طبيعة الانسحاب الروسي من سوريا ودلالاته

الأربعاء 08 آذار/مارس 2017
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

ثمة عدد من المؤشرات على أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قرر سحب معظم قوات من سوريا قبل ساعات فقط من الإعلان عنه. شاركت في اتخاذ القرار مجموعة صغيرة محيطة بالرئيس الروسي جاءت، مثله، من خلفية استخباراتية، وتؤمن بأن سرية القرارات وإعلانها بصورة مفاجئة يؤكد استقلال روسيا وامتلاكها زمام أمرها.

حقَّقت موسكو بعض أهدافها من العملية السورية، سواء على مستوى الساحة السورية نفسها أو على المستوى الدولي، ولم تحقق أهدافًا أخرى. ولكن استمرار التواجد الكبير، نسبيًّا، في سوريا لم يعد محتمًا، سواء لأن وضع روسيا المالي والاقتصادي لا يدعو إلى الاطمئنان، أو لأن موسكو أدركت أن تحقيق كل أهداف العملية لم يعد ممكنًا، مهما طال أمدها الزمني.

من الواضح أن موسكو تسعى لتقديم صورة صانع الحل والتسوية السياسية للأزمة السورية. وبالرغم من أن بوتين عمل، في خطابه يوم 17 مارس/آذار، على تطمين الأسد، لم يكن خافيًا أن الخطاب حمل أيضًا رسائل لحثِّ الرئيس السوري على أخذ العملية التفاوضية مأخذ الجد.

مقدمة

أُعلن في موسكو، مساء يوم الاثنين 14 مارس/آذار، وبصورة مفاجِئة، أن الرئيس فلاديمير بوتين أصدر أوامره بسحب معظم القوة الروسية الجوية في سوريا. سرعان ما أثارت هذه الخطوة المفاجئة تعليقات واسعة النطاق، داخل روسيا وخارجها. جاء قرار بوتين بعد مُضي أكثر من خمسة أشهر بقليل على بدء العملية الجوية الروسية في سوريا في نهاية سبتمبر/أيلول 2015، في الذكرى السنوية الخامسة لاندلاع الثورة السورية، متزامنًا مع انطلاق المباحثات بين وفدي المعارضة والنظام للتوصل إلى حلٍّ سياسي للأزمة السورية في ما بات يُعرف بـ “جنيف الثالثة”.

هذه قراءة أولية حول طبيعة هذا القرار، والصورة المفاجئة للإعلان، والأسباب التي دعت إليه.

طبيعة الانسحاب

ثمة عدد من المؤشرات على أن قرار بوتين بسحب القوات من سوريا لم يُتخذ إلا في صباح يوم 14 مارس/آذار، وقبل ساعات فقط من الإعلان عنه. ويُعتقد بأن مجموعة صغيرة من مستشاري الرئيس الروسي شاركت في الاجتماع الذي تمخَّض عنه اتخاذ القرار، منهم: وزير الدفاع، ومدير مكتب الرئيس، ورئيس مجلس الأمن القومي، ورئيس الاستخبارات الروسية (FSB). أغلب هذه المجموعة الصغيرة المحيطة بالرئيس الروسي جاء، مثله، من خلفية استخباراتية، ويؤمن بأن سرية القرارات وإعلانها بصورة مفاجئة يعزِّز من صورة القيادة الروسية لدى الرأي العام، ويؤكد استقلال روسيا وامتلاكها زمام أمرها. وليس ثمة شك في أن الطريقة التي أُعلنت بها الخطوة الجديدة خدمت بوتين؛ إذ إن قرار بوتين سيطر على برامج التلفزة الإخبارية، داخل روسيا وخارجها، طوال الساعات التالية للإعلان وطوال اليومين التاليين.

