عالم آثار مصري : حضارات الرافدين أغنت الإنسانية بموروثٍ ثقافي وعلمي هائل في مجالات كثيرة

الأحد 27 أيلول/سبتمبر 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

* منطقة سقارة المصرية مازالت تحتها مقابر قديمة كثيرة تنتظر الكشف عنها

* النيل ساعد المصريين على الاستقرار وبناء حضارة عظيمة

* “سقنن رع”  أول شهيد في حروب التحرير المصرية

* الحقيقة القائمة في علم الآثار هي لا وجود ماديًا لأيٍ من الأنبياء

خاص : محاورة أعدها – هاشم الشماع :

تصوير : قناة “ناشيونال جيغرافيك”

أكد عالم آثار مصري على وجود آلاف المواقع الأثرية “البكر” التي لم يتم التنقيب فيها بـ”العراق”، بسبب الظروف، التي مرت البلاد.

ووجه “رمضان بدري حسين عبدالعال” – والمعروف بين زملائه في مصر بـ”رمضان البدري”؛ وفي أميركا وأوروبا باسم “رمضان حسين” – النصح للحكومة العراقية أن تعمل على تحويل المواقع الأثرية إلى محميات ثقافية تصونها وتنظم أعمال الحفائر الأثرية فيها وذلك بتشريعات ولوائح صارمة، وعمل خرائط مساحية باستخدام نظم المعلومات لتحديد المواقع الأثرية ومساحاتها، واخضاعها لقوانين الآثار المحلية، التي تحفظها من التعديات والزحف العمراني.

ضرورة الاهتمام الحكومي بالاستكشافات الأثرية..

قال “رمضان” إن على الحكومة العراقية أن لا تغفل الحيز المساحي لهذه المحميات الأثرية في تخطيط مشاريع الدولة المستقبلية، لتكون هذه الخرائط خط الدفاع الأول عن المواقع الأثرية من تجاوز الدولة والأفراد عليها، مشددًا على تجنب الحفائر الأثرية الجائرة وتنظيم عمل البعثات الوطنية والأجنبية بما يضمن التسجيل والتوثيق والحفاظ على المكتشفات، والسماح أيضًا بوجود مساحات كبيرة من المواقع الأثرية لا يمسها الحفر حفاظًا عليها للأجيال القادمة وانتظارًا لتكنولوجيات وتوجهات فكرية مستقبلية تخص علم الآثار.

ونصح أيضًا بأن ينشط الآثاريون العراقيون كثيرًا في التواصل مع الهيئات العلمية الدولية في مسار توفير فرص التدريب لهم وعمل شراكة بحثية فيما يخص أعمال الحفائر والتوثيق والترميم والنشر العلمي.

وأضاف أن هذه الخطوات تمهد، عند استقرار الأوضاع السياسية والاقتصادية في “العراق”، أن يكون العراقيون هم المتحكمون والموجهون لأعمال التنقيب ترسيخًا لاستقلالية قرارهم وملكيتهم لهذا التراث الأثري وعدم تركه مرة ثانية لتوجهات قد تكون مغرضة.

الحفائر غير القانونية..

وعزا “رمضان” مشكلة الحفائر غير القانونية والنقل والإتجار غير الشرعيين بالتراث الأثري المنقول في المجتمعات العربية إلى أبعاد ثلاثة متشابكة: “جذور مجتمعية مترسخة في بلادنا، وأخرى اقتصادية وتجارية في الغرب وبلدان أخرى، فضلاً عن مواثيق دولية في ظاهرها الحيادية ومحاربة هذه التجارة، لكن في باطنها انحيازًا إليها وتقنينًا لها”.

وقال إن الكثيرون يرون أن السبب الأساس لهذه الممارسة هو سوء الأحوال الاقتصادية في مجتمعاتنا، وأن المتورطين فيها مدفوعون بالعوز والفقر ويسعون إلى كسب يخرجهم من الحالة المادية المتردية، لكن حقيقة الأمر إن المتابع لهذا النشاط دوليًا، يتبين له أن من يمارس الحفر خلسة في مجتمعاتنا شبكات إجرامية محلية على اتصال بشبكات دولية أكبر، معتبرًا أن الزعم بأن العوز والفقر هما سبب هذا السلوك الإجرامي هو تسويغ خرجت به أوساط تلقي باللوم على حالتنا الاقتصادية ولا تضع الغرب وبلدان أخرى أمام مسؤولياتهم في تجريم هذه التجارة وتجفيف أسواقها.

