبلا موانع للأماكن، وعضد قولهم كوني مغضوب علي من النظام أو الأنظمة باختلاف درجات الغضب.. ولذا لم يلحقوني بضفيرة الكتابة الأدبية، ولو فعلوا لما استطاع النقاد مجارة وفهم وتحليل أعمالي. لأنهم يقعون في نفس دائرة الأمراض السابقة أضف إليها إرضاء الحكام. وما يليه من هبات, فهم جوعى للمال والأمان بقرب السلطة وأنا لا أكف عن الإبداع والكشف عن عوراتهم, لذا تجدينهم يستخدمونكِ مادة دعائية أو لإثارة المشاهد بين فواصل إعلانية ببرنامج تليفزيون، لكنى غير عابئة بذلك ومكافأتي حب الناس ومنفعة القارئ.. ولا تؤرقني أبدًا ما يطل من ألفاظ الجنون أو الكفر أو غيرها من مجتمعات تسودها ثقافة العبودية والجمود وأتحداهم أن يفصحوا عن أنفسهم بصراحة وحرية.

(كتابات): ماذا تقول كاتبة في حجمك دفعت الكثير من حياتها لتنهض بالإنسان وبالمرأة التي هي المجتمع؟

  • كرمتني دول العالم.. في أميركا وبريطانيا وغيرها، مع العلم أنني انتقدت الساسة فيها كتوني بلير وأوباما والنظام الأوروبي وسياسة العهر الاقتصادي والتشدق بالحريات التي هم أبعد ما يكونوا عنها وساهمت في الكثير والكثير من أجل العقل والإبداع وحريات الإنسان، ولكنى كنت أشعر بالحزن والأسف الشديد لأني خارج بلادي التي عرضت عليها أن أدرس مجانًا للطلبة فرفضت.

(كتابات): هل ندمتي يوماً عن خوض كل تلك الحقول الملغومة والتي دفعتي فواتيرها غالياً لكي تكتفي مثلاً بالكتابة عن الحب والزهور؟

  • أبدًا.. أعطاني الله هبة العقل التي وقفت بها في وجه كل من يكذب ويحقر المرأة ويستغلها وبالعقل أيضاً.. وقفت في وجه الحكام الذين يستعبدون عقولنا التي وهبها لنا الله هبة ومنة منه إلينا.. وسأظل أكتب حتى أحررها.

(كتابات): ماذا تقولي للمرأة التي دللتها وحاربتِ من أجلها؟

  • اعملي وفكري وحرري نفسك وكوني أنتِ ولا تخافي.. وإذا خيرت بين زوجك وعملك اتركي زوجك فوراً فعملك أبقى لكِ.

(كتابات): ما أكثر الشعوب التي تقرأ لكِ؟

  • الشعوب التي تباع فيها النساء كسبايا كالشعب الكردي. هن يقرأن لي بالعربية وبالكردية المترجمة لها كتبي أيضاً.. مثلما يناضلن يقرأن لأنهن مقهورات سبايا الجسد والفكر.. بعضهن صممن لافتات في هوجة حماس بعد قراءة ما كتبت وكتبن عليها “لا لمعاملة المرأة كسلعة” فكان مصيرهن القتل وجهاد النكاح والنفي لصاحبات الحسب منهن.

وقد دعتني السيدة “هيرو” زوجة جلال طالباني.. وكانت من المناضلات من أجل الحرية والعدالة لنفسها ووطنها ورفضت أن تحمل اسم زوجها وكان رئيسًا للدولة, وظلت تحمل اسم أبيها “إبراهيم أحمد”, وأمها الكاتبة “كلاويز صالح فتاح” أهدتني مؤلفاتها المترجمة للعربية ومنها سيرتها الذاتية.

