الخميس 9 فبراير 2023
4 C
Baghdad

صنع الله إبراهيم.. اليساري الأخير !

0
صنع الله إبراهيم.. اليساري الأخير !

خاص : بقلم – محمد محمد مستجاب :

روح هشة وعرة، مملوءة بالشك، عاشت سنوات بلا رحمة وكوابيس ضارية، أيامها متاهة وأحلامها لئيمة وطعامها خيبات وهزائم وانكسارات، يكره هوائنا الملوث بالغبار والأكاذيب ونجوم الظهرة التي لا نراها، ويُعادي مؤسساتنا المكتظة بالغربان والذباب والتقارير السرية، جسده شوكة نخيل مصابة بالإنهيارات والهزائم والمعتقلات، وشعره هبه ريح، ووجهه ساحة سوق وقت الظهيرة تُعج بالموظفين والعمال والبائعين والمخبرين والمتسولين، وعينيه حقل ألغام، يحمل فوق أكتافه نجمة الفجر الشاردة ويرافق القلم كأنيس لا يخزله مطلقًا.

أنه “صنع الله إبراهيم”؛ العظيم كالفلاسفة والنحيف كموظف والعميق كالتاريخ والساكن كصنارة صيد والقلق كمواطن في انتظار تأشيرة المرور.

لذا إذا أردنا أن نؤرخ لمصر في السبعون عامًا الماضية، فسوف نجد جزء كبير من هذا التاريخ متشابك مع تاريخ “صنع الله إبراهيم”، سواء على المستوى القومي أو المستوى الإنساني، فصنع الله جزء من نسيج ظل يغزله طوال حياته، معتنقًا أفكاره الخاصة، فهو وحده يعرف خلاص نفسه، يسير بدماغه، لا يُملي عليه أحد شروطه، نادرًا أن تراه، ونادرًا أن تلتقي به في مطعم أو محطة اتوبيس أو ندوة أو قاعة مؤتمر، لكنه يعرفك ويراك ويفهمك ويقرأ أفكارك، ويستطيع أن يمهد لك القضبان التي تستطيع أن تسير عليها أو التي تسجن خلفها.

وهناك سبب آخر – حسب رأيي – أحسبه ناتجًا عن عامل نفسي أو شخصي، فالكاتب حين يكتب، فهو يتمنى ما لا يملكه، ويكمل ما ينقصه، ويفسر ما صعب عليه قوله بفمه، يتمنى عدلاً ليس موجودًا، يتمنى قوة لا يمتلكها، يتمنى الخير رغم الشر السائد، وفي حال أستاذنا “صُنع الله إبراهيم”، والذي اشتهر بنحافته ونحول جسده، فقد وجد في الكتابة عزاءه وساحته التي يستطيع فيها خوض معركته، حيث يخلق لنفسه القوة التي يمتطي بها صهوة القلم للتعبير عما يجول في خاطره.

وأجمل ما في “صنع الله إبراهيم” إيمانه ومصاحبته لوعده النفسي والداخلي، بأن يصير كاتبًا ولا شيء غيره، هذا الإيمان جاء لأنه لن يستطيع أن يدخل معك في مبارزة كلامية أو جدال، فهذه ليست منطقته، منطقته التي يُبدع وينطلق بها وتظهر قوته، هي الورقة البيضاء، فالكتابة هنا هي المعادل أو السيف الذي يستطيع إن يُشّهره في وجه الجميع، فإذا كان – ولا يزال – البعض يتحدثون عن الاسم الغريب أو الجسد النحيف له، لكنه على الورقة البيضاء يصير ماردًا، يتقافز بك هنا وهناك، يصنع شخصياته ويتحدث بألف لسان، يقول ما لا يستطيع به أن يرد على أحد، يخرج من جعبته تاريخ وطن ضخم وعظيم ساهم في صنعه ومرت أحداثه أمام عينيه، لذا فإن الكلمات التي يضعها على الورق، تُصبح ذات ثقل وكثافة في عقل ووعي القاريء، فمثلاً في روايته (أمريكانلي)، هو يستطيع أن يُمزق الاسم: “أمر –  كان – لله” أو تلك الدولة التي قام “صنع الله إبراهيم” بنفضها مثلما تنفض امرأة سجادة مزخرفة على سطح بيتها، لتُظهر لنا الحقائق رغم كثرة الأكاذيب التي يُطلقها الإعلام، عاكسًا الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية للمجتمع الأميركي، يبحث في عمقها وينبش تاريخها، ونشاهد من خلال سطور الرواية التفاوت الطبقي والعرقي في دولة هي رئيسه العالم والتي تدعي الديمقراطية، فهذه ليست أميركا التي نعرفها، يخرج لنا خلال تلك الرواية، أحشاءها، ويفردها كي تتعرض للهواء الطلق، ويتركنا كما بدء في حرية، أن نختار هذا الأرض أو نرفضها.