وأشار “رمضان” إلى أنه: “مادام الطلب على (السلع) التراثية قائم، بل ومتزايد، ستعمل هذه الشبكات المحلية والدولية دومًا على زيادة المعروض لسد احتياجات هذه السوق الضخمة التي تتمتع باستثمارات هائلة يصعب تخيل حجمها، ذاكرًا أنه وفقًا لأحد التوقعات، فقد بلغ حجم الإتجار بالآثار 20 مليار دولار أميركي خلال الأعوام من 2011 – 2015.

عجز قانوني بمتواطؤ مع فتاوى دينية !

وصف عالم الآثار المصري القوانين والتشريعات في البلاد العربية بالعجز عن مواجهة هذه الممارسات الإجرامية بالإتجار بالآثار والحد منها، في ظل فتاوى دينية تبيح هذا الإتجار وتسبغ الشرعية عليه، ولا شك أن غالبية المجتمع يرى في شيوخ هذه الفتاوى منصفين في وجه تشريعات الدولة، بل يصبح الأمر كارثيًا حين يقفز على السلطة عقول تَحجرَ فكرها وأرتدت مفاهيم هي نتاج قرون إلى وراء، إذ ترى في التراث الأثري أوثانًا يجب تحطيمها أو بيعها لتحقيق نفع مادي لتمويل إرهابهم.

بالرغم من وضوح غرض الدواعش في الإتجار بهذا التراث، كانت أسواق الفن في الغرب وبلدان أخرى مفتوحة ومرحبة، بل وازداد نهمها وطلبها.

يشير “رمضان” إلى أن هذه التجارة في دول السوق تحميها دساتير وقوانين، تدافع في الأساس عن حق مواطنيها في التملك والبيع والشراء، إلى جانب حماية استثماراتهم. ويصعب علينا إقناع المشرعين والحكومات بالتخلي عن مصالح مواطنيها واستثماراتهم والإنحياز كليًا لمكافحة النقل والإتجار غير الشرعيين في التراث الأثري.

ويرى أننا لا نواجه جذور المشكلة الاجتماعية وفتاوى شرعيتها في بلادنا وأسواق الفن باستثماراتها الجبارة فحسب، بل أيضًا نعاني من مواثيق دولية غير مُنصفة، وضعت في غياب تام من القانونيين في بلادنا، فخرجت هذه المواثيق تنظم الإتجار بالآثار ولا تجرمه أو تمنعه تمامًا. فمن بين إشكاليات هذه المواثيق، على سبيل المثال، هو وضع مسؤولية إثبات ملكية الأثر المسروق على عاتق الدولة التي خرج منها (دولة المصدر).

يقول “رمضان”: “تخيل معي أن العراق مثلاً عليه أن يثبت أن القيثارة السومرية بالمتحف الوطني العراقي ملكٌ له في حالة سرقتها ! كما تضع مسؤولية إثبات الملكية دولنا أمام تحديات مادية وتقنية وبشرية تعجيزية، حيث علينا تسجيل آثارنا كلها، وهذا يتطلب بنية تحتية من أجهزة التسجيل وشبكة مخازن حديثة للآثار وتدريب الآثاريين، وذلك كله يحتاج خططًا وجهدًا ووقتًا وبالطبع ميزانيات جبارة لا تقوى عليها حكوماتنا. وحتى إن قمنا بذلك كله وزيادة، لن تتوقف أعمال الحفر الخلسة والنقل والإتجار غير الشرعيين، ذلك لاستمرار الطلب على قطع التراث الأثري في أسواق الفن”.

استراتيجيات حكومية شاملة..