(كتابات): كيف ترين علاقة الكاتب بالقارئ في عالمنا العربي؟

  • الأدب ليس تسلية ولا تشويقًا ولا دعوة ولا حلوى ولا تبشيرًا ولا إجابة.. هو يشتمل على هذا كله في سياق فني مفتوح وربما كان الأدب يدعي ما ليس له أو قد يكون يستحق أكثر مما يدعي ولا يمكن فصله عن الظاهر والخفي والمدرك وما ليس مدركاً.. وإذا كان الأدب من منتصف القرن العشرين ينسب إلى الواقع بتناوله المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والمحرومين من الناس وظروفهم وقضاياهم، وكلما هو صراع نحو التغيير فأرى ذلك مشروعاً جديراً بالاهتمام الفني.. لكنه لا يستغرق الفن ولا يقتصر الفن عليه، فقد أصبحت للواقعية صفات كثيرة خرجت من نطاق الواقعية النقدية والاشتراكية إلى واقعية الفانتازيا، وتجاوز المفهوم السائد السابق.. فالأدب مقوم من مقومات الحياة الإنسانية فإذا ما تناولنا العلاقة بين الأديب والقارئ نجدها علاقة معقدة لازالت في ثقافتنا العربية تحتاج إلى تقصِ اجتماعي وعلمي.. وفي هذا العصر الكتابة متنفس ووسيلة للعبور والتمرد على القمع الذي أصبحت قبضته أكثر إحكاماً، وهنا تتنوع أشكال البوح من إيحاء أو تصريح. وهى قوية وموجودة بهامش معين من الحرية لو حصلنا على أكثر منه لتغير وضع الكاتب والإبداع، لكنها مازالت عملية صعبة ومعقدة أما كتاب الغرب فقد دفعوا ثمنها بالسجن كفولتير وأوسكار وايلد وبودلير ولورانس.. فالسياق الحضاري والثقافي هو الذي يحكم على الأوضاع.

    في مرحلة الشباب

(كتابات): هل الفكر وراثة؟

  • أبي لم يحجبني ولم يفرض علي أمرًا.. وكان دائماً ما يقول لي: الإيمان بالوراثة.. يجوز أن أرث الفكروقد أخلق فكرًا جديدًا فريداً وفقًا لقناعتي.

(كتابات): من ماذا تخجلين؟

  • لا أخجل.. لا من شعري الأبيض ولا من تجاعيد وجهي ولا أضع الحجاب أو أستخدم المكياج.

(كتابات): ما هو الإبداع عندك؟

  • القدرة على رؤية التناقضات.

(كتابات): ماذا أضافت نوال السعداوي كروائية للطبيبة المفكرة المناضلة الجسورة.. أم لعلك ترين الأخيرة هي من أضافت للأولى؟

  • القدرة علي الاختيار هي الإضافة الأقوى الأعظم.. نحن عائلة نحب ما نختار ونبدع فيه.. الأهم والمحصلة بالنهاية أني سعيدة لأنني اخترت أزواجي وعملي وأختار كتاباتي.. تخرجت في كلية الطب وأعمل بالأدب، وابنتي الدكتورة منى حلمي حصلت على الدكتوراة في الاقتصاد وقامت بإلقائها في القمامة وتفرغت للشعر، وابني عاطف تفرغ للإخراج والسينما, نحن عائله مجنونة.

جدير بالذكر انه سبق وتم توجيه تهمة الردة للدكتورة نوال السعداوي ونجلتها د. منى حلمي بسبب كتاباتهما حول تكريم اسم الأم, إلا أن كتاباتهما أيضًا كانت سببًا في إصدار قانون للطفل المولود خارج مؤسسة الزواج بالحق في حمل اسم الأم علاوة على حظر ختان الإناث. زمن المعروف ايضاً وضع اسم السعداوي على قائمة الاغتيالات كثيرًا وتم التفريق بينها وبين زوجها قضائياً بالإضافة إلى مواجتها لعدد من قضايا الحسبة وازدراء الأديان.



الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.