ضربة بلا هوادة… التاريخ السري لقيادة العمليات الخاصة المشتركة

    قراءة في كتاب
    ضربة بلا هوادة… التاريخ السري لقيادة العمليات الخاصة المشتركة
    عصام عباس أمين
    اقتطع المترجم (عمار كاظم محمد) تسعة فصول فقط من ثلاثين فصل من كتاب (ضربة بلا هوادة … التاريخ السري لقيادة العمليات الخاصة المشتركة). وهي الفصول الخاصة بالعراق، واختار لها عنوانا خاصا (التاريخ السري للعمليات الامريكية الخاصة في العراق) للمؤلف والمراسل الصحفي والمؤرخ العسكري الأمريكي من أصل كندي (شون نايلور) الذي صدر في العام 2015… وكنت أتمنى لو كانت الترجمة كاملة للكتاب. فانا ضد أي اقتطاع للنص مهما كانت المبررات. لكن رغم ذلك يوفر الكتاب فرصة ثمينة للغاية للمعنيين بقضايا الامن الوطني للاطلاع على بعض الاسرار التي رافقت العمليات الخاصة بمكافحة الإرهاب في العراق سواء على مستوى القيادة او الاستخبارات او بناء القدرات. وفي تقديري المتواضع بان المفاصل الثلاثة أعلاه لا تزال تحتاج الى المزيد من العمل والجهود لمكافحة آفة الإرهاب وتحقيق أمن مستدام. ولأجل ذلك سيتم التركيز عليها أكثر في هذه الورقة. وقبل الخوض في التفاصيل لابد لنا من تثبيت حقيقتين مهمتين:
    الأولى: ان القوات الامريكية قادرة على تنفيذ أي مهمة… فهي تمتلك القدرات اللازمة لإنجاز أصعب المهام… لكن في الحرب على الإرهاب وتحديدا في العراق… وجدت هذه القوات نفسها في مأزق، كونها كانت تقاتل عدوا شبحيا يجيد إيقاع الخسائر بوسائل بسيطة مثل العبوات الناسفة او العجلات المفخخة او الاحزمة الانتحارية او النيران غير المباشرة وغيرها.
    الثانية: ان الأساليب الإرهابية المتبعة من قبل عناصر القاعدة استدعت اتباع أساليب وقدرات جديدة في الاستخبارات عملا بقاعدة صراع الاضداد… فكل ضد يستوجب الضد المناسب له.

    القيادة والقدرات الاستخبارية
    في السادس من تشرين الأول 2003 استلم الجنرال (ستانلي ماكرستل) قيادة العمليات الخاصة المشتركة من الجنرال ديل دايلي ومن المثير للاهتمام ان المنصب الجديد لم يكن من اهتمامات ماكرستل كونه كان يأمل في قيادة الفرقة المجوقلة (82) وكان يتساءل بصوت عال عما إذا كان اختياره لقيادة العمليات الخاصة خيارا صحيحا. وكقائد حريص على سيرته المثيرة للإعجاب استطاع في اول اجتماع له مع الجنرال (جون ابي زيد) قائد القيادة المركزية الامريكية ان ينتج اتفاقين مهمين:
    الأول: أن يتعامل (أبو زيد) مع (ماكرستل) شخصيا في أي قضية تتعلق بقيادة العمليات الخاصة.
    الثاني: القيام بعملية كبيرة شرق أفغانستان لوجود كبار قياديي تنظيم القاعدة فيها.
    لكنه تفاجأ أن فريقه المكون من (250) عنصرا في العراق قد قسم الى عناصر معزولة مع اتصالات قليلة فيما بينهم، ويفتقرون الى عمليات فعالة لتحويل الوثائق القيمة والأجهزة الرقمية التي تم الاستيلاء عليها في المهمات الى معلومات استخبارية. لذلك قرر ان يركز على المشاكل المتعلقة بحدود صلاحياته من أجل اصلاح الأوضاع. ومبكرا جدا وتحديدا في خريف عام 2003 اقتنع ماكرستل بتقييم ضابط الاستخبارات في قوات الدلتا ان (الزرقاوي) هو العدو الرئيسي وبان الأردن كان يبني شبكة إرهابية متمردة في العراق. في وقت كان يرى الكثير من أعضاء فرقة المهام بأن الحرب قد تم اشعالها من قبل التمرد الصدامي البعثي. لذلك قرر (ماكرستل) وبغية الوصول الى كامل إمكانيات العمليات الخاصة ضرورة الاستفادة من نقاط القوة لدى المؤسسات الحكومية الأخرى وخصوصا تلك التي تعمل في المجال الاستخباري. وفعلا تمكن من انشاء فرقة مشتركة بين الوكالات تدعى (JIATE) التي كانت تضم عددا من الوكالات الاستخبارية. والمحرك الأساسي لماكرستل في كل ذلك كان عدم رضاه بمستوى معرفة قوة المهام بأعدائها فكان يقول حينها (نحن في الأساس لا نفهم ما يجري خارج السلك). وتوصل الى استنتاجين مهمين:
    الأول: ان قيادة العمليات الخاصة المشتركة كانت تواجه شبكات من الأعداء بأسماء مختلفة ليس فقط في العراق بل في العالم، لكنها ذات قيم واهداف واتصالات شخصية مشتركة وفي الكثير من الأحيان أناسا مشتركين بين الشبكات.