الأمر، كما يعتقد “رمضان”، يستدعي منا أن نضع استراتيجيات حكومية محلية في دولنا لتسجيل الآثار الثابتة والمنقولة، وأن نسعى إلى تعاون بيني لتوحيد هذه الاستراتيجيات، على أن تتبناه منظمة دولية عربية فاعلة، ذات رؤية واضحة لمستقبل الحفاظ على الآثار، كما أن علينا توحيد وجهات النظر بشأن المواثيق الدولية الحالية والإنخراط إيجابيًا في توضيح مواطن القصور القانوني فيها وتطوير مبادرات دولية مشتركة لتعديلها، لافتًا إلى أن هذه الجزئية تتطلب تضافر جهود الدبلوماسيين والقانونين والآثاريين في البلاد ليعملوا في فريق واحد، منوهًا إلى أن: “علينا أن ننقل نقاشات المشكلة من أروقة المنظمات الدولية إلى ساحات إعلامية دولية مُنصفة تساعد على تشكيل رأي عام دولي ضد الإتجار في التراث الأثري، وأن نستغل في ذلك إنحياز الكثير من المنظمات غير الحكومية إلى قضية الحد من النقل والإتجار غير الشرعيين في التراث”، واصفًا هذه المنظمات بأنها تحاول تصحيح التاريخ الاستعماري لدول أسواق الفن في الغرب، وتقاوم هذه أسواق الإتجار بالآثار في بلدان أخرى تسعى إلى شراء تاريخ لها بإنشاء متاحف تقوم على الآثار المنهوبة، وتوضح دور أسواق الفن في تمويل الإرهاب والتطرف عالميًا”.

بين العلم والإيمان..

وعما إذا كان قد وجد خلال بحثه في الحفريات والآثار ما يدل على دين التوحيد أو أنبياء تم ذكرهم في الكتب المقدسة للأديان السماوية، أجاب “رمضان” أن ثمة فرقًا بين الإيمان المطلق والعلم، فالإيمان تسليم والعلم يبدأ بسؤال وشك وصولاً إلى حقيقة نسبية متغيرة. علم الآثار ينطبق عليه كل مناهج العلم، مشيرًا إلى أن المهم أن نضع دياناتنا الإبراهيمية السماوية التوحيدية الثلاثة في نطاق تطور الفكر البشري الديني التراكمي، ولا نتناولها دراسةً وتحليلاً بمعزل عن الديانات الأخرى.

وأوضح أن هناك تشابهًا شعائريًا وطقسيًا كبيرًا بين الديانات الإبراهيمية وبين ما سبقها وعاصرها من ديانات وضعية، خاصة فيما يتعلق بالتقرب إلى الإله بالصلاة والقرابين والأضاحي وغيرها من طقوس وممارسات دينية.

وقال عالم الآثار المصري: “كانت في مصر القديمة تعددية إلهية، لكن مع أفكار دينية شاملة جامعة فيما يشبه التوحيد الفكري، كما كان هناك من التسامح الديني والتقارب الفكري أن دمج المصريون آلهة كثيرة في إله واحد، إما لغرض لاهوتي توحيدي أو لغرض سياسي ديني يمنح لإله ما قوة بإرتباطه بآخر أقوى تأثيرًا وأقدم تاريخًا، مبينًا أن محاولات التوحيد تتجلى في دعوة الملك إخناتون أن آتون إله الشمس هو الإله ولا إله غيره”.

وقال: “على الرغم من سمة التوحيد الكبيرة في دعوة إخناتون إلا أن ثورته الدينية سمحت بعبادة آلهة أخرى إلى جوار آتون، ما يدفعنا إلى الإقرار أن الإنسان كان دائم السعي نحو التوحيد إلى أن جاء الهدي السماوي”.

أما عن الدلائل الأثرية للأنبياء، فيوضح “رمضان”: “أن الأنبياء من الأمور الإيمانية المطلقة. نؤمن بوجودهم على الرغم من أن ليس من أثر مادي على الأرض يدل عليهم، حتى النبي عيسى نفسه لا أثر ماديًا له، وتقطع الحقيقة القائمة في علم الآثار بأنه لا وجود ماديًا لأي من الأنبياء حتى الآن، باستثناء النبي محمد لأن من عاصروه عاشوا بيننا حقبة من الزمن وآثاره المادية قائمة تدل عليه، لكننا نؤمن بوجود الأنبياء والرسل ورسالتهم إيمانًا مطلقًا وإن عارضه العلم”.

ورشة “سقارة” للتحنيط..

وحول العمل في ورشة التحنيط المكتشفة حديثًا في “سقارة” جنوب هرم “زوسر” المدرج وهرم الملك “أوناس”، يفيد “رمضان” أن العمل في المنطقة جنوب هرم الملك “أوناس” في “سقارة”، بدأ في آذار/مارس 2016، حيث فيها مقابر كشفها عالم الآثار الفرنسي، “غوستن ماسبيرو”، ما بين 1899م و1902، وترجع إلى عصر الأسرة السادسة والعشرين، حقبة عصر النهضة المصرية. وتحوي نصوصًا دينية مكتوبة على جدران حجرات الدفن.

