“سوق دانيال” .. يروي حكايات اليهودي الثري في شارع “البنات” !

الجمعة 23 آب/أغسطس 2019
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

خاص : كتبت – هانم التمساح :

تشهد شوارع “بغداد” العتيقة على تاريخ  طويل من السماحة والثقافة؛ بالرغم مما أعترى تلك الشوارع من هموم جعلت وجه الجدران يشيخ، وبرغم آثار العنف والحزن التي خلفتها الحروب الهوجاء؛ إلا أنها لم تستطع طمس معالم وطن من بين أحد أقدم حضارات الشرق.. ويشهد شارع “النهر”، (شارع البنات) و”سوق دانيال”؛ على قصص خلدتها أذقة وأرصفة المكان.

وإذا كُنت سائحًا ترغب في جولة تسوقية؛ فإن أقدامك ستسوقك نحو “شارع النهر”، أو “العرائس”؛ أو “شارع البنات”، كما يسمونه أهل البلدة، وسمي “شارع النهر” بهذا الاسم لأنه يغفو على زراع “نهر دجلة” مستمتعًا بجمال “بغداد” وألقها، وعند الدخول له من جهة “جسر الأحرار” ستقابلك محال صياغة المجوهرات والحلي الذهبيّة والفضيّة وبعض محال الأنتيكات المجاورة لبناية “غرفة تجارة بغداد”، التي تأسست سنة 1926، وتعدُّ هذه البناية القاسم المشترك بين الشارع و”نهر دجلة”، إذ تطلُّ واجهتها على الشارع وتطلُّ خلفيتها على النهر.

وكانت محال الصياغة تمتدُّ حتى بداية “سوق الورد”، (لبيع الملابس ومستلزمات الجميلات)، قرب بناية “الأوقاف” سابقًا أو قرب بناية “البنك المركزي” حاليًا.

وفي أول دخولك للشارع؛ تشدك حتمًا محال الذهب وما أكثرها بأسمائها الجميلة وبضاعتها التي اختفت عنها العرائس، ويمثل إحدى أكبر أسواق الجمال والموضة منذ ما يزيد على نصف قرن من الزمان. فيه يمكن قياس جمال المرأة العراقية وأناقتها، كونه مركز الأساس لبيع الملابس؛ خصوصًا ملابس العروس بكل لوازمها ومستلزمات حفل الزفاف من حُلي وإكسسوارات ومصوغات ذهبية ومفارش زينة، إضافة إلى الأقمشة والماكياج والعطور، ويتفرد بطرازه المعماري المميز.

ولم تزل العائلة العراقية تحتفظ بذكرياتها الجميلة عن هذا الشارع على الرغم مما أصابه، في السنوات الأخيرة، من إهمال وفوضى ودخول مهن طارئة على طبيعة السوق ومحالها.

موقعه المميز في قلب “بغداد”؛ أضاف له مكانة أكثر أهمية، فساحته تقع في منتصف “شارع الرشيد” مقابل “جسر الأحرار”، ويمتد في وسط “بغداد”، وبمحاذاته تقع مصارف مهمة كـ”البنك المركزي”، الواقع في “شارع الرشيد”، ومصرفي “الرافدين” و”الرشيد”، وتلتقي معه “سوق الصفافير” المهمة بالنسبة للزوار العرب والأجانب.

ويبدأ بـ”جسر الأحرار” وينتهي بـ”جسر الشهداء”، ولا يزال يستمد أهميته، فهو من بقايا موروثات الماضي الحافل بالذكريات، حيث يضفي على العاصمة، “بغداد”، الفتنة والسحر والخيال. وقد قصده معظم السياح والفنانين خلال زيارتهم البلاد، ومن أشهرهم الفنانة المصرية الراحلة، “سعاد حسني”، أثناء عملها في فيلم (القادسية)، في ثمانينيات القرن الماضي، إضافة إلى الفنانة، “عُليا” التونسية، وآخرين.

وحتى وقت قريب؛ كان “شارع النهر” يزدهي بجميلات “بغداد” اللواتي يقصدن السوق لأجل إكمال مستلزمات العُرس، وشراء الذهب الخاص بهذه المناسبة، وفي الحقيقة كان التسوق عبارة عن نزهة يقضون فيها نهارًا كاملًا لا يخلو من ركوب “البلم”، (الزورق)، للوصول إلى السوق وإرتياد المقاهي والمطاعم المنتشرة في أرجائها بعد رحلة تسوق متعبة وجميلة.