إحدى النظريات التي تم تداولها في تحليلات المعلقين والمراقبين لفهم القرار أنه يعكس اتفاقًا روسيًّا-أميركيًّا حول الطريق الذي ينبغي على عملية التفاوض في جنيف أن تنتهجه؛ بل وحول مستقبل سوريا كذلك. الحقيقة، أن ليس هناك من دليل على الإطلاق على أن واشنطن كانت على دراية بالقرار الروسي قبل الإعلان عنه، أو أن القيادة الروسية شاركت أيًّا من الأطراف الأخرى المعنية بالمسألة السورية في اتخاذه. عندما أُعلن عن القرار، كان المؤتمر الصحفي اليومي للناطق باسم البيت الأبيض منعقدًا بالفعل؛ وعندما وجَّه له أحد الصحافيين سؤالًا حول الأمر، أعرب عن دهشة مفاجئة. ولم يَفُتْ وزيرَ الدفاع الروسي أن يؤكد في مؤتمره الصحفي بعد الإعلان على أن موسكو لم تشرك أي طرف خارجي في قرارها. وحتى الرئيس السوري، بشار الأسد، فقد تم إبلاغه، بلا مبالاة، خلال اتصال هاتفي من الرئيس الروسي، وقبل ساعات فقط من بدء عملية الانسحاب.

يدور السؤال الأول المهم الذي يطرحه القرار الروسي حول طبيعة هذا الانسحاب وحجمه. والواضح، أولًا، أن القرار الروسي لا يتعلق بالقاعدة البحرية في طرطوس، التي ستستمر في أداء مهماتها للأسطول الروسي في المتوسط بلا تغيير يُذكَر، ولا بالخبراء الروس الملحقين بأفرع جيش الأسد. كما لا يمس القرار قاعدة حميميم الجوية كلية، التي يحكم تحولها إلى قاعدة جوية روسية لخمسة وعشرين عامًا اتفاق رسمي مع نظام الأسد. ما يعنيه القرار الروسي هو سحب الكتلة الأكبر من الطائرات والمعدات والجنود والضباط الروس من قاعدة حميميم، وليس جميعهم. ثمة عدد من الطائرات والطيارين والجنود سيبقى في القاعدة، إضافة إلى بطاريات إس 400 المضادة للطائرات، التي نشرها الروس في الشمال السوري بعد أسابيع قليلة من بدء عملياتهم الجوية.

وقد أشار بوتين في كلمته يوم 17 مارس/آذار، خلال استقباله للعسكريين العائدين من سوريا، إلى استعداد بلاده للعودة إلى سوريا خلال ساعات، بمعنى إعادة بناء القوة الجوية في قاعدة حميميم، إن تطلبت الأوضاع ذلك. ولكن، وبالرغم من هذا التهديد، وبالنظر إلى ردود الفعل الكبيرة التي ولَّدها قرار سحب “معظم” القوة الجوية، فإن السؤال الثاني المهم الذي يطرحه القرار الروسي هو: لماذا قرَّر بوتين اتخاذ خطوته هذه في هذا الوقت؟ للإجابة على هذا السؤال لابد من التذكير بالأسباب التي دفعت موسكو إلى إرسال قوة جوية مهمة إلى سوريا والتورط بصورة مباشرة في النزاع السوري.

محركات التدخل العسكري

اتخذ بوتين قرار المشاركة العسكرية المباشرة والمحدودة في الأزمة السورية في ظل ظروف دولية وسورية خاصة؛ فمن ناحية، كانت روسيا قد خسرت، وإلى حدٍّ كبير، معركة أوكرانيا، وأصبحت ملزمة أمام القوى الغربية، الأوروبية والأميركية، بتنفيذ اتفاق مينسك الثاني حول التوصل إلى حلٍّ للنزاع في شرق أوكرانيا. وقد تسبَّب النزاع في أوكرانيا وقيام موسكو بضم شبه جزيرة القرم في فرض عقوبات مالية واقتصادية قاسية على روسيا، وتراجع كبير في العلاقات الغربية-الروسية. كما أن القوى الغربية أبدت عدم اكتراث واضح لرفض موسكو استمرار توسع الحلف الأطلسي في شرق أوروبا والبلقان. إضافة إلى ذلك، فإن سقوط بعض حكومات دول الثورات العربية والحُكم الأوكراني الموالين لموسكو رسَّب قلقًا عميقًا في أوساط القيادة الروسية من أن الغرب يستخدم نشر الديمقراطية للإطاحة بمن يريد من الدول، مما قد يهدد نظام الحكم الروسي نفسه في المستقبل.