وحتى لو أتضح بإن الموضوع يبدو مكررًا، لكنه يصبغ بأسلوب ونكهة “صنع الله إبراهيم”، الجمل القصيرة المخروطة داخل النص، والتي من صغرها وحدتها، تجعلك تخط أسفلها بالقلم الرصاص، لأنك تريد أن تحفظها أو تريد ان تقول كنت أريد أن أكتب هذا أو أقول كهذا.

ونادرًا أن يفعل كاتب مع القاريء تلك العلاقة، المصادقة خلال الكتاب أو الرواية، ثم تركه لاتخاذ قراره، وهذه قدرة فذة أن يُعيد تشكيل وعيك، لأن ما يقوله لك، هو وجهة نظر هذا الرجل الذي عاش الحياة صامتًا، لكنه يستطيع أن يصرخ على الأوراق.

وعوامل تكوين “صنع الله إبراهيم” الإنسان والأديب ثلاثة أشياء، المعتقل وحبٍ كبير لـ”عبدالناصر”، ثم نكسة وانفتاح وتشتت فاق قدرة وذهن هذا الرجل، وبالتالي كان يجب عليه أن يكتب، فالمعتقل الذي عاش فيه قرابه سبع سنوات، وأنا هنا أصمم على كلمة عاش، أي لم يكن زائرًا أو سائحًا لعدة أيام، بل عاش داخله، ولأن هذه الفترة كانت المعتقلات المصرية تزخر بعقلها الإبداعي والثقافي ومن جميع التيارات، لذا فقد تعلم هذا الشاب العشريني كثير من الأسس والمباديء التي سار على نهجها، والضلع الثاني نكسة 67 تلك التي شرخته كما شرخت آخرون، وأصبحت مثل حفرة عميقة في وجدانه، فلا يستطيع الفكاك منها، وسوف نجد ملامحها في جميع رواياته وأحاديثه، بل أن النكسة سوف نجد آثارها على وجهه حتى الآن وكأنه لا يزال يبكي ما حدث، وبالطبع يأتي الضلع الثالث وهو الانفتاح وما رافقه سواء كان التصالح في “كامب ديفيد” مع العدو، أو سياسة “السادات” وما تبعه بعده وسار على نهجة – “مبارك” – في التصفية والخصخصة وخلافه.

هذا هو المُثلث الذي يتحرك فيها أستاذنا “صنع الله إبراهيم”؛ وسواء أصبح هذا المُثلث حادًا أو منفرجًا أو قائمًا، لكنه في الختام مُثلث، يتحرك فيه بأفكاره ومبادئه وأسلوبه، أسلوبه الذي يبدو فيه “مدرسة” خاصةٍ به في السرد، فلا نستطيع أن نقول أنه أتبع مدرسة أو رافد لمدرسة، بل إن “صنع الله إبراهيم” مدرسةٍ خاصة به، يوجد فيها الوثائقي ويوجد فيها الاجتماعي ويوجد فيها الإخباري والأرشيفي والاجتماعي، ويوجد فيها “صنع الله إبراهيم” ذاته، تلك الذاتية التي سوف تُصبح هي الرافد المميز له، تلك الذاتية العجائبية في السرد التي تتحدث عن القاهرة، قاهرة الموظفين والباعة والسائقين والإداريين والعساكر وأصحاب النفوذ، وقاهرة الطبقة المتوسطة التي سُحقت وتفتت لتُصبح تلك الهلاميات التي نراها في كل مكان حولنا، استطاع “صنع الله إبراهيم” أن يقبض عليها، ليوظفها في عدة روايات مثل (ذات) و(اللجنة) و(شرف) و(تلك الرائحة).

