صنع التاريخ على أعين الأجهزة الأمنية والسيادية (8) .. الـ (CIA) بين الهيمنة والتحالف !

الأربعاء 05 أيلول/سبتمبر 2018
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

خاص : كتب – محمد البسفي :

“قد تكون الحرب الباردة انتهت، لكن تفكير الحرب الباردة باقٍ”

جوزيف روتبل

“هي مخططات قوى عظمى تلعب بمصائر ومقادير شعوب وتحاول فرض سيطرتها على الآخرين وترويض هممهم وإفقادهم الثقة بكل شيء حتى يصبحوا على استعداد للقبول بأي شيء، ثم إعادة تشكيل أفكارهم وأحلامهم بوسائل عديدة تبدأ بالكلمة والصورة وتنتهي بالمدفع والدبابة !”

محمد حسنين هيكل

الاستخبارات.. أذرع هيمنة..

ليس هناك تعريف متفق عليه للاستخبارات أو “البعد الغائب في دراسة العلاقات الدولية”.. هكذا اعترف، “د. شادي عبدالوهاب”، في معرض دراسته لـ”دراسات الاستخبارات” كـ”حقل جديد في الدراسات الأمنية الحديثة”؛ مستعرضًا التعريفات الأكاديمية للاستخبارات محاولاً الأمساك بمفهوم علمي لها.. فنجد “مايكل وارنر” قد عّرف الاستخبارات على أنها “النشاط السري للدولة لفهم الكيانات الأجنبية أو التأثير عليها”، لتتنوع التعريفات بتلون مفاهيم الباحثين والراصدين لفنون وعلوم الاستخبارات حتى جاء “جيل” و”بيثيان” ليضيفا بعدًا إضافيًا في تعريف الاستخبارات، وهو: “العمليات السرية”، (Covert Action)، فقد قاما بتعريف الاستخبارات على أنها: “مصطلح شامل يشير إلى مجموعة من الأنشطة، التي تبدأ من التخطيط وجمع المعلومات إلى التحليل ورفعها إلى صانع القرار، والتي يتم القيام بها بصورة سرية، والتي تهدف إلى الحفاظ على الأمن النسبي أو تعزيزه من خلال توفير تحذير مسبق للتهديدات القائمة أو المحتملة بطريقة تتيح تحرك الدولة في الوقت المناسب لتنفيذ سياسة أو إستراتيجية وقائية تستهدف استيعاب التهديدات باستخدام كل الوسائل، بما في ذلك العمليات السرية” (1).

ويلحظ “عبدالوهاب”، أثناء استعراضه، أن الاستخبارات الأميركية تضيف بعض الوظائف العملياتية إلى تعريف “الاستخبارات”، ومن ذلك “الدعاية” و”العمليات السرية”، و”التدخل في الصراعات من خلال إرسال وحدات شبه عسكرية” (2).

وإن كانت الدراسات الأكاديمية للاستخبارات لم تشهد إرهاصات تطورها إلا مع نهايات عقد الخمسينيات من القرن العشرين؛ بخروجها للعلن من حصار السرية، فهي لم تقتصر على النشر في الكتب والدوريات والمجلات المتخصصة فحسب، بل تعدت حدود النشر إلى تدريسها كمقررات أكاديمية عن الاستخبارات للطلبة الجامعيين، وضمن مقررات الدراسات العليا..

ويسّوق الباحث بعض العوامل الدافعة إلى تطوير دراسة الاستخبارات ونشر المعلومات حولها:

“1 – الدعم الحكومي: ساندت الحكومات تطور هذا الحقل المعرفي. وعلى سبيل المثال، قامت الحكومة الأميركية بالمساهمة في الجهود الأكاديمية لتطوير هذا الحقل من خلال إنشاء «مركز دراسة الاستخبارات» التابع لوكالة الاستخبارات الأميركية، (CIA)، و«مركز أبحاث الاستخبارات الإستراتيجية» التابع لجامعة الاستخبارات الوطنية. واتبعت بعض الدول النهج الأميركي نفسه، خاصة المملكة المتحدة، ورومانيا وتركيا وإسبانيا، والذين شرعوا في دعم أبحاث الاستخبارات، خاصة من خلال إنشاء مراكز بحثية لدراسة هذا الحقل الأكاديمي.

2 – خبرة العاملين السابقين في أجهزة الاستخبارات، خاصة ضباط وكالة الاستخبارات المركزية الذين تقاعدوا، وتولي مناصب أكاديمية، مثل «بروس ديه». «بيركويتز»، و«كارنيغي ميلون»، و«ويليام غيه». «دوغيرتي»، و«مايكل أ. تيرنر». وفي المملكة المتحدة، التحق الضباط الباقين في أجهزة الاستخبارات البريطانية بالحقل الأكاديمي، مثل السير «بيري كرادوك».

ويضاف إلى ما سبق؛ قيام بعض ضباط الاستخبارات بتطوير الدراسات الاستخباراتية، على الرغم من عدم تقاعدهم واستمرارهم في أداء وظائفهم داخلها، مثل ضابط الاستخبارات الأميركي، «آرثر بي. دارلنغ».

3 – دور المجتمع الأكاديمي: لعب الأكاديميون دورًا في تطوير هذا الحقل الجديد من تطوير كادر من المتخصصين في دراسات الاستخبارات، خاصة من بين المتخصصين في حقل العلوم السياسية والتاريخ. وقد كشف مسح تم إجراؤه مؤخرًا أن هناك حوالي 840 مقررًا لدراسة الاستخبارات في الولايات المتحدة، موزعين على أكثر من مئة مؤسسة تعليمية مدنية، بينما أوضح مسح آخر، تم إجراؤه في عام 2003، أن هناك 14 جامعة بريطانية تدرس مقررات عن الاستخبارات. كما توجد برامج تعليمية مماثلة في كل من إسبانيا وفرنسا.

4 – إدانة الجماعات الإرهابية: بدأت العديد من أجهزة الاستخبارات، خاصة في الولايات المتحدة، الاعتماد على المعلومات الاستخباراتية من أجل إدانة الإرهابيين والمجرمين أمام القضاء الوطني، وهو ما أدى بدوره إلى تصاعد الاهتمام بعمل هذه الأجهزة.

5 – الإخفاق الاستخباراتي: تمثلت أحد العوامل التي أدت إلى تحفيز دراسة الاستخبارات؛ هي هجمات الحادي عشر من (أيلول) سبتمبر في الولايات المتحدة، والحديث عن وجود إخفاق استخباراتي في منع هذه الهجمات، وهو ما دفع العديد من المتخصصين للاهتمام بإعداد مقالات تحليلية لشرح أبعاد هذا القصور وكيفية تداركه مستقبلاً.

وبالإضافة إلى ما سبق؛ فقد قام الباحثون المتخصصون في دراسة الاستخبارات بالمشاركة في مؤتمرات يتم تنظيمها من قبل مختلف الهيئات المهنية والأكاديمية، وقدمت خلالها أوراقًا بحثية ساهمت في تطوير الحقل بصورة كبيرة.

6 – الترويج لسياسات معينة: فقد أصبح السياسيون أكثر تقبلاً للإفصاح عن المعلومات الاستخباراتية لمساندة سياسات حكومية معينة، كما في توظيف الولايات المتحدة المعلومات الاستخباراتية حول امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل، (والتي ثبت بعد ذلك عدم صحتها)، من أجل تبرير الاحتلال الأميركي للعراق” (3).