“دانيال” اليهودي الذي حفر اسمه في تاريخ بغداد..

ويتوسط “شارع النهر”، “سوق دانيال”، الذي يسطر اسمه قصة ذلك اليهودي العراقي؛ الذي أسس أول ملجأ لأيتام المسلمين، و كان “مناحيم صالح دانيال”، رجل أعمال عراقي من أسرة يهودية ذات أصول غورغية أمتهنت التجارة؛ وكانت تقطن “محلة التوراة”، في “بغداد”، وأشتهر بالأوساط التجارية والاقتصادية وعُرف بعلاقاته التجارية مع أعيان البلد، ولد “مناحيم دانيال”، في “بغداد”، عام 1846، وتوفي عام 1940، وكان لهُ مجلسًا في “محلة رأس القرية”، في “بغداد”، يجتمع فيه من مختلف الطوائف، وعُين عضوًا في أول مجلس لإدارة لواء “بغداد”، والذي أسسهُ الوالي، “أحمد مدحت باشا”، وبعد قيام النظام الملكي في “العراق” أصبح عضوًا في “مجلس الأعيان” العراقي، عام 1925، ممثلاً عن الطائفة اليهودية، وعُرف “مناحيم دانيال” بجوده، حيث أسس أول ملجأ لأيتام المسلمين وصرف عليه من مالهِ الخاص لإعانة أيتام المسلمين وغيرهم، وعندما كان “فيصل الأول”، ملك العراق، يسكن في “قصر شعشوع”، الذي يملكه التاجر اليهودي، “شاؤول شعشوع”، حدث في 9 نيسان/أبريل سنة 1926؛ فيضان “نهر دجلة” الذي تسبب في غرق الأراضي القريبة من “نهر دجلة” ومنها “قصر شعشوع”، فقام “مناحيم دانيال” باستضافة الملك “فيصل الأول” مع عائلته في قصره الواقع في منطقة “السنك”.

ويشير الباحث، “نبيل الربيعي”، إلى أحد مبادرات “دانيال” المميزة في مواجهة الجدب الذي حل بـ”الحلة”؛ عندما تبنى مشروعًا لحفر نهر يمد الأراضي الزراعية بالمياه أستغرق سنتين، لا يزال قائمًا باسم “نهر اليهودية”.

وحاز “دانيال” على ثقة حكام العهد العثماني والملكي، وأصبح ممثلاً في “مجلس الأعيان” عدة مرات حتى وفاته، عام 1940، إذ أوصى أن يدفن بجوار “النبي ذو الكفل”، خلف “مناحيم دانيال” العديد من البصمات على المشهد العراقي؛ منها الآثار والمرافق التي تحمل اسمه، ولعل أشهرها “سوق دانيال”، وسط “بغداد”، الذي لازال إلى يومنا هذا يحمل الاسم نفسه، والذي شيده عام 1929، وأكمله من بعده إبنه، “عزرا مناحيم دانيال”، الذي حاز على ثقة حكام العهد الملكي وأصبح نائبًا في تلك الفترة.

و”سوق دانيال”؛ هو من الأسواق العراقية القديمة التي وضع لبنته الأولى، “عزرا مناحيم دانيال”، الذي ورث “خان مرجان” والسوق بعد أبيه، حيث أخذ السوق منحى التخصص في الأقمشة المحلية وبدلات الأعراس ذات الخياطة المحلية أيضًا، وملابس السهرة ومواد التجميل ولوازم الخياطة وبيع السجاد الإيراني.

كان لنمو “سوق دانيال” وإزدهاره، كونه يقع في مركز “بغداد” الاجتماعي والتجاري، ومنذ تأسيسه بدأ يأخذ السوق منحى التخصص، حيث قُسم إلى ثلاثة أقسام، قسمه الأول أقتصر على الأقمشة، والثاني؛ جزء منه، على الأقمشة، والباقي على بدلات الأعراس والسهرة ومواد التجميل ولوازم الخياطة، أما الثالث فقد تخصص لبيع السجاد، وأصبح منذ أنشاؤه السوق الرئيس في “بغداد”، وعمل به أشهر تجار “بغداد”.