يقول “رمضان”: “كان اهتمامي كبيرًا بالنصوص الدينية، لذا قررت العمل في ترميم هذه المقابر وتسجيلها تسجيلاً رقميًا ثلاثي الأبعاد مستخدمًا تكنولوجيا الليزر والتصوير الفوتغراميتري، وأثناء عمل الخريطة المساحية لموقع المقابر، اكتشفنا أول ورشة تحنيط على بُعد متر واحد فقط إلى الجنوب من إحدى المقابر التي كشفها ماسبيرو في يناير 1900”.

وأضاف: “بدأت أعمال كشف الورشة وملحقاتها في 2017 واستمرت حتى نهاية 2019، وهي تتكون من ثلاثة مبانٍ أساس مرتبطة بالنشاطات المتعلقة بعملية التحنيط، منها بئر صغير عمقه نحو 13 مترًا، وينتهي بحجرة كبيرة مساحتها نحو 45 مترًا، وهي التي كانت تجرى فيها عملية التحنيط تحت الأرض، وفيها المتطلبات اللازمة كلها للعملية من التهوية من خلال ملاقف الهواء ومن السرير المقطوع في الجبل والذي يتم عليه التحنيط والقنوات، التي يتم من خلالها تصريف سوائل الجسد، كما أن فيها إناء كبيرًا جدًا استخدم مبخرة، يُحرق فيها البخور لأن البخور في هذه الحالة يكون معطرًا للجو فالجسد تنبعث منه روائح كريهة، كما أن البخور يطرد الحشرات التي تعيش على الجثث نفسها، بالإضافة إلى أن للبخور مفاهيم تتعلق بالطقوس والروحانيات حتى يومنا هذا”.

وواصل “رمضان”: “وجدنا بالحجرة كمية كبيرة من الأواني الفخارية من كؤوس، وأطباق، وسلطانيات وجرار، والطريف أن نحو 200 إناء من هذه الأواني عليها كتابات لأسماء زيوت وأصماغ التحنيط، تستخدم خلال الـ 70 يومًا، وهي المدة التي يستغرقها التحنيط”.

وقال: “فوق سطح الأرض وإلى الجنوب قليلاً من البئر المؤدي لورشة التحنيط عثرنا على مبنى مستطيل أبعاده نحو 10 أمتار عرضًا و14 مترًا طولاً. عُرف هذا المبنى بخيمة التطهير حيث يتم تجهيز المومياء ولفها وإعدادها للدفن”.

وأضاف: في قلب مبنى خيمة التطهير عثرنا على بئر أبعاده 3.5 مترًا عرضًا و3 مترًا طولاً و30 مترًا عمقًا، استخدم كمقبرة عمومية لأفراد حُنطوا بالورشة، وتشتمل هذه البئر على 6 مقابر منقورة في جدرانه الصخرية على أعماق متفاوتة، تم العثور داخلها على 54 مومياء وتوابيت حجرية ضخمة والعديد من الأواني المرمرية لحفظ أحشاء الموتى والمعروفة باسم الأواني الكانوبية، وتماثيل من الفاينس (القيشاني)، بالإضافة الى قناع مومياء نادر جدًا من الفضة المذهب، وهو ثالث قناع من نوعه يكتشف في مصر والأول منذ آخر اكتشاف سنة 1939.

وأشار “رمضان” إلى أنه: “على الرغم من انتهاء أعمال الكشف والتسجيل لكل حجرات الدفن في ورشة التحنيط، فلازال أمامنا عمل كبير للكشف عن المباني المجاورة لورشة التحنيط”، مؤكدًا أن منطقة “سقارة”، كانت جبانة العاصمة الإدارية، “منف”، ما يربو على ثلاثة آلاف عام، وهي لم تُكتشف كاملة ومازال فيها الكثير والكثير من مقابر مصرية قديمة في انتظار الكشف في المستقبل.



الانتقال السريع

النشرة البريدية

User IP Address - 2607:fb90:4e9d:dbf:0:11:6ec8:7a01