على مستوى الوضع السوري، حققت مجموعات الثوار السوريين تقدمًا مستمرًّا خلال ربيع وصيف 2015 في حربها ضد نظام الأسد، سيما في شمال وجنوب سوريا، إضافة إلى ريف اللاذقية الساحلي. ويُعتقد بأن زيادة كبيرة في الدعم التسليحي من تركيا والسعودية وقطر، إضافة إلى نجاح المجموعات السورية المسلحة في إقامة غرف تنسيق محلية في الجبهات الساخنة، ساعدا معًا على ترجيح كفة الثوار السوريين.

ادَّعى الروس، عندما بدأوا عملياتهم الجوية في سوريا، أن هدفهم هو مواجهة الجماعات “الإرهابية” ومحاصرة خطرها قبل أن يصل الخطر روسيا نفسها. ولكن الحقيقة أن الغارات الجوية الروسية وُجِّهت في معظمها ضد مجموعات الثوار التي توصف عادة بالمعتدلة، وليس ضد تنظيم الدولة وجبهة النصرة، التي تعتبر جماعات إرهابية طبقًا لتصنيف الأمم المتحدة. كما وفرت القوة الروسية غطاء جويًّا لقوات النظام وحلفائه من الميليشيات الشيعية، ولقوات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، ذراع حزب العمال الكردستاني في سوريا.

ما أراد الروس تحقيقه في ساحة النزاع كان إيقاف تقدم الثوار السوريين وحماية نظام بشار من السقوط بقوة السلاح، بعد أن بات ممكنًا في صيف 2015. كما أمَّلوا في أن يستطيعوا تحقيق انقلاب في توازن القوة العسكري على الأرض لصالح النظام وحلفائه. لكن، ومهما كانت طبيعة العملية الروسية في سوريا، فإن أهدافها تجاوزت بالتأكيد الوضع السوري.

ليست سوريا، في نهاية الأمر، منطقة بالغة الحيوية والأهمية في التصور الاستراتيجي الروسي، الذي بُني، ومنذ نهاية التسعينات، على أساس تأمين الجوار الروسي القريب في أوروبا، القوقاز، ووسط آسيا. ولذا، فالأرجح أن بوتين تصوَّر أن العملية في سوريا ستوفِّر له مقعدًا مؤكدًا على مائدة التفاوض حول تقرير مستقبل الأزمة السورية، وتُجبر الغرب على التعامل معه كشريك في رسم الخارطة الدولية، وعلى التفاوض من جديد حول أوكرانيا وملف توسع نطاق حلف الأطلسي.

قياس الإنجازات

في الإعلان الأول عن بدء سحب معظم القوة الجوية من سورياُ، قالت موسكو: إن العملية حققت أهدافها بصورة عامة، وإنها أوقعت هزيمة بالجماعات “الإرهابية”، على وجه الخصوص. وفي خطاب بوتين يوم 17 مارس/آذار، أضاف الرئيس الروسي سببين آخرين لخلفية قراره: الأول: أن تكلفة تواجد القوة الجوية كبيرة؛ والثاني: أن معدل العمليات، بعد وقف إطلاق النار، في سوريا قد تراجع بصورة ملموسة. الحقيقة، أن الأسباب خلف قرار موسكو بسحب معظم القوة الجوية يتضمن بالفعل بعض ما أشير إليه في الإعلان عن الانسحاب الجزئي وفي خطاب بوتين، وليس الكل. كما أن هناك أسبابًا أخرى لم يُصرَّح بها.

كان واضحًا من البداية أن العملية الروسية في سوريا، مهما كانت أهدافها، ستكون محدودة نوعيًّا وزمنيًّا. الرئيس الروسي مسكون بهاجس التورط السوفيتي في أفغانستان، وكان حريصًا على أن لا يورِّط بلاده من جديد في أزمة باهظة التكاليف وبالغة التعقيد؛ وهذا ما جعل التدخل في سوريا مقصورًا على العمليات الجوية، وأن الإعلان عنه في نهاية سبتمبر/أيلول 2015 رافقه التصريح بأن المهمة ستستمر حتى ديسمبر/كانون الأول. لكنْ تراجَعَ الكريملين عن التحديد الأول وقال: إن العملية ستكون مفتوحة زمنيًّا، ربما بتوصية من مستشارين عسكريين. الأميركيون، بالطبع، لم يعارضوا التدخل الروسي، ورأوا أن سعي الروس إلى الحفاظ على نظام الأسد من السقوط يخدم، ولو بصورة غير مباشرة، تصورهم للأمور. خلال 2015، بدأ القلق يتسرب إلى واشنطن حول التوجهات الإسلامية لمجموعات الثوار السوريين وتشظي هذه المجموعات، وما إن كانت قادرة على تشكيل بديل متماسك للنظام ومنع تنظيم الدولة من التوسع في سوريا. ولم تُخْفِ واشنطن الإعراب عن هذا القلق لحلفائها في أنقرة والرياض. مهما كان الأمر، فإن التعاون والتنسيق الأميركيين مع القيادة العسكرية الروسية أثارا المزيد من الهواجس في موسكو بأن الغرب يدفع روسيا نحو الغرق في سوريا.