وهنا يجب التأكيد على نقطتين؛ أولهما أنه بملاحظة العامل السادس والأخير من العوامل التي يسوقها “عبدالوهاب” كدوافع دولية لتطوير الدراسات الاستخباراتية ونشر المعلومات، نجد على المستوى التطبيقي في الميدان العملي للعلاقات الدولية تلك المعلومات “الموجهة” التي تتواتر من حين لآخر، وتتلقفها وسائل الإعلام العالمية باعتبارها “تسريبات هامة” لدرجة الخطورة أحيانًا، يتم تمرير معظمها لأهداف إستراتيجية وبآليات ممنهجة سياسيًا وأمنيًا.

ثانيًا: حقيقة الهيمنة الأميركية، التي أكدتها العديد من الدراسات والأبحاث الراصدة للمجال الاستخباراتي والعلاقات الخارجية الدولية، على حقل الاستخبارات سواء على مستواه النظري/الأكاديمي أو مستوى التطبيق العملي، كما هو حادث الآن في جميع الدراسات الأكاديمية للعلوم والمعارف بشكل عام.. أو الهيمنة “الأنجلوساكسونية”، كما أسماها “عبدالوهاب”، والتي يدلل عليها أكاديميًا بأنه “قد وجدت دراسة كمية للمقالات المنشورة في دوريتين متخصصتين في دراسة الاستخبارات وهما: (الاستخبارات والأمن القومي) و(المجلة الدولية للاستخبارات ومكافحة التجسس)؛ أنه خلال الفترة الممتدة من عام 1986 وحتى 2015، أن حوالي 71.2% من الأوراق الأكاديمية ركزت على الحالتين الأميركية والبريطانية”.

متابعًا: “وقد استمرت مركزية الحالتين الأميركية والبريطانية، حتى عند دراسة أجهزة الاستخبارات الأخرى، فقد كانت هذه الأبحاث تشير إلى خبرة الجهازين وذلك كمرجع للمقارنة” (4).

وتتنوع مجالات أهتمام الدراسات الاستخباراتية بين عدة تخصصات أكاديمية مختلفة، فهي تتم دراستها من خلال الاعتماد على علم السياسة وعلم الاجتماع، والعلاقات الدولية، وعلم النفس وغيرها. وتمد العلوم السياسية دراسة الاستخبارات بالأطر النظرية اللازمة لفهم الثقافة السياسية والأجهزة البيروقراطية، والتي تساعد صانع القرار على فهم سلوك السياسيين في الدول الأخرى، وكيفية إتخاذهم القرارات. في حين أن علم الاجتماع، قد ساهم في تطوير بعض منهاجيات الاستخبارات، مثل تحليل الشبكات الاجتماعية.

وعلى الجانب الآخر؛ تعتمد الاستخبارات على علم النفس، عند التعامل مع الجماعات الإرهابية على سبيل المثال، أو عند تحليل سلوك المحلل في أجهزة الاستخبارات. كما لا يمكن إغفال أهمية التاريخ للدراسات الاستخباراتية، خاصة في ضوء الإفراج الدوري عن الوثائق الأرشيفية من جانب أجهزة الاستخبارات (5).

آليات الهيمنة.. التأسيس وبداية التكوين..

حينما أرادت الولايات المتحدة الأميركية دخول الحرب العالمية الثانية في السابع من كانون أول/ديسمبر 1941، وتحت ضغط الآلة الدعائية والتجسسية والحرب النفسية التي أدارتها جيوش النازي الألماني بكفاءة منقطعة النظير، كانت مهمة نشر الدعاية في الخارج يتولاها كل من “مكتب تنسيق الشؤون الأميركية”، الذي كان يقصر نشاطه على أميركا اللاتينية، و”مكتب تنسيق الاستعلامات”؛ الذي كان يعمل في باقي دول العالم.

وكان قد أنشيء، في 16 من آب/أغسطس 1940، “مكتب تنسيق الشؤون الأميركية”؛ تحت إدارة، “نيلسون روكفلر”، للاضطلاع بمهمة تنمية العلاقات الطيبة بين الشعوب الأميركية. وكانت النظرة إلى نواحي الاستعلامات المختلفة مثل “الصحافة والإذاعة والسينما”، هي أنها جزء مكمل لبرنامج العلاقات العامة الثقافية والتجارية، الذي كانت تقوم به متعاونة تعاونًا وثيقًا مع “وزارة الخارجية”. وقد سيطر العسكريين على المناصب القيادية والحساسة داخل المكاتب الاستخباراتية بمختلف أقسامها وتخصصاتها، ونتيجة لذلك تقدم مستر “دافيز”، رئيس “مكتب معلومات الحرب”، ومستر “روكفلر”، رئيس “مكتب تنسيق الشؤون الأميركية”؛ باحتجاج إلى الرئيس الأميركي ضد اغتصاب العسكريين للسلطة.

صلاح نصر

وعقب هذا الاحتجاج المقدم للرئيس؛ صدر أمر تنفيذي رقم 9312، بتاريخ 9 من آذار/مارس 1943، حدد بوضوح مسؤولية “مكتب معلومات الحرب” في قيادات ما وراء البحار. وجاء في الأمر الجديد أن “مكتب معلومات الحرب” هو الهيئة المسؤولة عن عمليات المعلومات والدعاية السافرة في الخارج.

ولكن لم يوضح الأمر الرئاسي تمامًا مهام “الحرب النفسية”؛ التي يحتفظ بها “مكتب الخدمات الإستراتيجية”، فمثلاً لم يذكر الأمر ما إذا كان “مكتب معلومات الحرب” أو “مكتب الخدمات الإستراتيجية” له سلطة على نشاط الثوار أو في حملات الدعاية المستترة. ولم يغفل الأمر كثيرًا نحو حل المشكلات الخاصة بتنسيق العمل بين الهيئات المنفصلة. ومع ذلك فقد كان تقدم الحرب هو الذي عمل على حل أو تخفيف حدة هذه المنازعات بين الهيئات.

وقد تم تسوية هذه المسألة بإنشاء “لجنة الحرب النفسية” مشتركة القيادة والإدارة بين الهيئتين.. و”لجنة الحرب النفسية” المشتركة؛ عبارة عن هيئة عسكرية، وتتكون عضويتها من موظفين عسكريين، وقد حددت مهامها على النحو التالي:

“تبدأ وتشكل خطط الحرب النفسية، وتقوم بتوجيه من اللجنة المشتركة لرؤوساء أركان الحرب بتنسيق الحرب النفسية الخاصة بهيئات الولايات المتحدة الحكومية والتعاون مع الأمم المهمة لتحقيق الهدف الذي يتفق مع إستراتيجية الحرب النفسية”.

يقول رجل الاستخبارات المصري الأشهر، “صلاح نصر”: “كان تنظيم عمليات «الحرب النفسية» في كل مكان يتم على أساس إرتجالي. لم يكن هناك تبادل كبير للمعلومات بين القيادة العسكرية الكبرى والقيادات الأخرى. ولهذا لا يمكن لإنسان أن يصف بجرة قلم واحدة خصائص التنظيم؛ الذي كان موجودًا في الجيش لسير عمليات «الحرب النفسية» في الميدان. كانت هناك اختلافات هامة في التركيب أو التشكيل بين كل قيادة والقيادة الأخرى” (6).

وكانت المنطقة التي بدأت فيها “الولايات المتحدة” القياد بمجهود عسكري في “الحرب النفسية” أثناء الحرب العالمية الثانية هي شمال إفريقيا. لقد كانت طبيعة العملية “إنكليزية-أميركية”، وشخصية القائد “جنرال إيزنهاور”، هي التي حددت لون التنظيم الذي كان ينفذ هذه الحملات في القيادة في المدة من 1943 حتى 1945، وكان مفهوم جنرال “إيزنهاور”، الخاص بالتنظيم العسكري، يتطلب إنشاء هيئة موظفين عسكريين لتخطيط عمليات “الحرب النفسية” والإشراف عليها، وكانت هذه العملية قسمة مشتركة بين الأميركيين والبريطانيين.