    الثاني: ان الحصول على أية فرصة ضد شبكة القاعدة الإسلامية السنية يجب ان تواجه بتكوين شبكة خاصة بقيادة العمليات الخاصة المشتركة بالاستفادة من المعرفة والقوى العاملة. حتى انه لخص فكرته الأساسية على شكل مقولة (الشبكة هي التي تهزم الشبكة) وهذا أصبح محور تركيزه في القيادة.
    لقد بنى (ماكرستل) في زاوية قاعدة بلد الجوية التجسيد المادي لإصراره على الشبكة وبنية القيادة المتشابكة والتي تتشارك فيها المنظمات الخاصة بالمعلومات مع بعضها بدلا من اكتنازها في قنواتها الخاصة تحت ستار صلب. وبالتوازي مع هذا المسعى كان (ماكرستل) مدركا للأهمية المركزية للاستخبارات في مكافحة الإرهاب لذلك اختار وبطريقة (الطلب بالاسم) العقيد (مايك فيلن) رئيسا للاستخبارات، وهو شخص حاد الذهن ومستعدا دائما لتحدي الحكمة التقليدية.
    حينما تولى (فلين) مسؤولية استخبارات قيادة العمليات الخاصة كانت قدرات قيادة الاستخبارات على اعتاب قفزة نوعية الى الامام، وقد كانت هذه الثورة خطوة ضرورية في تحقيق رؤية (ماكرستل)، ولكي تتمكن فرقة المهام من الدخول في دائرة القرار لدى تنظيم القاعدة في العراق فإنها كانت تحتاج الى زيادة كبيرة لكل من، استيعابها للبيانات كافة، والسرعة اللازمة لتحويل تلك المعلومات الى استخبارات عملية، وكان هذا بدوره يتطلب تحسينات في الكيفية التي تقوم بها قيادة العمليات الخاصة الحصول على معالجة الأنواع المختلفة من المعلومات الاستخبارية مثل معلومات استخبارات الصورية والاشارة. فإضافة الى بناء شبكة من المصادر البشرية عمل (ماكرستل) للاستفادة القصوى من القدرات الفنية للجيش الأمريكي على مستوى طائرات الاستطلاع، فابتكر طريقة (العين التي لا ترمش) لمراقبة عناصر القاعدة من الجو على مدار الساعة، إضافة الى استغلال استخبارات الإشارة نتيجة للانتشار الهائل للهواتف الخلوية في العراق. وكلا الحقلين كانا بحاجة الى المزيد من الطائرات خصوصا من ذوات تشكيل الجناح الثابت للقيام بالاستطلاع والمراقبة. وفي غضون عامين من الجهود أصبح لدى فرقة المهام الخاصة أربعون طائرة ذات خمسة عشر نوعا مختلفا.
    انفقت شبكة (ماكرستل) الكثير من الجهود لتطوير واستخدام التكنولوجيا لاستغلال مصدر غني بالإشارات الاستخبارية ونقصد بذلك التواصل عبر الهاتف الخلوي. فتم تطوير الإمكانيات للاستفادة من برج الهاتف الخلوي باستخدام عصا التنبؤ الالكترونية التي تحمل باليد وهي متحسس يمكن برمجتها لكشف هاتف معين. أو العمل على تطوير القدرات لتشغيل الهواتف الخلوية حتى وان تم اطفائها، لا بل تحويلها الى سماعة وبث كل شيء، او استنساخ الهاتف النقال دون الحاجة الى الأصلي منه ووضعه في حوزتهم ليسمح لفريق العمل الاستخباري القيام بإرسال واستقبال الرسائل كما لو انهم مالكو الهاتف.