من زاوية النظر هذه، لابد أن يُعدَّ قرار سحب معظم القوة الروسية من سوريا باعتباره خطوة بالغة الذكاء من قِبل القيادة الروسية، وأن موسكو تجنَّبت بالفعل التورط بصورة عميقة في الأزمة السورية.

بيد أن هذا لا يعني أن موسكو حققت كل أهداف العملية. نجح التدخل الروسي في حماية نظام بشار من السقوط، وأحدث تغييرًا محدودًا في ميزان القوى على الأرض لصالح النظام على حساب قوى المعارضة المسلحة. ولكن موسكو تدرك بالتأكيد أن ليس باستطاعتها مساعدة قوات الأسد على استعادة السيطرة الكاملة على سوريا، بدون تورط روسي عسكري واسع النطاق؛ الأمر الذي عملت القيادة الروسية على تجنبه من البداية. من جهة أخرى، لم يُوقِعِ التدخل الروسي ضررًا بالغًا، لا بالمجموعات المصنَّفة إرهابيَّة ولا بتلك الموصوفة بالمعتدلة. وفي حال توقف الروس كلية عن القصف الجوي وانهارت الهدنة، فمن المشكوك به أن تستطيع قوات النظام الحفاظ على المناطق التي استعادتها من سيطرة مجموعات المعارضة.

على نطاق دولي، ليس ثمة شك في أن روسيا أصبحت طرفًا لا يمكن تجاهله في تقرير مسار الأزمة السورية؛ وهذا في حدِّ ذاته مكسب كبير لسياسة بوتين. ولكن الواضح، في المقابل، أن الغرب فصل من البداية بين سوريا، من جهة، وأوكرانيا وتوسُّع الحلف الأطلسي، من جهة أخرى. لم تزل القوى الغربية مصرَّة على تنفيذ اتفاق منسك الثاني؛ وقد سارع الحلف الأطلسي، حتى بعد بدء العمليات الروسية في سوريا، إلى منح مونتينغرو عضوية الحلف. عادت الاتصالات الغربية المنتظمة مع موسكو، ولكن العقوبات الاقتصادية والمالية لم تُرفَع، ولا حتى خُفِّفت. والأخطر، من وجهة نظر موسكو، أن الميزانية المخصصة لبرنامج “تطمين أوروبا” الأميركي، الذي يتضمن مساعدات عسكرية للدول الأوروبية المجاورة لروسيا ونشر قوات أميركية في هذه الدول، ارتفعت من 700 مليون دولار في العام الماضي إلى ثلاثة مليارات ونصف المليار دولار هذا العام.

بكلمة أخرى، حقَّقت موسكو بعض أهدافها من العملية السورية، سواء على مستوى الساحة السورية نفسها أو على المستوى الدولي، ولم تحقق أهدافًا أخرى. ولكن استمرار التواجد الكبير، نسبيًّا، في سوريا لم يعد محتمًا، سواء لأن وضع روسيا المالي والاقتصادي لا يدعو إلى الاطمئنان، أو لأن موسكو أدركت أن تحقيق كل أهداف العملية لم يعد ممكنًا، مهما طال أمدها الزمني.