فمثلاً، في روايته (شرف) تلك التي يحلم فيها هذا الشاب بأن تصير له غرفة بمفرده، وعندما يخرج ذات يوم ويلتقي بالخواجة الذي يُريد أن يتحسس جسده ويُمارس معه الجنس فيقوم “شرف بقتله”، لتتحول غرفته التي حلم بها إلى غرفة في السجن، وبدخوله عالم السجن، يجد عالم آخر وحياة كبرى وشخصيات لن تستطيع أن تراها في أي مكان آخر، وفي السجن لا يوجد شرف سواء كان بين سجان ومسجون، أو سجين وسجين، كما لا يوجد متهم حقيقي من الكبار الذين تسببوا في كل تلك القضايا.

في روايته (اللجنة) وبطلها “سعيد”؛ الذي يظهر ويختفي، يؤدي واجباته أو تعليمات اللجنة ثم يمتهن المهن ثم يُنفذها أو يرفض أو يختفي، تلك التي لو دققنا فيها نجدها ممتلئة بالسخرية، سخرية موجعة لوطن عاش ثلاثون عامًا، تتحكم فيه لجنة لا أحد يعرف فيها أحد، بل هي مثل أله الإغريق، بائسة وتشعر بحرية الإنسان الذي خلقته وهي محاصرها في مقاعدها وأوامرها، وخلال ذلك نرى وطن ومواطن يتم امتهانه وضغطه وسحقه، لكنه يستطيع إن يعيش مجددًا، وهذا هو السر في هذه الرواية، ولم يكن رغم كثرة الأحداث والشخصيات إلا أن نراها بمنظور آخر غير هذه القسوة، والمرادف هنا هو السخرية من أنفسنا كما فعل صاحب الرواية، إنه يسخر من كل ما يحدث، لأنه نبهنا في أعمال سابقة، ولم نسمع أو نفهم الكلام.

في كتاب (إنسان السد العالي) سوف تجد الحلم القومي وتجد شباب يعيشون الحلم ويريدون أن يسجلوه، في لحظات، لأن العمل كان يتغير باستمرار، ورغم الحرارة الشديدة، ورغم قلة النقود وضيق الوقت استطاع مع مرافقيه “كمال القلش ورءوف مسعد” أن يُقدما لنا تلك الشهادة عن “السد” والعمل فيه، فستجد الغبار وصوت الكراكات والباعة والتباعين والشغيلة وهدير الماء والديناميت والأجانب والمتعة، خلية نحل حقيقية في هذا الكتاب الصغير الحجم كبير القيمة، عن فترة مجد حقيقية عاشها هذا الشاب الصغير، رغم أنه كان يمكن أن يُصبح أحد أعداء النظام الناصري – بسبب اعتقاله – لكن بداخل هذا الشاب – كاتب – يُريد أن يرى بعيونه ويلمس بيديه قبل أن يضع بصمته على الورق.

والملاحظ أن “صنع الله إبراهيم” عشق “عبدالناصر” الشخص وعشق كثير من أحلامه ومبادئه، لكنه أيضًا لعنه وغضب منه وهاجمه، كما هاجمه كثير من كتّاب الستينيات في أعمالهم، لكن كما قلت – صنع الله – يكتب ما مر به، وما حدث له، فلا تمر عليه أي شيء أو وقد سجله في عقله، ويخرجه وقت إبداعه وسرده.

إن “صنع الله إبراهيم” كاتب وثائقي تحليلي بإمتياز، وهو ساهم في تطوير السرد العربي بتقنيته تلك، وظل مخلصًا لها، كما نجد هذا في روايته (بيروت-بيروت) والتي تدور أحداثها حول الحرب الأهلية في لبنان، وهي رواية تحث على المقاومة، من خلال تقنية “صنع الله” الوثائقية.

إن “صنع الله ابراهيم” مدين لوالده الحكاء الماهر لذا يكتب، ومدين لكل الذي رآه في المعتقل، لذا يكتب، ومدين للنكسة التي رآها وتشربها، ومدين إلى “عبدالناصر” الذي أحبه ولعنه، لكنه ظل بداخله رغمًا عنه، ومدين للإنسان المصري الذي لا يعي كثير مما يدور حوله، ومدين لتلك الأيام التي أحبها وفجأة لم يجدها أو تلاشت مثل انقشاع الضباب، فلم يكن أمامه إلا الكتابة كإنقاذ ولم يكن أمامنا إلا الأعجاب لأن هذا الرجل كيساري مصري، جعلنا نرى أو نفهم معنى أن نكون مصريين حقيقيين في زمن الخيبات العظيمة.