وكان مفهوم التنظيم، طبقًا لقيادة الجنرال “إيزنهاور”، ان يحقق التضامن بين المواهب الأميركية والبريطانية، كما يهدف التنظيم إلى استخدام الموظفين الذين يشغلون وظائف ذات مسؤولية كبرى، على حسب قدراتهم الفردية؛ بغض النظر عما إذا كانوا ينتمون إلى هيئات عسكرية أو يتبعون هيئة مدنية. وكانت نتيجة ذلك في قيادات جنرال “إيزنهاور” في شمال إفريقيا 1943، وفي قيادة شمال غربي أوروبا 1944 – 1945، أن أسند أكبر منصب في “الحرب النفسية” إلى قائد أميركي.

يرى “نصر” أنه: “إذا نظرنا إلى الأمر نظرة فاحصة؛ نجد أن كل الحروب عسكرية كانت، أو اقتصادية أو سياسية، إنما هي حرب نفسية، لأنها تهدف إلى تغيير العقل وتقبل رغبات العدو” (7).

لذا يدلل على وجهة نظره هذه بالإشارة إلى النشاطات المضنية التي مارستها الدعاية الأميركية أثناء الانتخابات الإيطالية عام 1948؛ لإبعاد الشيوعيين عن الحكم.. ففي ذلك الوقت كان “الحزب الشيوعي الإيطالي” من أقوى الأحزاب العاملة في الدول الغربية. وبدا أن الشيوعيين يسعون لكسب السيطرة على الحكومة بالحصول على أغلبية الأصوات في الانتخابات.

وأصبحت “إيطاليا” ميدان المعركة الأساس في الحرب الباردة ومسرحًا لصراع إيديولوجي كبير، فقامت “الولايات المتحدة” من جانبها بتنظيم حملة دعائية شاملة لتعزيز أهدافها السياسية في “إيطاليا”.

وكان أول ما قامت به الولايات المتحدة لمواجهة التهديد الشيوعي؛ أن طبقت “مشروع مارشال” للمعونة، الذي كان قد بدأ لتوه في الوصول إلى “إيطاليا” بكميات كبيرة. وكان هدف “الولايات المتحدة” من وراء ذلك مساندة مرشحي “الحزب الديمقراطي المسيحي” في الانتخابات، بزعامة “دي غاسبيري-De Gasperi”.

قام المسؤولون الأميركيون بتوزيع نشرات داخل “إيطاليا” نفسها على نطاق واسع تحدد الخطوط العريضة لـ”مشروع مارشال”. وكانت تُعد معروضات خاصة تتألف من صور فوتوغرافية معروضة عرضًا جذابًا وبيانات احصائية، وما شابه ذلك لعرضها على الفئات ذات الدخل المنخفض. كما أن أفراد “مكتب الاستعلامات الأميركي” في “روما”، وغيرها من المدن الكبرى، كانوا ينظمون ويعرضون معروضات تسمى “العامل في أميركا”، وكان الهدف من هذه المعروضات أن توضح كيف تعيش عائلات الطبقة العاملة في “الولايات المتحدة”.

واستخدمت الأفلام السينمائية في “إيطاليا” بإسلوب كان له أثر كبير على جهود الدعاية الأميركية، ولقد أعرب أحد المراقبين عن رأيه في أن الأفلام الأميركية كانت من أشد الوسائل تأثيرًا وفاعلية بين الوسائل المستخدمة في الحملة الدعائية التي سبقت الانتخابات في “إيطاليا”. ومن بين الأفلام التي وزعت في “إيطاليا”، خلال هذه الفترة، كان فيلم (نينوتشكا-Ninotchka)؛ الذي أنتجته شركة “مترو غولدوين ماير”، عام 1939، وأنفرد بتأثير خاص من بين كل الأفلام.

إن هذا الفيلم، الذي كان يسخر من الحياة في “روسيا” بأسلوب تهكمي، نزع إلى أن يترك المشاهدين بإحساس مؤداه أنه إذا كانت هذه هي “روسيا”، فهو يرجو الخلاص من مثل هذا المجتمع.

ومن أطرف أساليب الدعاية؛ التي استخدمت للتأثير في الانتخابات الإيطالية، حملة كتابة الخطابات التي نظمت بين الأميركيين من أصل إيطالي المقيمين في “الولايات المتحدة”. كانت الخطة ترمي إلى تشجيع تدفق الخطابات الشخصية من الأميركيين ذوي الأصل الإيطالي في “الولايات المتحدة” لحث أصدقائهم وأقاربهم في “إيطاليا” على رفض “الشيوعية” في الانتخابات.

ولقد كان “غنيروسو بوب-Generoso Pope”، رئيس تحرير أحد الصحف الإيطالية القوية في نيويورك، أول من حث الأميركيين الإيطاليين على الكتابة إلى أصدقائهم وأقاربهم في “إيطاليا”. ولقد شرح مستر “بوب” هذه الحملة على النحو التالي: “لقد بدأت الحملة، وأنا أدرك أن شعب إيطاليا سوف يصدق الحقيقة عندما يقولها له أخ أو صديق أو قريب تربطه به وشائج الدم”.

وأنضم آخرون إلى “غنيروسو بوب”، في طبع خطابات نموذجية لإرسالها للخارج من الإيطاليين في “الولايات المتحدة” إلى مواطنيهم السابقين. وقد وصف “فيكتور آنفوسو-Victor Anfuso”، أحد مؤلفي هذه الخطابات، السبب الرئيس في حملة كتابة الخطابات بقوله:

“لقد أحسست أن كثيرًا من الذين ينتمون إلى أصل إيطالي يرغبون في الكتابة، ولكن لم يتح لأيً منهم الوقت أو الحقائق الكافية لصياغة الخطاب. ولكن بعد إعداد الخطابات، لم يكن أمام المرسل سوى التوقيع ووضع الخطاب في مظروف وتوجيهه إلى صديق أو قريب في إيطاليا”.

حسن التهامي بالزي العسكري

ولقد تولت الكنائس الكاثوليكية في “نيويورك” و”نيوغيرسي” توزيع الخطابات على الأفراد المقيمين في دوائرها، كما أسهمت في الحملة عدة منظمات “إيطالية-أميركية”.

وكانت جميع تلك الخطابات تصرخ بمعان وكلمات شبه موحدة دارت حول: “.. ألا تلقوا بإيطاليا بلدنا الجميل بين ذراعي الشيوعية المستبدة ..”.

“.. ولتثقوا في صداقة أميركا الأكيدة، ولا ترفضوا المعونة التي ترغب هذه الأمة في مواصلة تقديمها، ولا تحطموا في يوم واحد، العمل الضخم الذي أنجزتموه في توجيه إيطاليا نحو إعادة البناء والتعمير..”.

” .. ذلك هو النداء الحار الذي يوجهه إليكم الأميركيون من ذوي الأصل الإيطالي في يوم عيد القيامة، على أمل أن يستمر الإحتفال بقيامة الرب في تلك الأرض التي هي قلب الكاثوليكية..”.

ومنذ أقدمت الحكومة الأميركية على إنشاء جهازًا للمخابرات، سوف يعرف بعد ذلك اصطلاحًا بالـ (CIA)، في شهر تموز/يوليو 1947، يلحظ المؤرخ والمحلل الأميركي، “ف. س. سوندرز”، أنه تم إنشاؤه ليتولى الجانب الثقافي في الحرب الباردة. مؤكدًا على أنه كان أول أعمال هذا الجهاز تكوين واجهة ثقافية يعمل من خلالها “لتحصين العالم ضد وباء الشيوعية” وتمهيد الطريق أمام مصالح السياسة الأميركية في الخارج، فكان “الكونسورتيوم”؛ الذي يضم مجموعة من الراديكاليين ممن تحطم إيمانهم بالشيوعية وأصابهم الإحباط بسبب سياسات “ستالين” القمعية.