تفاؤل حذر

شكَّل قرار سحب معظم القوة الجوية الروسية صدمة لا تُخفَى لنظام الأسد وأنصاره وحلفائه الإقليميين. وقد انعكست هذه الصدمة في تقارير وتعليقات الصحف اللبنانية المؤيدة للأسد وإيران، في اليوم التالي لصدور القرار الروسي؛ كما انعكست على سلوك الوفد السوري في مفاوضات جنيف. وفي الوقت الذي استُقبلت فيه الخطوة الروسية بمظاهر فرح وابتهاج في مناطق سيطرة الثوار في سوريا وفي تصريحات المعارضين السوريين، أعربت واشنطن ومسؤولون أوروبيون آخرون عن ترحيب حذر بالقرار الروسي. وعبَّر دي ميستورا، المبعوث الدولي في مباحثات جنيف، عن أمله بأن تدفع الخطوة الروسية مباحثات الحل السياسي إلى الأمام.

تشير التقديرات إلى أن روسيا ستحتفظ باثنتي عشرة طائرة قاذفة ومقاتلة في قاعدة حميميم، إلى جانب سرب من طائرات الهليوكوبتر، وزهاء الألف من الجنود والطياريين والفنيين. سيكون باستطاعة هذه القوة الصغيرة تنفيذ عدد محدود من المهمات؛ وقد شاركت بالفعل في غارات مساندة لقوات النظام والميليشيات الشيعية المشتبكة مع تنظيم الدولة في منطقة تدمر في 16 مارس/آذار. ولا يُستبعد أن تقوم هذه القوة بمهمات أخرى خلال الأيام والأسابيع المقبلة.

بيد أن الواضح أن موسكو تسعى لتقديم صورة صانع الحل والتسوية السياسية للأزمة السورية؛ وهو الأمر الذي أكَّد عليه بوتين في اجتماعه بوزيري دفاعه وخارجيته لحظة إعلانه عن أمر سحب القوة الجوية الجزئي، عندما قال: إن المرحلة المقبلة تُلقي بمسؤوليات إضافية على عاتق الدبلوماسيين الروس. تعليقات المسؤولين الروس المعارِضة لموقف الأسد المتصلِّب خلال مقابلته مع وكالة فرانس برس قبل أسبوع من استئناف مباحثات جنيف، ولتصريحات وزير خارجيته، وليد المعلم، قبل يومين من انطلاق جنيف، تشير بوضوح إلى أن موسكو تدرك أن ليس ثمة من حلٍّ عسكري للأزمة، وأن التفاوض هو النهج الوحيد الممكن لحل الأزمة. وبالرغم من أن بوتين عمل، في خطابه يوم 17 مارس/آذار، على تطمين الأسد، لم يكن خافيًا أن الخطاب حمل أيضًا رسائل لحثِّ الرئيس السوري على أخذ العملية التفاوضية مأخذ الجد.

كما أن مجمل التصور الروسي لمستقبل سوريا ليس واضحًا بعد. على سبيل المثال، فبالرغم من أن فكرة الفيدرالية وُلِدت في موسكو، عارضت روسيا إعلان حزب الاتحاد الديمقراطي، مساء 17 مارس/آذار، تشكيل إقليم فيدرالي كردي في مناطق سيطرة الحزب. وقالت الخارجية الروسية: إن النظام الفيدرالي يجب أن يُترك لقرار الشعب السوري بكل فئاته، لا لجهة واحدة منفردة. وقد علَّق الأميركيون بصورة مشابهة على الخطوة الكردية. ولكن المؤكد أن موسكو وواشنطن تتفقان حول أن النظام الفيدرالي يمكن أن يكون أحد طرق التسوية السورية.

يعمل الروس، سواء على صعيد التسليح أو عبر جهود خبرائهم العسكريين في سوريا، على استغلال فترة الهدنة من أجل إعادة تسليح وتنظيم ما تبقى من قوات جيش الأسد. وقد تقوم الدول المؤيدة للثورة السورية بجهود مماثلة لإعادة بناء قوات المعارضة، وتسليحها بشكل أفضل، وتشجيعها على توحيد صفوفها لمنع ميزان القوى من الاختلال. في نهاية الأمر، تتساوى في هذه اللحظة، وبالرغم من أجواء التفاؤل التي أشاعتها خطوة الانسحاب الجزئي الروسية، حظوظ نجاح عملية التفاوض وفشلها. وفي حال أخفق المتفاوضون في التوصل إلى صيغة تسوية، ستعود الحرب، ربما بصورة أشد وأثقل وطأة.

المصدر/ الجزيرة للدراسات



الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.