الأحد 27 نوفمبر 2022
20 C
بغداد

    صورة المرأة في السينما المصرية (1).. فيلم (مع الذكريات) اللعوب تستحق الموت

     

    كتبت- سماح عادل

    عندما كنت طفلة صغيرة أشاهد الأفلام التي تعرض في التليفزيون، رغم سني الصغير كنت أشعر دوما أن هناك شخصيات نسائية تسبب الوصمة المجتمعية، وأنها شخصيات مرفوضة وغير مقبولة وتجلب ما يعرف ب”العار” تلك الصفة المتداولة اجتماعيا والتي تعبر عن المفهوم الاجتماعي المنتشر بديلا عن مصطلح الوصمة، ثم زادت التساؤلات داخلي مع زيادة نسبة الوعي لدي.

    هل تتعمد السينما المصرية تقديم نمطين من النساء لا ثالث لهما، إما امرأة شريفة طاهرة بريئة محبوبة، وليست فقط مقبولة اجتماعيا بل يتم التعامل معها بنوع من التقديس، سواء أكانت أما أم زوجة أم حبيبة، في مقابل نموذج آخر مخالف تماما، وهو نموذج المرأة المرفوضة المحتقرة، السيئة والدنيئة والشريرة والتي تحتل منزلة اجتماعية متدنية، والتي دوما تنتهي حياتها بالموت في الفيلم. فصناع الفيلم لا يقبلون بإعطاء فرصة ثانية لتلك المرأة لأنها لا تستحقها، لأنها فقدت ليس فقط قبولها في المجتمع وفقدت أهلها واحترام الناس من حولها، بل أيضا فقدت إنسانيتها.

    فنجد الأبطال ينعتونها بصفات سيئة ويتعمدون تحقيرها والتقليل من شأنها، ثم ينتهي الأمر بالموت بكل الطرق المتخيلة، وفي أحيان كثيرة باختيار تلك المرأة نفسها التي تعرف أنها لن تستطيع العيش في ذلك المجتمع بعد أن انجرت لطريق الرذيلة.

    تعمد..

    وهنا تتقافز التساؤلات، هل تعمدت السينما المصرية تقديم هذين النمطين اللذان في أغلب الأحوال لا تخرج شخصيات النسائية عنهما، رغم كون السينما المصرية كانت تعبيرا عن فئة من الشباب المثقف والواعي الذين سافروا الى البلدان الغربية وأحبوا نقل هذا الفن الجيد إلى مصر. ورغم اقتباس قصص في بعض الأفلام، خاصة في بداية صناعة السينما المصرية، من روايات وأفلام غربية إلا أنها ظلت أسيرة تلك النظرة النمطية للمرأة.

    تكريس..

    ليس هذا فقط بل يمكن القول أن السينما المصرية كرست هذه النظرة عن المرأة، وأثرت على أجيال متعاقبة تبنوا تلك النظرة، نتيجة لمشاهدتهم الكثيفة واليومية لتلك الأفلام، فنحن نعرف ضخامة أعداد الأفلام المصرية وانتشارها، حتى بعد التطور التكنولوجي وانتشار القنوات الفضائية.

    لذا جاءت فكرة هذا الملف، صورة المرأة في السينما المصرية، والذي من خلاله سأحاول تتبع صورة المرأة وكيف رسمت الأفلام المصرية ملامحها؟، وهل فكرة النمطين حقيقية أم ربما نكتشف نتائج جديدة.

    معنا في أول حلقة من الملف فيلم “مع الذكريات” وهو إنتاج 1961.

    الحكاية..

    يبدأ الفيلم بالبطل شريف الذي يقوم بدوره أحمد مظهر وهو محطم نفسيا وجسديا، والبطلة أمال أو نادية لطفي وهي تحاول إسعافه فتجلب له الطبيب رغم المطر الغزير، ثم تراعاه باهتمام كبير إلى أن تتحسن حالته، ثم تحاول التقرب منه كامرأة. ليتنقل الفيلم بعد ذلك بتنقية الفلاش باك إلى حكاية شريف وإلهام التي تقوم بدورها الفنانة مريم فخر الدين، فنكتشف أن شريف ممثل شهير وأن إلهام ممثلة أيضا تقوم بأداء أدوار البطولة أمام شريف، وأنه يحبها بشغف كبير حتى أنه يقبلها قبل طويلة حتى أثناء التمثيل، مما يزعج عاملا داخل الأستوديو وهو أحدب وبه بعض البراءة يدعى مدبولي.