    خلال العام 2004 مزجت قوة ماكرستل الشخصية كل الأجزاء المتباينة تدريجيا، فقد كان هناك اسطول متنقل من طائرات الاستطلاع فضلا عن تزايد قدرة استخدام الاتصالات الرقمية للمتمردين. وهكذا نجح ماكرستل في خلق عملية ديناميكية أصبحت تعرف باسم (F3EAD) وهي تعني (البحث، التثبيت او التحديد، الانهاء، الاستغلال، التحليل، النشر). وهذه العملية معروفة لدى الضباط العسكريين الدارسين لعمليات مكافحة التمرد ولغرض التوضيح فان البحث والتحديد تستلزمان أصول الاستطلاع والاستخبارات لتعريف وتحديد الهدف في الزمان والمكان، في حين عملية الانهاء تعني القاء القبض او تصفية الهدف وهذه مهمة قوى العمل المباشرة وهم جنود وحدة المهام الخاصة، أما عملية الاستغلال والتحليل للمعلومات الاستخبارية للمهمة فهي تعني أي شيء مثل فك رموز الأوراق والهواتف وأجهزة الحاسوب الى استجواب السجناء والمعتقلين وهي من عمل عناصر الاستخبارات بكل مستوياتها، وفور الانتهاء من هذا التحليل يتم نشر النتائج في الشبكة للدفع بالمزيد من العمليات، وهذا يعني تنسيقا أكثر تشددا بين الاستخبارات والعمليات.
    رغم دينامية الطريقة التي طبقها (ماكرستل) في إدارة المعلومات والعمليات الخاصة، لكن هناك من يجادل بان ما قام به (ماكرستل) لم يكن أكثر من العودة الى اساسيات العمل الاستخباري. ومن شأن مثل هذه العودة ان تحقق نتائج جيدة طالما كان الابتعاد عن الأساسيات في أي قضية كفيلة بإفسادها وتخريبها من الاساس.
    ان الدخول في دائرة قرار شبكة (الزرقاوي) لم يكن امرا سهلا وخاليا من التحديات فغالبا كان يحصل توترات بين أولئك الذين يريدون الاستمرار في المراقبة لمعرفة ما يمكن ان يتعلموه أكثر عن شبكة العدو، وأولئك الذين يريدون ضرب الهدف فورا، حتى لو كان ذلك يعني فضح الأصول التي أدت الى الحصول على الهدف في المقام الأول. كانت تلك الجدالات تميل الى جانب أولئك الذين يفضلون التحرك بسرعة على أساس أن هناك الكثير او المزيد من المعلومات الاستخبارية التي يمكن الحصول عليها من ضرب الهدف بدلا من الاستمرار في مراقبته ببساطة. حتى أصبحت عبارة (الضرب من أجل التطوير) عبارة فرقة المهام مما دفع بـ (ماكرستل) ان يكتب بصراحة أن (قتالنا ضد الزرقاوي، في صميمه معركة استخبارات).
    من الأمور الغريبة التي يمكن ملاحظتها بسهولة بين طيات الكتاب وجود قيادتان مختلفتان في العراق في العام 2005، قوة مهام (ماكرستل) والقوات الامريكية التقليدية بقيادة (جورج كيسي) وبوجهتي نظر مختلفتين حول التهديد الحقيقي في العراق، ففي حين كانت وجهة نظر موظفي (ماكرستل) ان تنظيم القاعدة يمثل التهديد الأكبر، كان (كيسي) غير مقتنع بهذا التقييم معتبرا عناصر النظام السابق هم التهديد الحقيقي. وبالتالي يمكننا القول بوجود قيادتين مختلفتين في العراق يخوضان حربين مختلفتين.
    المزيد من التعمق في تفاصيل إدارة (ماكرستل) لإدارة العمليات الخاصة مهم بالنسبة لنا في وقت نجد اشتباكا وتداخلا واضحا بين ساحات عمل الأجهزة الاستخبارية العراقية، وحاجة فعلية لتوظيف المعرفة والتكنولوجيا في مكافحة الإرهاب بدلا من إطلاق حملات التطهير المكلفة في مناطق واسعة بحثا عن إرهابيين يجيدون التخفي تحت الأرض وبين الناس.
    لقد كان المتأنق (ماكرستل) صعبا كالمسامير، ولخص حياته بكلمة واحدة (انها القتال، انها القتال). طالبا من جنوده ان يدركوا (ليس لديهم حياة اخرى، هذه هي حياتهم). وبهذه الطريقة كان ملهما للكثيرين وكان في ذات الوقت يحرك بعضا من الاخرين في الاتجاه الخاطئ، لنعود الى الحكمة القديمة (لا يصح الا الصحيح)

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا