الأحد 27 نوفمبر 2022
18 C
بغداد

    شعرية العبّاد تراج ـ كوميدي للتماثل والعرفان

    بقلم الناقد القدير اسماعيل إبراهيم
    أيهم محمود العباد بمجموعتيه الشعريتين , صورة تذكارية في الجنة() , وقبل أن ينقرض العالم() , يجول بدرجة تقنية مدربة , فيحصل على نموذجه الخاص المتميز بغاياته الفنية والثقافية , وبطاقته الخاصة على صنع مزيج شعري نثري بقوام كوميدي تراجيدي , ينشد موضوعات تحيل إلى تحويل قضيتي الحب والوطن إلى عرفان خاص, هو من اوجد شرط قيامته !. لنتماشى وإياه على النحو الآتي:

    أولاً: شعرية التماثل
    للتماثل صورة منطقية تصفه كونه رديفاً لتشابه أو تقارب الكينونات , مثلما في “يكون التماثل بين الأبعاد , إذا كانت الكينونة معينة تشكل بعداً لكائن اكبر”(). وعند الركون إليه كموجه نقدي أدبي نتعامل معه على أنه تجديد لـ (شعرية المطلق الكوني) للمعنى متعدد الرؤى. وقد نعبر بالشعرية الأدبية للتماثل ليصير تناظرا بيانياً ” التماثل:عملية معرفية لنقل المعلومات أو المعاني من موضوع معين (النظير أو المصدر) إلى موضوع معين آخر (الهدف)(). ولنا ـ كذلك ـ أن نمول به مرتبة أُخرى من الاستثمار تتصل بـ (باراسايكولوجيا) الإبداع لشقين من الاتجاهات , الحجاج والتنبؤ . لنتابع إجراء يمضي قدماً بذلك:

    أ ـ الأبعاد المتماثلة
    لطالما وُجِدَت لأبعاد القصيدة , أي قصيدة , تماثلاً مرناً عبر فاعلية الاتساق والتناسق , وفي قصيدة (توضيح لا أكثر) توجد أبعاد خطية , أُفقية وعمودية , تتماثل لكشف جسد القصيدة ـ الهيكل الدلالي ـ , على الأخص في:
    [توضيح لا أكثر
    على قلبكِ السلام
    لم أكتبْ لكِ ما يكفي بعد ، وكأن كلّ ما كتبتُ لا يقول ما في داخلي من تفاصيل صغيرة لا تتسعُ للكتابة] ـ صورة تذكارية في الجنة , ص17.
    إننا ـ بنظرة سريعة ـ سنتعرف على بعدين خارجيين ـ أفقياً , وبعدين داخليين (عمودياً) يتخادمان لأجل تشكيل جسد وجود المعنى المرائي , إنهما الحبيب والحبيبة كأبعاد خارجية ، وقلب الحبيبة ودواخل الحبيب كبعدين داخليين , والمماثلة تتم عند فعل الكتابة. أما هيكل الدلالة هذا فيُحاطُ بصورة منفتحة على تفاصيل غير مكتوبة , لعلها هي الكينونة المتعينة !
    ب ـ تماثل الكينونات المتعين

    لعل الكينونة المتعينة هي التفاصيل المهملة التي هي أهم مكونات الوجود , وذاتها من سيضبط فوضى الأشياء , وهي بوحدتها في هيأة (تكوينها) ستتماثل بطريقة التكامل لتصيير وعياً بالذات والعالم:
    [قررتُ اليوم ، أن أكتبَ لكِ بطريقة مختلفة ، طريقة فوضوية لا تُشبه غيري . سأكتب لكِ عن أبسط الأشياء التي مرّت بنا ولم ننتبه لها ، كلّ جزء ضئيل ساهم في تكويننا ، ….] ـ صورة تذكارية في الجنة , ص17.
    إن المعين الأساس هو (كينونة الأشياء) , وهذه الأشياء يمكن تقسيمها الى تماثلين لكل تماثل منهما طرفان/
    ـ تماثل كينونة الزمن والكتابة , فحضور زمن (اليوم) وإقرار فعل الكتابة يمثلان كينونة هجينة من مادة غير مرئية فلا فعل الزمن ملموس ولا حضور الكتابة ملموس.