    ويتفنن الفيلم في تجميع المشاهد الرومانسية بين شريف وإلهام تؤدي فيه مريم فخر الدين دور المرأة الملاك، الحبية رائعة الجمال الرقيقة والحنونة والخجولة أيضا، والتي لا تسمح لشريف بأن يبيت معها في نفس المنزل عندما تسافر إلى الفيوم معه، فتصر على البيات في الشالية بجوار الفيلا. وأمال تعاملها بلطف باعتبارها قريبة لشريف وتصغره في السن كثيرا.

    تصاعد..

    ثم تتصاعد الأحداث ويلاحق مدبولي شريف وإلهام لأن شريف يعامله بإنسانية ويعطيه نقودا ويحميه ممن يعامله بقسوة، ثم مشهد لاعتداء مدبولي على إلهام ورفض شريف أن يحرض على طرده من العمل.

    ثم تصل الأحداث الى ذروتها حين يضع مدبولي رصاصا حقيقيا في مسدس سيقوم شريف باستخدامه في مشهد تمثيلي أمام إلهام وسيطلق عليها منه الرصاص، وبالفعل تموت إلهام بعد أن يطلق عليها شريف الرصاص. وينهار شريف نفسيا من فعل الصدمة ويتم القبض على مدبولي وإيداعه مستشفى الأمراض العقلية.

    ثم يعود الفيلم لمحاولات أمال التقرب من شريف وتجاوبه معها لأنها تشبه إلهام ثم ندمه على تجاوبه هذا لأنه يعتبرها خيانة لإلهام التي مازال يحبها بنفس القوة.

    الانكشاف..

    ثم تاتي لحظة الانكشاف، حين يهرب مدبولي من مستشفى الأمراض العقلية ويذهب إلى شريف في فيلته في الفيوم، بعد أن طرد أمال وطلب منها أن تذهب الى القاهرة لتعمل في مجال التمثيل الذي تحبه.

    يحكي مدبولي لينتقل الفيلم إلى تصوير نفس الحكاية لكن من وجهة نظر أخرى وهذه ميزة الفيلم، أنه يقدم حكاية بوجهتين نظر، الأولى كما يعرفها شريف ويصدقها والثانية كما هي في الحقيقة وكما رآها مدبولي بعينه، فنكتشف أن إلهام ماهي إلا امرأة لعوب، كانت ممثلة مبتدئة وأعطاها شريف الفرصة هي ورجل تحبه يدعى حمدي، وقد أثبتت هي مهارتها في التمثيل في حين فشل حمدي وطلب منه المخرج أن يترك العمل.

    ونكتشف أن إلهام على علاقة غرامية بحمدي وأنها تحاول إرضاءه في حين أنها تخدع شريف وتقرر أن تتزوجه فقط لأنه سيوفر لها الشهرة وستستغل اسمه لتصبح ممثلة شهيرة، وأنها ستبقي على العلاقتين، علاقة بعشيقها حمدي الذي يتسائل في غضب لما لا تتزوجه؟، ويعدها بأنه سيعمل ويحقق نجاحا حتى وإن كان في مجال آخر غير التمثيل، بينما هي تصر على الزواج من شريف والإبقاء على العلاقة السرية بينها وبين حمدي.

    ملاحقة..

    ويلاحقها مدبولي محاولا مساعدة صديقه شريف الذي يحبه، ولكنها تلفق له تهمة الاعتداء عليها، وذلك عندما ذهب إلى الشالية ليطلب منها الامتناع عن مقابلة حمدي. مما جعله يفكر في تبديل الرصاص المزيف بالحقيقي لكي ينقذ صديقه من الزواج منها، ويستفيق شريف ويتعافى من وهم حبه لإلهام ثم يعود الى القاهرة ليبدأ علاقة حب مع أمال.