وتتلخص الخطة في أن يقوم هؤلاء أنفسهم بنقد الشيوعية من خلال مختلف الوسائط: “كتابة مقال، أو إلقاء محاضرة عامة، أو كتابة رواية أدبية أو عمل مسرحي”، على أن يدور خطابهم حول ما الذي جعلهم يعتنقون الشيوعية ؟.. وما الذي دفعهم إلى أن يعلنوا توبتهم عنها ؟.. والمعنى من وراء ذلك: “أن تتم محاربة الشيوعية بواسطة شيوعيين انشقوا على الشيوعية؛ حتى يكون خطابهم أكثر إقناعًا من خطاب عناصر رأسمالية عادية سوف يفهم حديثهم على أنه دعاية مضادة للشيوعية”.

وعندما افتتح السوفييت بيتًا للثقافة في “برلين” لبناء ثقافة شيوعية هناك، أسرع الأميركيون بافتتاح المراكز الثقافية في مختلف بلاد العالم لتقديم الثقافة الأميركية من خلال عروض السينما وحفلات الموسيقى والمعارض الفنية والمحاضرات العامة، وإرسال فرق موسيقية من “زنوج أميركا” لتغيير المفهوم الشائع عن “العنصرية الأميركية” (8).

وبرغم كل ما يشوب مروياته من معلومات وأخبار موجهة قد تختلط بها الحقائق والوقائع التأريخية تزييفًا متعمدًا؛ نظرًا لطبيعة وظيفته.. إلا ومع تناول ما ساقه عميل الاستخبارات ورجل المخابرات المركزية الأميركية الشهير، “مايلز كوبلاند”*، عن خصائص وتوظيف الأقسام الأساسية لوكالة الاستخبارات المركزية وبدايات دعائم آلياتها، يوجه تساؤلاً تعريفيًا مفيدًا: “المخابرات المركزية: هل هي مؤسسة نظامية أم تشكيل بيروقراطي ؟”، محاولاً الإجابة بأنه: “حدد مكتب تنسيق السياسات خمسة مجالات لأعماله هي: الدعاية، ونقابات العمال، واللاجئين والميدان السياسي وشبه العسكري. كان علينا التركيز في العمل على أوروبا الغربية ثم الشرق الأوسط وبعده إفريقيا … هناك اثنان من المجالات الخمسة هما: نقابات العمال والميدان شبه العسكري، لم تكن فرقة الشرق الأدنى توليهما أدنى اهتمام. لأن لا توجد هناك نقابات عمال تستحق حمل هذا الاسم في الشرق الأوسط. ولكون العمليات شبه العسكرية من النوع الذي نبحث له عن حجة قوية لإضعافها قبل أن يأتي صاحب أفكار لامعة ويطالبنا بدور فاعل في النزاع العربي الإسرائيلي أكثر مما كنا نأمل”.

ويصف “كوبلاند” التعريفات الأساسية لجهاز المخابرات المركزية، منذ لحظة ميلاده، وإجتهادات توظيف مهامه الأساسية الأولية في ظل انشغالات السياسات الأميركية الخارجية في عصر ما بعد الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة بقضيتين رئيسيتين، وهما تحديدًا قضية محاربة ومطاردة الشيوعية داخل كافة دول العالم بالإضافة إلى الصراع “العربي-الإسرائيلي”، “حددت وكالة المخابرات المركزية مفهوم «المخابرات» ليشير إلى ما علمناه عن الآخرين ويشير مفهوم «المعلومات» إلى ما أبلغنا الآخرين به حول أنفسنا. الأولى هي الوارد؛ أي ما نريد أن نعرفه عن الأهداف، بينما الأخيرة فهي الصادر أو ما نريد أن يعتقده الأهداف من معرفة بشأننا”.

ويقر بأنه: “كان العمل من الناحية الأساسية عبارة عن تلفيق معلومات على غرار «رجل يعض كلبًا»، وذلك لتوفير أفضل فرصة لتتلقفها الصحافة؛ وفي نفس الوقت تحتوي على مضامين تعزز المصالح الأميركية وتؤذي السوفييت”.

ورغم أهمية الدور الدعائي وإدارة الحروب النفسية وتوجيهها، إلا ويعترف “مايلز”: “… مع ذلك كنت أشعر في ميدان العمل بأنني موظف من الدرجة الثانية، خاصة في ضوء التخطيط للعمليات الذي كنت ألاحظه بين حين وآخر في فرقة أوروبا الغربية. كانت لدى هذه الفرقة، التابعة لمكتب التنسيق، حوالي مئة خطة على الورق هدفها التأثير على الانتخابات وإحراز السيطرة على نقابات العمال، وخلق نقابات عمال جديدة، ودعم صحفًا وصنع وجوهًا سياسية في مجاميع اللاجئين، وقد وضعت ثلاثون أو أربعون منها موضع التنفيذ مؤخرًا” (9).

تحت مظلة الهيمنة: تبعية.. أم تحالف ؟

كان من طبيعة الأحوال، وكما هو مشهود به في أغلب الدراسات العلمية التأريخية لفترات التحرر الوطني التي سادت المجتمعات المستعمرة لدول العالم الثالث بعد هدأة غبار الحرب العالمية الثانية، أن تلجأ النخب الحاكمة والمستلمة لمقاليد إدارة دولها الباذخة إلى أساليب أجنبية لتأسيس وتنشأة أجهزتها الأمنية والاستخباراتية، واتجهت في دراسة آليات تأسيس أجهزتها ومؤسسات هرمها الأمني وصنع وتدريب كوادره وقياداته، إلى الدول الغربية والأوروبية المتقدمة، مبتعدة بقدر الإمكان، كما حرصت بعض بلدان العالم الثالث، عن مناهج الدولة التي كانت تستعمرها مباشرة بالأمس.

وفي الحالة المصرية، كمثال، كما حافظت دولة ما بعد ثورة (تموز) يوليو 1952 على هيكل وزارة داخليتها الذي ورثته من عهد الاستعمار البريطاني؛ والاستفادة من كوادره في تطويرها له وتوسعته مواكبًا لشروعها في تأسيس الأجهزة التخصصية استخباراتيًا، كما أوضحنا سابقًا عبر الدراسات الأمنية، فنجد “زكريا محيي الدين”، أحد ضباط الصف الأول من “تنظيم الضباط الأحرار”، قد تولى فور نجاح الانقلاب العسكري وزارة الداخلية مطورًا جهاز “المباحث العامة” قبل بدأه في تأسيس “جهاز المخابرات العامة”. وقد استفادت مصر في تنشأة جهازها الاستخباراتي بالخبرات الأميركية والألمانية، خاصة ومع الأخيرة التي تفكك هرمها الأمني الذي كان مشهودًا بتفوقه في عهده النازي عقب هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية وانتشار كوادره وعناصره الأمنية على طول دول العالمي سواء كهاربين من الأحكام الدولية أو كمستشارين تخصصيين في المجالات الأمنية والتجسسية.

تتنوع درجات الإرتباط النوعي لأجهزة أمن دول المجتمعات المحررة بهرمية الأمن الأميركي، خاصة إبان ذروة عصر الحرب الباردة، بداية من مستويات التحالف وحتى مستوى التبعية العضوية التعاوني والاستشاري.. وقد حددت السياسات الخارجية لنظام (تموز) يوليو المصري تلك المستويات لأجهزته الأمنية ومدى إقترابها وبعدها من المؤسسات الأمنية الأميركية، فاتخذ مؤشرها صعودًا وهبوطًا تبع سياسة أو لعبة “ناصر” حيال الولايات المتحدة، منذ قيام الثورة وعلى امتداد عقدي الخمسينيات والستينيات.