    ـ تماثل كينونة الفوضى والتفرد , فحضورهما معاً يكشف عن ضلالة ضخمة جداً , فكيف يتفرد قائل واحد بتسبب فوضى تختلف عن فوضى الآخرين؟ أليست الفوضى بلا قوانين؟ سيكشف القائل الرائي عن بؤرة الفوضى كونه فرداً يمثل المجموع , إنه سيغطي سطح الفوضى بأشياء بسيطة وكتابة عن مرور أشياء خاصة بهما , هو والحبيبة , وإحياء ما نسي وقتما كانا معاً. ولو جعلنا وحدة التكوين بؤرة تجميع للمعنى والسلوك للحبيب والحبيبة لتوصلنا إلى أن الكينونة المعينة ساعدت على ربط الأشياء ببعضها ومنع الفوضى من تخريب جمال التكوين , مما أكسب الكينونة (البؤرة) غلافاً خارجياً يعين الكينونة الأصل للأشياء , وغلافاً داخلياً يؤصل التحام وجود الحبيبين , وفي حالة ذوبان الكينونة الشعرية بالوجود المعين فلن تظهر إلّا بالتأويل . لعل كينونة (الأشياء) تصيير وعياً بالذات والعالم , ورؤى لتماثل مطلق الرؤى.
    ج ـ تماثل مطلق الرؤى
    ما سننظر به الآن هو مقطع يتمم كينونة الأشياء برؤى مطلقة تماثل القرائن ببعضها: […………………………. نحن مدينون جداً لما حولنا من هواء وماء ونار وتراب . هل قرأتُ لكِ يوماً عن هذه العناصر الأربعة ؟ إنها منشأ الكون ومصدر كينونته بحسب معتقدات الأقدمين. لستُ فيلسوفاً ، ذلك شرفٌ لن أناله ، …….] ـ صورة تذكارية في الجنة , ص17.
    لقد أطلق الشاعر أربعة عناصر تماثل بعضها ببعض , وهي ترتكن إلى تماثل رباعي أكثر إطلاقاً في المعنى من عناصر الكينونة المطلقة , أولها رؤى الأقدمين وثانيها رؤى الفلاسفة, وثالثها رؤى الـ (نحن) , ورابعها رؤى الشاعر المطلقة المعبر عنها بـ (إنها منشأ الكون ومصدر كينونته).
    تُرى ما الذي يدعيه الشاعر بمطلقه هذا؟ نرى أنه يُسَرِّبُ للقارئ تماثلاً جديداً يبرر ـ بالحجة تامة البرهنة ـ على نبوءة من نوع خاص , سنراها في تماثل حجاج التنبؤ.
    د ـ تماثل حجاج التنبؤ
    في المقطع القادم حجة دامغة تبرر بدقة وجوه التماثلاث الأربعة الفائتة , إذ يجعل الشاعر نفسه بديلاً عن أصحاب المعرفة , يتمثل خطاهم , يبرر جلال عيشهم , بل يصنع لهم نبوءة خارقة , على الأرض , تكون حجة على سبب الوجود بأشمل ما يحتوي , إنه أوجد عشقاً للحكمة تضم سعي الناس جميعاً , وطريقهم الأمثل حين يتناسخون وجهه وروحه لضمان حال الإلهام والجمال للنفس والجسد والروح والوجود , هذا كله منضو في:
    [ …………. حبك ألهمني حب الحكمة ، فكنتُ خير عاشق تتناسخ روحه مع المعشوق].ـ صورة تذكارية في الجنة , ص17.
    إن من طريف هذا الحجاج النبوئي انه يشكل نظائر كونية تضع بهاء الإنسانية (حب الحكمة والعشق) تصيرا أملاً لأسئلة خالدة تختص بتماثل النظائر .
    هـ ـ تماثل النظائر
    إن التماثل هذا هو الأقرب لفلسفة (أدبية التماثل) , مثلاً:
    ـ لماذا لا يشبع الإنسان من التخاطب والحوار مع كائنات الحب؟
    يناظره / لماذا يكون الحب إجابة ثابتة , وغيره أسئلة مُحيّرة؟
    ثم
    ـ لماذا ـ (الآن) فقط يُباح بالحب من قبل القصيدة والشاعر؟
    يناظره / لماذا تغار الكائنات غير التي لا تعرف الحب من الحكيم المحب وحبيبته الحكيمة العاشقة؟
    [حسناً ، دعيني أخبركِ أني لا أشبع من حديثي إليكِ ، ولا أكتفي من تدوين الأسئلة التي تفضي إليكِ ، لأنك الإجابة الثابتة بين حيرة الأسئلة .