    على مستوى التمثيل كان أداء الممثلين بارعا، لكن فشلت مريم فخر الدين في إتقان دور المرأة الشريرة، لأنها دوما ما كانت تقوم بدور المرأة البريئة والحبيبة المقدسة والطاهرة، وعلى مستوى الإخراج كان جيدا والديكور وفكرة إعادة تمثيل الحكاية.

    صورة المرأة..

    على مستوى صورة المراة نجد النمطين الذين تحدثنا عنهما في المقدمة، كانت إلهام في بداية الفيلم نموذج للحبيبة الطاهرة البريئة الملاك، التي تحب بإخلاص وتفاني وتجاوب مع حبيبها الذي يعشقها بجنون وتعامله بحنان وود واستكانة، لكنها مع ذلك كانت تحافظ على فكرة عدم وجود اتصال جنسي بينهما إلا بعد الزواج. ورغم أنها تليس فساتين تكشف جسدها ومايوه عندما نزلت البحر، إلا أن هذا النمط من ارتداء الملابس كان مقبولا في الستينات، أن ترتدي المرأة في الطبقات المتوسطة فساتين أشبه بالفساتين الغربية، وحتى ترتدي مايوه عند الاستحمام في البحر أو حمام السباحة، لكنها مع ذلك تحافظ على إطار الاخلاق المتعارف عليه اجتماعيا، وهو عدم وجود اتصال جنسي بدون زواج والإخلاص للرجل الذي تحبه والتفاني له.

    ثم نكتشف أن إلهام ما هي إلا امراة شريرة لعوب تجمع بين رجلين، وتقيم علاقة عشق خارج إطار الزواج، كما إنها تخدع رجلا آخر فقط لاستغلاله ماديا وهذا يتوافق مع النموذج الثاني، والذي من أبرز مظاهرة الشكلية والسلوكية إظهار أجزاء حميمية من الجسد، وتدخين السجائر، والمشي بطريقة معينة تمتليء بالإغراء، والضحك بشكل معين.

    ثم يمنح الفيلم لأمال تلك الصورة البريئة للمرأة والتي تفوز في النهاية بمحبة شريف، فهي تربت على يديه وأخلصت في محبته وكانت أفضل نموذج للمرأة الطاهرة البريئة، ولأن إلهام امرأة فقدت احترامها وإنسانيتها استحقت الموت، فكان موتها على يد شريف نفسه الذي يعطيه الفيلم الحق في ذلك، ويعطيه برائته من خلال كونه مشهدا تمثيليا، وأنه لم يكن يعرف بوجود الرصاص، والذي لم يحاسب على فعلته، وإمعانا في التأكيد على أن موتها هو النتيجة الحتمية والطبيعية فقد مات مدبولي أيضا حتى لا يضطر إلى الرجوع إلى مستشفى اللامراض العقلية ليتالقى العقاب على تخطيطه لقتلها.

    ولم يدن الفيلم قتلها بأي شكل من الأشكال وكونها إنسان له الحق في الحياة حتى رغم أفعاله. وهنا يكون فيلم “مع الذكريات” متوافقا مع فكرة النموذجين المتعاكسين للمرأة الشريرة والطاهرة.

    الفيلم..

    “مع الذكريات” فيلم مصري ، دراما، رومانسي صدر في  5 فبراير 1961

    طاقم التمثيل:

    أحمد مظهر: (شريف)

    مريم فخر الدين: (إلهام)

    نادية لطفي: (آمال)

    صلاح منصور: (مدبولي)

    أحمد لوكسر: (حمدي)

    فتوح نشاطي: (الطبيب)

    سعيد خليل: (حسين – المخرج)

    مختار السيد: (مساعد المخرج)

    فريق العمل..

    إخراج: سعد عرفة

    تأليف: سعد عرفة

    مدير التصوير: برونو سالفي

    مونتاج: سعيد الشيخ

    موسيقى تصويرية: أندريه رايدر

    إنتاج: أفلام الشمس (أ. جبور)

    توزيع: شركة الشرق لتوزيع الأفلام