يقول “مايلز كوبلاند”: “في آذار 1953، وبعد سنة تقريبًا من اليوم الذي قمت فيه بمهمتي الاستطلاعية، عدت إلى القاهرة لأغراض عملية صرفة، بمهمة مشتركة بين المخابرات المركزية وشركة (BA&H)، إلا أنها لا تتضمن أي تضارب في المصالح بين الطرفين. وبالنسبة للمخابرات المركزية، كان عليَ أن أتابع المفاوضات الجارية بين ملحقنا العسكري «ديف» و«زكريا محيي الدين»، المدير الجديد للمخابرات المصرية وأحد المقربين من «ناصر»، حول إمكانية تقديم المخابرات المركزية التدريب الاستخباري للتجسس ومكافحة التجسس للمصريين. وبالنسبة لشركة (BA&H)؛ كان عليَ أن اكتشف فيما إذا كان «بنك مصر»، وهو المصرف الوطني المصري، جادًا في موضوع استخدام شركة (BA&H) في إجراء تقييم شامل لجميع ممتلكاته، إبتداءً من معمل النسيج في «المحلة الكبرى» إلى المصرف نفسه. وقد نجحت في كلتا المهمتين. قال «زكريا» إنه يرغب بالتأكيد في تقديم خبراء المخابرات المركزية المعونة في إعادة تنظيم المخابرات المصرية، وقال «أحمد رشدي»، رئيس بنك مصر، أنه يرغب بالتأكيد في أن تتولى شركة (BA&H) المهمة التي ناقشها السفير المصري في واشنطن مع «رالف سمايلي»، رئيس الشركة، شريطة ان تتولى الوكالة الأميركية للتنمية، (AID)، الدفع للشركة”.

متابعًا: “إذا كانت هناك أية حيل في العملية النهائية، فهي قد جاءت نتيجة رغبتي في ربط المهمتين معًا. فإذا ما استطعت أن أجعل المخابرات المركزية تقنع وكالة التنمية، (AID)، أن تدفع عن «بنك مصر» أو بالأحرى إذا ما استطعت أن أجعل المخابرات المركزية تقنع وزارة الخارجية لتقنع مسؤولي وكالة التنمية الكبار، (وهو طريق ممكن في تلك الأيام، طالما كان «آلن دالاس»، مديرًا للمخابرات المركزية، و«جون دالاس»، وزيرًا للخارجية)، فستكون لدي عملية استخبارية متكاملة. وبقدر تعلق الأمر بي ستكون المخابرات المركزية غطائي في العمل بشركة (BA&H)؛ وعملي في الشركة سيكون غطاء لعملي في المخابرات المركزية كابن وفي لها. وليس لأي منهما أن تشعر في البداية، لم يكن يعرف وضعي المزدوج سوى «زكريا محيي الدين». إلا أنه، وفيما بعد اكتشف مدير الشركة في واشنطن، «رالف سمايلي»، هذا الوضع لأنه لم يكن يدرك أي سبب آخر يجعل موظفًا بسيطًا في شركته بمصر يستطيع الوصول بسرعة إلى مسؤولي الحكومة الكبار. مع ذلك، لم يكن يرى أي تعارض، طالما يبدو واضحًا أنني شخصية مرغوب بها في الأوساط الحكومية المصرية، وبذلك أتمتع بوضع استطيع فيه الحصول على المزيد من العقود المربحة للشركة” (10).

ونلحظ هنا اعتماد الاستخبارات المركزية الأميركية على الشركات التجارية الكبرى، في فجر إزدهار الشركات متعددة الجنسيات وقبيل عصر هيمنتها الطاغية الحالي، بالتنسيق والتوحد معها في عملها سواء كممول لعملياتها وآلياتها التنفيذية أو كغطاء شرعي لممارساتها وعناصرها السرية، بالطبع قبل تطوير هذا التنسيق ليصبح توحدًا كاملاً في الآليات والجهود والأهداف.

يكمل “كوبلاند” ساردًا: “خلال الفترة الفاصلة بين لقائي بـ«زكريا» (محيي الدين) ولقاء «كيم» (روزفلت) بـ (عبد) «ناصر»، أضيف أمر جديد ذو أهمية لهذا الاتفاق، ويتمثل بشخص النقيب «حسن التهامي»**. فقد وافق «زكريا» على إرسال أحد الضباط الأحرار الذين يتحدثون الإنكليزية إلى واشنطن لإلقاء نظرة علينا ونحن في بلادنا، وكان «حسن» هو رجل الموقف.

“أمضى «حسن» في واشنطن فترة أسبوعين؛ عرضت أمامه خلالها كل الخدمات والمعونات الفنية التي يمكن أن تقدمها المخابرات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالات شرطة المدن المختلفة إلى الحكومة المصرية الجديدة، وكنت برفقته طيلة الوقت. وبعدها غادر مباشرة، استقلت رسميًا من المخابرات المركزية، وودعتها بدموع من قبل كل من حولي، وغادر «كيم» إلى القاهرة لإضفاء الصفة الرسمية على هذه الترتيبات مع «جمال عبدالناصر»، الذي كان في ذلك الوقت نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية. أمضيت ربيع 1953 في مدينة نيويورك؛ أتعرف على عمل الشركة بهدف الإطلاع على أساليبها، بعدها عدت إلى واشنطن لأيام قليلة لأمارس دوري كابن وفي وأقدم ملاحظاتي حول تقرير كتبه «كيم» عند اجتماعه مع «ناصر»، وأتلقى بعض التعليمات، بعدها أخذت زوجتي وأطفالي وغادرت إلى القاهرة” (11).

ومع تذبذب العلاقات “المصرية-الأميركية”، أثناء العهد الناصري، صعودًا وهبوطًا متدنية في أغلبها إلى درجة قطع العلاقات الدبلوماسية والرسمية تمامًا، كما حدث عقب هزيمة حزيران/يونيو 1967، كانت العلاقات الأمنية وقتها مجمدة في خانة العدم، إلا من منافذ درج على تسميتها بـ”القنوات الخلفية” من قبل مذكرات وكتابات قيادات أمنية وتحليلات الراصدين لها.. يقول “صلاح نصر”: “بعد أن منيت مصر بالهزيمة في (حزيران) يونيو سنة 1967، اتهم «عبدالناصر» الولايات المتحدة بتقديم المساندة الجوية لإسرائيل.. وبادر بقطع العلاقات الدبلوماسية مع واشنطن، وأخذت السفارة الأميركية تصفي أعمالها.. وتم الاتفاق على إستبقاء ثلاثة أفراد في السفارة الأميركية لمباشرة مصالح الرعايا الأميركيين تحت إشراف السفارة الإسبانية التي أصبحت تشرف على رعاية المصالح الأميركية في القاهرة.

“طلب مني «عبدالناصر» ألا أقطع علاقاتي مع واشنطن، حتى تكون هناك حلقة اتصال غير دبلوماسية بين القاهرة وواشنطن، ومن ثم تقرر إستبقاء «وليم برومل»، ضابط المخابرات الأميركي في السفارة الأميركية، لأنه كان حلقة اتصال بيني وبين مدير المخابرات الأميركية. وكان مستر «برغس» قد تعين ليكون رئيسًا للبعثة الأميركية في القاهرة بعد قطع العلاقات الدبلوماسية بين مصر وواشنطن، وكانت تربطه مع بعض المسؤولين بمصر مثل «زكريا محيي الدين» و«حسن صبري الخولي» علاقات طيبة.

“كان «عبدالناصر» لا يريد قطع الحبل مع واشنطن، ولذا سمح للسفارة باستمرار الاتصال اللاسلكي بين القاهرة وواشنطن عن طريق هيئة المواصلات السلكية واللاسلكية.. وفي منتصف (حزيران) يونيو سنة 1967، طلب مني «عبدالناصر» أن أواصل اتصالاتي مع الأميركيين وأجس نبضهم إزاء مسلكهم لتسوية الموقف، وتحسين العلاقات المتدهورة بين القاهرة وواشنطن.