    أما الآن ، فكل ما يُمكنني فعله ، أن أقولَ بوضوح وهدوء ” أحبكِ ” حتى لا تغار منّا الكائنات .
    والسلام] ـ صورة تذكارية في الجنة , ص17.
    و: قيمة
    * إن المبادئ التي تقام عليها الحياة الإنسانية المُحبة الحكيمة هي ثلاثة تماثلات كبرى :
    1ـ الوضوح : يُعنى بالجلاء والتجلي والمعرفة والكشف والحجاج الوجودي المجدي :
    [توضيح لا أكثر
    على قلبكِ السلام
    ….. والسلام] ـ صورة تذكارية في الجنة , ص17.
    2 ـ الحب: الذي يُعنى بالسعادة والجمال والولاء للروح الإنسانية المتجهة الى الخير والفضيلة والأمل:
    [توضيح لا أكثر
    على قلبكِ السلام ….. والسلام] ـ صورة تذكارية في الجنة , ص17.
    3 ـ السلام: الذي يشيد للإنسانية قلوباً محبة , واضحة الجلال والاتزان , تلك القلوب المغامرة بالمحبة والمعرفة لأجل بناء مشيدة تشد الفن إلى العمل , والعمل إلى القيم العليا في خدمة الحضارة الأنقى , حضارة الحب المطلق للبيئة والخليقة والسمو المعرفي .
    [توضيح لا أكثر
    على قلبكِ السلام ….. والسلام] ـ صورة تذكارية في الجنة , ص17.
    ثانياً: كوميديا الشعور
    من بين الاتجاهات الحديثة يتم تحديث الكوميديا عابرين بها من ميدانها الدرامي إلى فضاءات جديدة , من بينها الشعر , ولي أن أُميزها بتسمية كوميديا الشعور , إذ أن ما يصنعه الشعر يولد شعوراً بالمرح حتى لو كان يختص بالأسى والمرارة , أو الإحساس بالعدم المطلق , وبالعكس.
    لقد اتفق المفكرون على زاويتين للنظر إلى الكوميديا , هما الفرح والحزن , وبما أن الحزن هو الأعم في الشيوع بين الناس , لذا مال النقد والنص والفلسفة إلى العناية بالكوميديا السلبية , وأطلقوا عليها عدة أسماء , كالكوميديا السوداء , والمظلمة والتراجي ـ كوميديا) بحسب موضوعاتها. “الكوميديا المظلمة , الكوميديا السوداء أو الدعابة ، هي نوعٌ من الكوميديا تتم التعامل مع موضوعاتٍ , جادة كانت أم مؤلمة , للمناقشة ، وتُعتبر من المحرمات في المجتمع بطريقةٍ ساخرةٍ”() , لنتابع وسنرى : أ ـ كوميديا المجاعة
    في شعره , أيهم العباد , موضوعات عديدة , متنوعة الثيمات وواحدة من أهم اتجاهاتها , الكوميديا السوداء , التي من أبرزها ” مواضيع الكوميديا السوداء التي تتضمن مواضيع الموت والجوع والحرب والإرهاب .. الخ .. “().
    واختصاراً للفهم أوجدنا أربعة أمثلة من عثرات الحظوظ السوداء للتوضيح لا غير: ـ عثرة الجوع يعمد الشاعر إلى مقاربة المفارقة ليعلن الحيف الذي ينال الإنسان , على أساس وجود مشترك بينه , (وبيننا) كعراقيين , مع الذباب , فيرى المشتركات متوافقة , إذ أن /
    1 ـ المجاعة تعم البشر والحيوان بذات الحاجة .
    2 ـ يتعادل البشر والحيوان , (حشرة الذباب) , من جانب الكثرة العمياء .
    3 ـ يتعادل الإنسان والحيوان من جانب المهانة , إذ البشر حشرات نجسة والذباب حشرات نجسة , وكلاهما بلا معرفة أو حضارة (!).
    4 ـ التسابق والتزاحم وعدم الحس بالزمن يجعل الناس والذباب صنفاً واحداً من حيوات اللا إدراك بالمحيط والمستقبل.
    5 ـ يؤكد المقطع أدناه على أن الاحتقار الذي يطال الإنسان والحيوان حينما تكون حياتهما في أضيق أماكن الوساخة , (الحاوية).

    [مجاعة
    اثنان
    يتسابقان
    صباحَ مساءَ ,
    نحن
    والذبابُ ,
    على الحاوية] ـ صورة تذكارية في الجنة , ص40.

    ب ـ كوميديا الانتحار

    في مقطوعة تشابه تصل فكرة الكوميديا إلى أقصى سخريتها عندما لا يهتم الشاعر إلّا بانتحار ظله . وطبعاً انتحار الظلال يوجه إلى احتمالات كثيرة منها ظلال السلطة وظلال اللغة وظلال المستعمر , وأشباح الناس , وأرواح الغائبين , كل ذلك يراه الشاعر ليس سوى محض تشابه , أي خطأ مميتاً غير مقصود !. لنقرأ فقط دون الابتعاد عن تلك الاحتمالات .. أو .. لنتمتع فقط:
    [تشابه
    من بين1000 صورة التقطها لي المصوّر , اخترتُ لقطةً واحدة لم تُعجبني بتاتاً , لكنني أحببت ظلي الذي قضى نحبه بطعنة ضوئية. ظلي الذي تخليتُ عنه هناك , حينما واجهتُ نفسي أمام عدسة الكاميرا] ـ صورة تذكارية في الجنة , ص58.
    ج ـ كوميديا الإفراط
    الدعابة الجديدة هي مقاربة غريبة , مغرية بإفراطها , باذخة في أملها , إن يكون العمود الكهربائي برج إيفل:
    [إفراط
    مفرطٌ في الحُلم
    حتى أنني كلّما مشيتُ إلى جوار عمود كهربائي ,
    تخيلت نفسي أصافح برج إيفل] ـ صورة تذكارية في الجنة , ص55.
    لنتساءل دونما حاجة إلى إجابة , إذا كان الحلم ببرج إيفل إفراطاً فكيف يمكننا تحويل مدننا باريساً ؟
    د ـ كوميديا سقيمة
    ليس السقم البيولوجي وحده من يوجع الوجدان والجسد , إنما وجع الأماني هو الآخر يوصل المشاعر الى الحس بالحزن والأسف على فقدان الهيبة والجمال , حتى لو كان لفن الرياضة , أو متأتياً من (قفشة) لحدث رياضي . لنقرأ:
    [مونديال
    ضحكتكِ
    لوحدها ,
    تُجبرني
    على التصفيق ,
    مثل هدف عراقي متأخر
    في مرمى البرازيل] ـ صورة تذكارية في الجنة , ص69.
    يقع السقم المعنوي عند شباك سخرية الأماني على النحو الآتي:
    1 ـ القفشة الأولى: ــ فبما أن هدف عراقي على البرازيل من مستحيلات الحضارة الآن كذلك ابتسامة الحبيبة هي الأُخرى مستحيلة.
    2 ـ القفشة الثانية: ــ ضحكة لم يرها القائل , أُجبر عليها , تحيل إلى من يضحك من نفسه على نفسه , وفي هذا لذع ساخر من ما يحدث أو لا يحدث لجواره من الأحباب .
    3 ـ القفشة الثالثة: ــ الهدف المتأخر يجيء في نهاية الشوط الثاني , وللسخرية يجيء بعد نهاية المباراة عندما يفرغ المكان من اللاعبين ! أو انه هدف سيجيئ بعد سنين طويلة من الجد والتدريب اللذين لن يحدثا أبداً.
    * إذاً عندما يُربط الابتسام المغيب مع التصفيق المستهجن سيكون الناتج (قفشة) سمجة مأساوية لكوميديا سوداء سقيمة.
    هـ ـ طرائف الأجوبة المسكتة
    نلجأ في هذا الباب إلى الطريفة المتوجهة إلى نموذج خاص من القراء , أولئك الذين لهم قدرة على معرفة ما وراء السر , أي الإجابة التي تسكت جوع العقل , وتزيل غموض الظلال , وحتى الضلالة المقصودة لها مبرر لإجابة مستوفية الإقناع : ” لقد أبدع في باب الأجوبة المقنعة الحاسمة ونحوها طائفة من المرويين وعقلاء المجانين ، وهم طائفة من الناس خفيفو الروح والعقل ، … أو فلاسفة شاردون , تصدر عنهم أجوبة مسكتة أو أقوال ظريفة “() , وهي لدى الشاعر (شجاعة) يقيمها الشعر السردي بعد أن تسبقها أسئلة مستفزة:
    [شجاعة
    ـ ماذا سأفعلُ بعد أن ينتهي الاشتباك؟
    يهمسُ الجنديُ
    وهو يحشو بندقيته بطلقة فاسدة
    ـ سأرسمُ وردةً على صندوق العتاد قبل أن ينفجر
    وبعد أيام ستكبر الوردة خارج الملجأ
    ثم تزهر فوق الساتر ,
    وردتي هذه ستنقذ قرية على الأقل ,
    لا أريدُ أن أموت لأذهبَ إلى الجنة
    لا أريدُ
    إنني فقط ,
    أحلمُ بالجنة التي تمشي فوقها الأُمهاتُ] ـ صورة تذكارية في الجنة , ص93. الشاعر يفتح السؤال على إجابات كلها مسكتة لجوع المعرفة , فهو يرى السؤال الكبير يتضخم عبر الأجوبة التي كلها مقنعة , كلها احتجاجية , كلها رافضة لأدوات ووسائل وأسباب الموت والحرب. انه يرفض الجنة ما عدا جنان الأرض المفروشة للأُمهات , طريقته أن يدخل الأجوبة بطريقة من يبث النجوى لذاته , ومثل من عزم على أن يحقق السلام عبر الجمال , ليتوصل إلى فلسفة جديدة للحياة والموت والجنة , إذ يرى كل شيء جاء ويجيء , مضى وسيمضي , يتوجب عليه أن يصير على الأرض خدمة للولادة والحنو والانتماء للرحم الطاهر , (الأمهات = الأوطان) … ربما …
    رابعاً: أُوبرا ما قبل انقراض العالم
    لعل انقراض العالم ليس فناء المخلوقات , إنما خسارتها لطبيعتها أو للطبيعة عموما , ولأجل أن يقيم الناسك المتفكر بالتعويض الفاعل عليه أن يستجدي الضمير الخالد من الكلمة الخالدة . لقد انقرض عالم أيهم العباد , وقد استعد لمواجهة الاستعداء الإنساني بالكلمة التي تقول كل شيء دفعة واحدة مثل يد الشحاذ المدربة !. استجدى العالم الآمن الفسيح المعافى من أُوبرا الشعر , من شعرية فن الفنون الشامل , إذ يعرّف أحمد بيومي الأُوبرا بـ ” أنها فن يشمل الشعر والموسيقى والغناء …. وغيرها .. ويمزج بينها “(). لنطلع على بعض من قصيدة (وطن) التي ترسي إداء مزدوجاً لمسوغات الفهم تقارب أوبرا الاحتفاء بحرب (ما) , كونها العامل الأساس في انقراض العالم الطبيعي للأفراد والأشياء:
    [هكذا قطعَ الحطابُ شجرةَ التوت المقيمة في دارنا
    منذ 7000 عام
    أقمنا لها مأتماً في الحديقة
    شاركتْ فيه جميعُ أشجار القرية.
    بعد انتهاء مراسم العزاء ,
    رأيتُ الشجرةَ في المنام
    كانت تلعنُنا لأن العصافير تفرقت بين البساتين
    المجاورة.
    ولأنَّ الجفافَ أحرقَ نباتات الزينة.
    ما أقسى ساعديكَ أيها الحطّاب
    وما أضعفَ قلبي] ـ ص11.
    ـ تلك قطعة لجزيء من قصيدة نثرية تتضمن نقلاً لمروية ما حدث قبل 7000 سنة . ـ تلك مروية شعرية لأسطورة الجذور .
    ـ تلك قصة وحكاية يتم خلقها هويناً , تسري حروفها بالكلمات متصاعدة مثل موسيقى .
    ـ تلك شبيهة موسيقا تضع مكان القرية مكاناً للحدث , تجعل الحدث فعلاً درامياً عن صراع قوى التكنولوجيا وقوى ضد تكنولوجيا.
    ـ ذلك الصراع أزل حتمي فلسفي جمالي وتأريخي.
    ـ ذلك الجمال له خمس وظائف : (الشعر , الرواية , الموسيقا , حوار ومشهد الدراما , احتفاء لأُوبرا الغناء).
    * يمكننا القول:
    ـ إن المقطع برمج تاريخ العالم الفطري لما قبل التلوث النفعي بـ 7000.
    ـ وإن التأريخ يعود لمن يقطع رقاب خالقي الجمال من بيئة وبشر.
    ـ وإن البيئة هي الكائن الوحيد الذي سيخسر غناه , وغناء عصافيره , وسعادة أفراده الأحياء.
    ـ إن الخسران أكثر ذبحاً وألماً من الموت , كما هو تفرق العصافير وخسران الأشجار والقرية لغنائها.
    ـ الخسران تُجمع قوى التعبير معاً لتدين حاطبي الأنفس القساة:
    [ما أقسى ساعديكَ أيها الحطّاب
    وما أضعفَ قلبي].
    ـ العالم المنقرض هو عالم بلا جمال :
    [كانت تلعنُنا ـ الشجرة ـ لأن العصافير تفرقت بين البساتين
    المجاورة.
    ولأنَّ الجفافَ أحرقَ نباتات الزينة]
    ونقلاً عن ويكبيديا فإن ” الأوبرا شكل من أشكال المسرح … تُعرض عدة عناصر من عناصر المسرح الكلامي مثل التمثيل ، المشاهد والأزياء ، والرقص بعض الأحيان”().
    الشاعر أيهم العباد يراها مسرحاً فردياً فردانياً:
    [أنا أهذي ,
    أهذي لا أكثر
    انظروا جيداً:
    الشجرةُ لمْ تسقطْ أبداً
    والعصافيرُ مُعَلَّقةٌ هناك
    تحرسُ الشجرةُ
    مثل النيازك
    في سماء العراق()
    ـ يرى الشاعر بأن للمشهد أعلاه خشبة لفرد أوحد , متوحد , يرعاها ويمثل عليها ويقول الرواية عندها هذياناً شعرياً.
    ـ الفرد هذا بهذيانه يستحضر ما يماثل الحرية والجمال , يُلبس لمن فوق الخشبة طيبة وفطرة أزياء العصافير والنيازك.
    ـ العصافير والنيازك ترقص بين الفراغ والفضاء في سماء ذلك الخالق الأبدي للتمثيل والشعر والغناء والأزياء وفطرة الطبيعة , بطل الشخوص وفاعل قيمة الأفضية كلها , (العراق).
    ـ يتعرض هذا (الوحيد الفريد المتوحد المستوحش) لحرب لم تتوقف ولن تتوقف منذ بدء الخليقة حتى الأبد السرمدي!.
    * إذاٌ .. العالم الذي تريد التكنولوجيا ان تقرضه , هو أمانة بيد الشاعر , الذي سينقذه قبل أن ينقرض العالم بتكنولوجيا الآلة حتماً !.
    خامسا: ما يشبه التقنية
    ليس بمقدورنا القول أن الشاعر قد اخترع تقنية غير مسبوقة , لكن يمكننا عدّها تجربة حيوية , له منها بصمة خاصة , خصوصيتها تفيض عليها عبر خصوصية الأشياء والأسماء التي يهبها الشاعر حياة ثانية , منها تقنية أسماء الأصدقاء , وتقنية أسماء المدن وتقنية لوحة العرفان. لنوزع المتابعة على النحو الآتي:
    أ ـ تقنية الأسماء
    ـ أسماء الأصدقاء:
    1ـ حمود محمد علي
    [ماذا سيحدثُ لو بقيتَ في منأى عن الحرب؟
    هناك , في لندن , تعبرُ نهرَ التايمز في الصباح
    وفي المساء , تقرأ ” مرتفعات وذرينج ” مثلما تُحب
    أو تطالعُ أحوالَ الطقس في الاندبندنت.
    لماذا كانَ عليكَ أن تعبرَ الكارون
    ولماذا صارتْ حياتُكَ
    مجردَ خبرٍ كاذبٍ
    في جريدة الجمهورية ؟] ـ قبل أن ينقرض العالم , ص41.
    2ـ خالد ياسين
    [ساقكَ التي ظلتْ على الحدودِ
    ساقكَ التي بترها لغمٌ تَرَبَّصَ بكَ
    ساقكَ التي رأيتُها تركضُ في رواياتِكَ
    دليلً على وطنٍ منحتَهُ أقصى ما لديكَ
    لكنه لم يعطكَ سوى مترين من التراب] ـ قبل ان ينقرض العالم , ص42.