“ونجحت عن طريق «وليم برومل» وعن طريق المخابرات الإيطالية في حث الولايات المتحدة على عرض اقتراح أظن أنه كان فرصة طيبة لتسوية مرضية لو تحققت، كما أثبتت الأيام فيما بعد.

“جاء لي «وليم برومل»، بعد أسبوع، يحمل رسالة لاسلكية من الرئيس «غونسون» هذا نصها:

من الرئيس غونسون

إلى السيد صلاح نصر:

“بالرغم من العلاقات المتدهورة بين البلدين فإن الولايات المتحدة على استعداد ان تدخل في مفاوضات لإزالة حدة التوتر القائم، فإذا ما وافقت مصر فإن سفيرنا في روما على استعداد لمقابلة مندوب مصر لوضع الخطوط الرئيسة لمحاثات على مستوى أكبر في واشنطن”.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كان هناك سبيل آخر تقوم به المخابرات الإيطالية في الخط ذاته، إذا كانت تسعى لدى واشنطن لإيجاد تسوية عادلة لمشكلة الشرق الأوسط..

ففي يوم 24 حزيران/يونيو سنة 1967؛ وصلتني الرسالة التالية من المخابرات الإيطالية نصها كما يلي:

رسالة رقم REI/391G53/3؛ بتاريخ 24 حزيران/يونيو سنة 1967، مرسلة من واشنطن عن طريق المخابرات الإيطالية إلى صلاح نصر:

سوف يكون السفير «رينهاردت» مستعدًا للقاء في روما بغرض مناقشة الاقتراحات المرفقة بالرسالة أو أي مواضيع أخرى يثيرها المدير أو يرغب في إثارتها – المدير هنا يعني «صلاح نصر» – إن المقابلة تهدف إلى توضيح النقاط التي يرغب كل طرف إثارتها متضمنًا النقاط التي لا توافق عليها الولايات المتحدة.

إذا ما تمت الموافقة على ذلك، سوف ترسل واشنطن ضباطًا متخصصين لمعاونة السفير «رينهاردت» في محادثاته.. ولما كانت الولايات المتحدة لم تتشاور مع الآخرين في هذه المواضيع، فإنها بالطبع تتحدث باسمها، نرجو إفادتنا فورًا بموعد وصول المدير إلى روما.. انتهت.

وكان مرفقًا مع كل من رسالة «غونسون» ورسالة الإيطاليين مشروع حل وسط نذكره بالنص فيما يلي:

نقاط المشروع:

1 – أن يستبعد نهائيًا إجراء أية مفاوضات مباشرة للصلح بين العرب وإسرائيل.

2 – الاعتراف بكيان إسرائيل اعترافًا “في الواقع-De Facto”.

3 – انسحاب القوات الإسرائيلية فورًا على جميع الجبهات وعودتها إلى ما وراء الحدود التي كانت قائمة حتى يوم 4 (حزيران) يونيو سنة 1967.

4 – تضمن قوات الطواريء الدولية تلك الحدود على جميع الجبهات التي كانت قائمة حتى يوم 4 (حزيران) يونيو سنة 1967.

5 – حرية المرور بمضايق تيران.

6 – تعويض البلاد العربية عن الأضرار التي لحقتها نتيجة العدوان.

7 – تعويض المليون لاجيء فلسطيني الذين لا يزالون ينتظرون منذ عشرين عامًا تحديد مصيرهم، مع تسوية وضعهم نهائيًا.

8 – تعهد من جانب الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية بتنفيذ برنامج اقتصادي ومالي وصناعي لمدة ثلاثين عامًا يهدف لرفع مستوى المعيشة في جميع الميادين بين شعوب المنطقة العربية؛ وفي مقدمتها الجمهورية العربية المتحدة، مقابل استعادة وتدعيم العلاقات والتعاون الشامل في الميدان السياسي والاقتصادي بين دول العالم العربي والدول الغربية.

ملحوظة: فيما يتعلق بتسوية وضع اللاجئين نهائيًا.. إلى جانب بذل جميع المحاولات الممكنة في سبيل عودة أكبر جانب ممكن من أولئك اللاجئين إلى وطنهم في إطار تنفيذ البرنامج الاقتصادي المالي الصناعي، (المشار إليه في البند 8)، استيعاب وتوطين جانب كبير منهم في البلاد العربية التي ستستفيد من ذلك البرنامج والتي لديها من المساحات الشاسعة الصالحة للاستصلاح والتعمير ما يكفي لتوطينهم ومنحهم الحياة الكريمة، (مثل مشروع الجزيرة في سوريا والمناطق بين دجلة والفرات في العراق، وصحراء سيناء والمناطق الساحلية في الصحراء الغربية بالجمهورية العربية المتحدة.. إلخ).

ويمضي “نصر في روايته مؤكدًا: “وقد وافق «عبد الناصر»، في باديء الأمر، على إيفاد السيد «أحمد حسن الفقي»، نائب وزير الخارجية، للتباحث مع «رينهاردت»، السفير الأميركي في روما، ولكن بعد وصول «بودغورني» و«زخاروف» إلى القاهرة تغير الموقف، وطلب مني «عبدالناصر» الكف عن هذا الاتصال.

“لقد كان «عبدالناصر» لا يثق في واشنطن، وخشي أن يكون العرض مجرد خدعة، هذا فضلاً عن الجرح العميق الذي أدمى روح «عبد الناصر» لإحساسه بدور أميركا في التآمر عليه في حرب (حزيران) يونيو للقضاء عليه.. ومن ناحية أخرى كان «عبدالناصر» قد قرر الإنحياز نهائيًا إلى موسكو، بعد أن تبين إن سياسة عدم الإنحياز أصبحت لا فائدة منها.. ففي لقاء بين «بودغورني» و«عبدالناصر» في القاهرة، قال الأخير: «لقد أثبتت الأيام عدم جدوى سياسة عدم الإنحياز، وضعف قوى العالم الثالث، ونحن على استعداد للإنحياز إليكم».

“رد عليه «بودغورني» بفتور؛ بقوله: «هذا كلام طيب، ولكن ينبغي أن أعود للحزب لأعرض عليه هذا الأمر» (12).

أما رواية “أمين هويدي”، الرجل الذي تسلم إدارة جهاز المخابرات العامة المصرية عام 1967 خلفًا لـ”صلاح نصر”، في أعقاب قضايا إنحراف وتطهير الجهاز تحت غيمة ظل هزيمة حزيران الثقيلة، فقد جاءت؛ مؤكدًا على رد فعل “عبدالناصر” الذي كان قد وصل إلى مرحلة متقدمة من فقدان الثقة بالولايات المتحدة الأميركية وسياستها..

“.. كانت هذه هي الصورة التي أوضحتها للرئيس «عبدالناصر» وأنا أعرض عليه رأينا بخصوص «فتح هذه القناة الخلفية»، حينما علمت بوصول «وليم بروميل» إلى القاهرة وبعد المقابلات التمهيدية التي تمت بينه وبين بعض المساعدين” … “ووافق «عبدالناصر» بعد تردد لأن الرجل كان قد فقد ثقته نهائيًا في الولايات المتحدة الأميركية شاكًا في نواياها من تصرفاتها. وقد أثبتت الأيام أنه كان على حق في شكوكه وحذره. لكنه وافق على أساس أن المصلحة تقتضي ذلك، فليس للعداوة أو الصداقة الكلمة الأولى في ممارسة السياسة”… “وبناء على ذلك حددت موعدًا لمقابلة «وليم بروميل»، مندوب وكالة المخابرات المركزية….”