    * يلاحظ أن المقطعين يحكيان قصة الموت على أعتاب الخيبة , خيبة العمل والأمل والاستشهاد.
    ـ أسماء ومحتوى التراث:
    المعتز بن عباد
    [عيونُكَ التي تشبه عيون المارينز
    تهزم كتيبة من الجنود
    لكنكَ لم تصمدْ طويلاً مع الحب.
    يؤكدُ الأطباءُ:
    أن ملامح امرأةٍ ظهرتْ في التحاليل .
    لذا ؛ حين توقفتْ رئتاكَ عن التنفس
    لم يتوقف قلبُكَ عن العمل.
    قلبُكَ الآن ,
    يحتفلُ كلّ موسمٍ بعيد الحب
    في السماء السابعة] ـ قبل أن ينقرض العالم , ص42.
    * نرى القصيدة تهتم بالجانب الخلفي لقضية الموت , ربما يريدها الشاعر قضية للتخلص من هوس الحب , الذي ركّزهُ التراث التاريخي , وحان اليوم ليكون الغرام شكلاً احتفائياً لا غير , باعتبار العالمَ منقرضاً لا محالة.
    ب ـ تقنيات أشياء الخراب
    لعل تبرير تقنية أسماء المدن واحدة من أساليب الاحتجاج الفني الشعري على خراب الجمال بأنواعه المتعالية , وأشيائه الصادمة , المتوزعة بين المدن , كما هو الحال في مدن العراق كلها , مثالها:
    1ـ بغداد 2016
    [هم الذين أوقدوا ناراً ليست للحربْ
    ونحن الذين احترقنا
    ليطفِئَ اللهُ بنا اللهب]
    2 ـ البصرة 2018
    [لا حقَّ لنا في ما فوق الأرض وتحت الأرض
    حتى ترضى عنا الأحزابُ
    ويرضى عنا سابع جار]
    3 ـ الموصل 2019
    [لا ندري من الذي التقمنا قبل أن نصلَ الضفة
    الأخرى ؟
    أهو الماءُ أم حوتٌ لا يلفظْ جسداً إلى اليابسة؟
    لا بأسَ , قالوا لنا : إنكم شهداء من الدرجة الثانية]
    ج ـ تقنية لوحات الكولاج
    يذكر أن فن الكولاج يعتمد لصق الصور والوجوه والأشياء المبعثرة , بطريقة مقنعة , جمالية مبهجة. ويمكن القول ذاته عن كولاج الشعر .. وفي تجربة (العباد) خلفية لذلك الكولاج مؤلفة من وقع وقرع وسلالم موسيقية , تجعل الجملة الشعرية هوة وهزة ولذة توحّد الكائن بالمُكَوّن , والمتكون بالكون .. لنتلذذ بالقراءة الحرة أولاً , ثم نتحقق من شعرية كولاج المقاطع الآتية:
    [كولاج
    دمعة عود يواسيها الكمان ,
    دو .. ري .. مي
    يسكرُ الكونُ في لحنكِ
    فا .. صول .. لا .. سي
    يسخرُ الوقتُ من عبثي
    وتذوبُ السلالمُ فوقَ أعصابي وأحداقكِ ,
    فا .. صول …..
    ضربةُ حظٍ خاسرةٌ تقريباً
    لكننا انتصرنا سويةً
    في كتابة نوتة حب
    على وتر وحيد .
    ص57
    لا أتقنُ العزفَ ,
    اعزفيني أنتِ
    أو اعزفيني معكِ
    على قارعة البياتِ ,
    ذلك الإيقاعُ لا يُعجبني
    أعني: ما يسمى مجازاً برقاص الساعة.
    فلتكن قيثارتكِ دليلاً على كينونة الكون
    ولا بأس أن يكون سمعيَ أعظم المعذبين على الأرض
    لي منكِ نصفكِ
    أو نصفُ نصفكِ
    أو نصفُ بعضكِ
    ولكِ مني حقيقةٌ واحدةٌ لا تقبلُ التأويل.
    اعزفيني جداً
    أو تريّثي حتى أعلّبَ هذه الاسطوانة لقادم الأيام .
    سأقول للآتين:
    كانت ضفيرتاها
    مثل نهرين قديمين يتعانقان في جنوب العراق

    لي أن أتربّصَ بالمزيد
    من كيدكِ العظيمِ]().