مضيفًا “هويدي”: “لقد كان هناك اتفاق عام، ومن أول وهلة، على ضرورة تحديد الغرض من هذه القناة الخلفية، وعلى أن يكون الغرض عند تحديده مثمرًا وإيجابيًا، فكل إنسان في استطاعته إقامة اتصال وعلاقة، ولكن أن يكون هذا الاتصال مثمرًا والعلاقة إيجابية فهذا شئ آخر.

“ولم يكن من المتصور أن يكون الحوار من خلال هذه القناة الخلفية في نطاق التعاون بين جهازي المخابرات في البلدين. لأن مفهوم التعاون في هذا المجال يبنى على وجود هدف واحد مشترك تسعى الدولتان لتحقيقه؛ كأن يكون مثلاً القضاء على نظام ما في دولة أخرى، وهنا لابد من إطلاع كل طرف على ما لدى الطرف الآخر من معلومات تمكن من تحقيق الهدف المشترك. ولم يكن الأمر هكذا بين الدولتين، فكل منهما تريد «قطع رقبة الأخرى»، لكن بفارق رئيس أن إحدى الدولتين معتدية والأخرى معتدى عليها.

“ولم يكن من المتصور أيضًا أن يتم الحوار على أساس اختلاف الطرفين مع عدم تعارضهما أو تصادمهما. فإن الأغراض كانت مختلفة ولا يسير هذا الخلاف في خطوط متوازية، ولكنها خطوط متقاطعة معقدة.

“ولم يكن هناك خلاف على ذلك بين وجهتي النظر، إذ يتم الحوار في هذه المجالات بصراحة كاملة لا يترك وراءها شكًا أو غموضًا”.

موضحًا: “ولكن بقي جانب واحد يمكن الاتفاق على العمل في إطاره؛ وهو ضرورة استقرار في المنطقة يبنى على أساس سلام عادل. إلا أن «بروميل» – وهو ينقل رأي وكالته – أضاف بعض التوضيحات، أن الهدف المشترك لفتح هذه القناة قي رأيهم – هو إيجاد حل للأزمة العربية/الإسرائيلية بدون حرب، كذا إيجاد طريقة للولايات المتحدة الأميركية كرة أخرى أن تسهم بطريقة ما في تنمية مصر. وكان الرجل قلقًا من تزايد العلاقة بين القاهرة وموسكو وعلى ثقة في الوقت مفسه من أن القاهرة قد أستعادت قدرتها بصورة ملحوظة خلال العامين السابقين”.

مؤكدًا: “وقد فُتحت قنوات خلفية قبل ذلك بواسطة أفراد عديدين؛ ربما مع وكالة المخابرات المركزية وربما مع غيرها. ولكن البعض من هؤلاء أداروا «القناة الخلفية» لحسابهم أو ربما لحساب «الوكالة» أو «لغيرها».. البعض من هؤلاء «سقط»، والبعض الآخر كان أذكى من أن «يسقط».

ويشير “هويدي” هنا – من طرف خفي – إلى بعض قضايا التجسس التي تم ضبطها وفضحها لصالح وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، وعلى رأسها فضيحة الصحافي المصري الشهير، “مصطفى أمين”، الذي ضبط متلبسًا، قبل ذلك بسنتين قفط، بالتجسس لصالح محطة الوكالة الأميركية بسفارتها بالقاهرة، تحت زعم إدارته لـ”قناة اتصال خلفية” أو سرية لصالح مصر مع الأميركان.

ويستمر “هويدي” في سرده لقصة القناة التي أدارتها الاستخبارات المصرية، تحت رئاسته، مع “بروميل”: “… وأستمرت هذه القناة الخلفية في العمل حتى بدأ الرئيس «أنور السادات» في إستخدامها. وهنا تحولت إلى قناة ملزمة، إذ كان على أحد طرفيها قمة القيادة السياسية وعلى الطرف الآخر بعض أفراد من الحلقة الداخلية. وتحولت بالتالي إلى قناة تبحث عن أي حل وبأي ثمن بدلاً من كونها وسيلة تحاول أن تضغط وتؤثر على الطرف الآخر” (13).

ومع تصاعد الأحداث الدراماتيكية على المنطقة التي واكبت ولادة عقد السبعينيات، بداية من هزيمة حزيران 1967، وقيام حرب تشرين 1973 بنتائجها المحدودة، ثم إصرار “مصر السادات” على الخروج من دائرة الصراع “العربي-الإسرائيلي”؛ عبر مواثيق ومعاهدات مغلظة التقييد والإلتزامات، والاكتفاء بانفتاحها الشرهه على الدوران في الفلك الأميركي.. تصاعد بالتالي مستوى الانفتاح الأمني المصري على الهرمية المؤسسية للأمن الأميركي من مستوى “القنوات الخلفية” إلى مستوى التبعية التعاونية المتكاملة، فقد وحدت مصر “قبلتها” الأمنية تجاه أرض الأجهزة الأميركية، من ذلك الحين وحتى الآن، بداية من تدريب الكوادر وتطوير الآليات التنفيذية والعملياتية واتباع المناهج والدراسات النظرية والعملية إلى استيراد المعدات والإعداد اللوجيستي، بالإضافة إلى الاستعانة بخبرات شركات العلاقات العامة والدعاية وشركات الأمن النوعية المتشعبة التخصصات والمناهج.

في بداية عام 2016، كشفت منظمة “الخصوصية الدولية-Privacy International”، معلومات مثيرة عن عمل أجهزة الاستخبارات المصرية في التنصّت على المواطنين، من خلال تأسيس “إدارة البحوث التقنية” داخل جهاز المخابرات العامة، خلال فترة حكم الرئيس المصري المخلوع، “حسني مبارك”. وأعدّت المنظمة، التي تتخذ من “لندن” مقرًا لها، تقريرًا مطوّلاً باللغتين العربية والإنكليزية، عنوانه (رجال الرئيس: داخل إدارة البحوث التقنية اللاعب السري في البنية التحتية للاستخبارات في مصر)، يتضمن تفاصيل طريقة عمل الإدارة، استنادًا إلى “وثائق أصلية أُعطيت بسريّة إلى منظمة الخصوصية الدولية”. كما أن التقرير مبنيٌّ على معلومات أصبحت متاحة علنًا عن مبيعات وأنشطة شركات التنصت. وأُجريت لإتمامه “مقابلات مع دارسين بارزين لوكالات الاستخبارات المصرية، وفقًا للمنظمة (14).

وتبرر المنظمة أهتمامها بإعداد ذلك التقرير؛ قائلة: “إدارة البحوث التقنية دخلت في دائرة اهتمامنا بسبب طموحها الكبير لشراء معدات التنصت. نكشف في هذا التقرير عددًا من شركات التنصت الأوروبية التي ما برحت تتعامل مع إدارة البحوث التقنية، وهي إدارة ظلّ دورها قابعًا في الظلام عبر تاريخ البلاد..”.

يُصوّر التقرير، “إدارة البحوث التقنية” باعتبارها لاعبًا سريًا أساسيًا في عالم الاستخبارات المصري، ويوثّق المعلومات التي حصلت عليها الإدارة من شركات غربية، من ضمنها مجموعة “نوكيا/ سيمنز” (NOKIA Group/Siemens)، و”هاكينغ تيم” (HACKING Team)، اللتين باعتا الإدارة تقنيات تنصّت متطورة.

وتوضح المنظمة، في تقريرها، إنّه “على الرغم من أنّ تاريخ إنشاء الإدارة غير واضح، ومن خلال مقابلات مع أحد دارسي الاستخبارات، فإن إدارة البحوث التقنية أُنشِئت أثناء حكم مبارك باعتبارها وحدة داخل المخابرات العامة تخضع لمساءلته مباشرة. وطبقًا لما هو متاح، أنشأ مبارك هذه الوحدة ليضمن أن حكومته قادرة على السيطرة على المعارضة السياسية. ويبدو أنها أُنشئت كوحدة تتمتع بالاستقلال الكامل داخل المخابرات العامة، وحدة يستطيع الرئيس الاستعانة بها، فرضًا، عندما ترفض المخابرات القيام بأنشطة معينة”. وتستدرك المنظمة، في تقريرها، أنه “من غير الواضح بالضبط التاريخ الذي أنشئت فيه إدارة البحوث التقنية. وتشير التواريخ في بعض الوثائق التي أطلعنا عليها إلى أن إدارة البحوث التقنية كانت منشأة بالفعل أثناء رئاسة أنور السادات، سلف مبارك”.

لم تتأثر “إدارة البحوث التقنية” بأحداث انتفاضة كانون ثان/يناير 2011، بل أثبت التقرير قيام الإدارة في شباط/فبراير 2011، بشراء مركزًا للمراقبة ونظامًا لإدارة اعتراض الاتصالات، وهي بنى تحتية مهمة لاعتراض الاتصالات في الشبكات. ويقع مقر “إدارة البحوث التقنية” في ضاحية “كوبري القبة” في القاهرة، وذلك طبقًا لوثائق من شركة التنصت، “التقنيات الألمانية الحديثة-Advanced German Technology”، وشركة “هاكينغ تيم”. ويبدو أن “إدارة البحوث التقنية” تتمتع بموازنة كبيرة. فقد توقعت شركة “هاكينغ تيم” أن تحصل على مليون يورو من بيع تقنيات تنصت اقتحامية لها.

توضح وثائق غير منشورة حصلت عليها المنظمة، عن أعمال شبكات “نوكيا/سيمنز” في مصر، أنه في العام 2011، باعت شبكات “نوكيا/ سيمنز” شبكة (أكس 25) إلى إدارة البحوث التقنية، وهي تقنية قديمة تسمح بالوصول إلى الإنترنت عن طريق الاتصال الهاتفي. كما تسمح هذه التقنية بالوصول إلى إحدى شبكات الإنترنت حتى وإنْ أُغلقت البنية التحتية الرئيسة للإنترنت في البلاد. كما باعت شبكات “نوكيا/سيمنز” إلى “إدارة البحوث التقنية”، إما في 2011 أو قبلها، نظام إدارة اعتراض الاتصالات، ومركز مراقبة شبكات الهواتف الثابتة والمحمولة. وتتيح هاتان التقنيتان إمكانات للتنصت الواسع، ما يمكّن الحكومة المصرية من اعتراض الاتصالات الهاتفية لأي خط يمرّ عبر نظام إدارة اعتراض الاتصالات. وتُظهر الوثائق أيضًا أنّ شركة “الأنظمة الكونية المتقدمة”، وهي شركة تقدم نفسها باعتبارها “مزوّد حلول رائد للأنظمة المشروعة”، قد توسطت في بيع هذه المنتجات. وتزعم الشركة أنها “الوكيل الحصري لأكثر من عشر شركات دولية”، (أميركية وأوروبية).

وبحسب تقرير المنظمة، كانت شركة أخرى طرفًا في تعاملات شبكة “أكس” هي “المصرية الألمانية لصناعات الاتصالات”، (Egyptian German Telecommunication Industries)، المملوكة جزئيًا لشركة “سيمنز”، والمعروفة بأنها “شراكة بين الحكومة المصرية وسيمنز آي. جيه ألمانيا. لصناعة الاتصالات”. وهي أيضًا الشركة المسؤولة في مصر عن تركيب مقاسم، (سنترالات)، “آي. دبليو. أس. دي”، وهي أنظمة سنترالات للهواتف الأرضية والجوّالة.

……………………………………..

المصـــــادر:

  • د. شادي عبدالوهاب منصور – “دراسات الاستخبارات: الحقل الجديد في الدراسات الأمنية الحديثة” – دورية (اتجاهات الأحداث) العدد 2 بتاريخ 25 شباط/فبراير 2018 – “مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة”.
  • د. شادي عبدالوهاب منصور – المصدر السابق.
  • د. شادي عبدالوهاب منصور – المصدر السابق.
  • د. شادي عبدالوهاب منصور – المصدر السابق.
  • د. شادي عبدالوهاب منصور – المصدر السابق.
  • صلاح نصر – (الحرب النفسية.. معركة الكلمة والمعتقد) – دار القاهرة للطباعة والنشر – الجزء الأول 1967.
  • صلاح نصر – المصدر السابق.
  • ف. س. سوندرز – (الحرب الباردة الثقافية.. المخابرات المركزية الأميركية وعالم الفنون والآداب) – ترجمة “طلعت الشايب” – تقديم: “د. عاصم الدسوقي” – دار رؤية 2018.
  • نظرًا لطبيعة توظيف “مايلز كوبلاند”؛ كعميل استخباراتي تخصص في الدعاية والحرب النفسية، فقد أشتهر، بين جميع الدراسات والمقالات التأريخية والراصدة لدور الاستخبارات المركزية الأميركية بدسه للمعلومات الدعائية والصفراء وخلطه للحقائق بجميع كتاباته وكان من أشهرها كتاب (لعبة الأمم)، ولكن لأنه من مؤسسي تلك الوكالة الرائدة مع نهايات الحرب العالمية الثانية؛ فقد رأت الدراسة الحالية أن تتناول بعضًا مما ساقه “كوبلاند” بحذر بعد تتدقيق وتحقيق المعلومات التي قد يجمع عليها أكثر من مصدر.
  • مايلز كوبلاند – (حياة مايلز كوبلاند: الضابط في المخابرات المركزية الأميركية ودوره في مصر وسوريا ولبنان وإيران) – ترجمة: “صادق عبدعلي الركابي” – مكتبة مدبولي – الطبعة الأولى 2007.
  • مايلز كوبلاند – المصدر السابق.

** “حسن التهامي”؛ أحد ضباط الصف الأول من تنظيم الضباط الأحرار، كلف ضمن مجموعة من ضباط التنظيم بتولي موقع القيادة في “جهاز المخابرات العامة المصرية”، وليد التأسيس، قبل أن يتم إبعاده عن الجهاز إلى مناصب هامشية لا تذكر طيلة فترة حكم “جمال عبدالناصر”، نتيجة أسباب غامضة وغير واضحة في كثير من المراجع والمذكرات التي أرخت لتلك الفترة، وهو شخصية تستحق دراسة منفصلة لما أشتهر عنه عبر تلك المراجع والمذكرات، على ندرة ذكره بها، من سلوكيات غرائبية وصلت في أحيان كثيرة للسحر والشعوذة وتصريحاته المريبة، برغم تقلده لعدة مناصب حساسة إبان عهد “أنور السادات” حيث شغل منصب مستشار رئيس الجمهورية، بالإضافة إلى إسناد “السادات” له مسؤولية تولي فتح أولى قنوات الاتصال بالحكومة الإسرائيلية قبل وبعد حرب تشرين أول/أكتوبر 1973، كما كان له دور بارز في رحلة السادات للقدس 1977، ومباحثات توقيع معاهدات “كامب ديفيد” 1979.

  • مايلز كوبلاند – (حياة مايلز ….. – مصدر سابق.
  • صلاح نصر – (مذكرات صلاح نصر.. عام الحزن) – الجزء الثالث – دار الخيال – 1999، صـ 310 و313.
  • أمين هويدي – (مع عبدالناصر) – الطبعة الثانية – دار المستقبل العربي 1985.
  • (إدارة البحوث التقنية.. وحدة استخبارية مهمتها التنصّت على المصريين) – صحيفة (العربي الجديد) – عدد 28 شباط/فبراير 2016.



الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.