وكانت فترة الخمسينيات والستينيات بمثابة عصره الذهبي، حيث شهد السوق حركة كبيرة؛ وكان أغلب مرتاديه من السياح.

تكون بدايته سوق الخردة فروشية وفي وسطه إلى اليمين منفذ إلى السوق يقابل باب “خان المواصلة”، (المستنصرية)، حيث يقطع نصفه ما يسمى “سوق العباجية”، الذي تباع فيه العباءة والعقال والأرز والأبريسم والقز للنساء، والذي يُعرف أيضًا بـ”سوق الشيخلية”، وفي أول هذا السوق منفذ آخر على اليمين إلى “سوق دانيال” وعلى اليسار سوق آخر يدور بعد خطوات إلى اليمين بزاوية قائمة تاركًا باب “جامع القبلانية” في رأس الزاوية؛ ويستمر فيوازي “سوق هرج” القديم وهذا يسمى “سوق القبلانية”؛ وتباع فيه المفروشات بأنواعها من السجادات والمفروشات والحصران، وكلها تنتهي في “سوق الكمرك”، الذي يتعامد معهم. ويقع في وسط السوق “مقهى الخفافين”؛ وهو ما يزال قائمًا، وكان يُطلق عليه “مقهى التجار” وهو ملاصق لـ”جامع الخفافين”، الذي يطل على “نهر دجلة” مجاورًا لـ”سوق دانيال”، وفي مدخل السوق كانت هناك منارة للشيخ (علي بن محمد السمري) قوضت أركانها من قِبل وزارة الأوقاف المنحلة، في عام 1992، وتعتبر من المنائر الأثرية، كما تم تقويض جامع (القبلانية)؛ الذي أنشأت على أرضه محلات كثيرة لتجار الستائر ولم يتبق منه سوى مكان بحجم غرفة صغيرة إتخذها أصحاب المحال مصلى لهم.

إغلاق المحلات لتدهور الأوضاع !

وبسبب الظروف الأمنية الصعبة، التي حلت بالبلاد، فقد أغلق معظم أصحاب المحال القديمة؛ مثل محل “أورجينال”؛ الخاص بالملابس الفرنسية، ومحلات “ولدي”؛ الخاصة بملابس الأطفال، وحلت محلها بضعة مصانع صغيرة للحُلي الكاذبة وبقايا من محال بيع وصياغة الذهب، إلى جانب محال لبيع الأحذية الرياضية للأولاد.

وقد هجرته أقدام النساء وأصبح شارعًا يبدو مقفرًا من أي حركة تُعيد إليه شبابه وتألقه اللذين كان يعيشهما بترف كبير. الآن “شارع النهر” هو شارع تجاري بكلِّ ما تعنيه الكلمة.. كما يضمُّ عددًا من الخانات التجارية التي تحوي الكثير من البضائع والمواد التي لها صلة قائمة بالتجارة.

هذا الشارع يعرفه جيدًا البغداديون بوصفه معلمًا من معالم العاصمة، “بغداد”، ويشكِّل لوحة معمارية وتاريخية أيضًا.

والطريف في هذا الشارع؛ أنَّ هناك محكمة شرعية تتوسَّط خاصرته ويتم بها عقد القران، ولهذا أطلق عليه “شارع العرائس”.. وهو بحق كذلك.. وقد تحوَّلت معظم المحال إلى البيع بالجملة لأن مردودها المالي أكبر من المفرد، والسبب في ذلك التحوُّل هو قلَّة المتبضِّعين بالمفرد خاصة من النساء.

وتكمن أهمية “شارع النهر” في أن هناك أسواقًا تراثية وشعبية تحيط به، ولم تُعد السوق كما كانت عليه قبل أكثر من عشرين عامًا لعدة أسباب، منها الأوضاع الأمنية المتدهورة في البلاد وما سبقها من حروب متتالية، والإهمال الذي عانته منذ التسعينيات.

وفي “شارع النهر” مساجد عديدة على طول الشارع؛ أبرزها جامع “الباجه جي”؛ الذي بني في ثلاثينيات القرن الماضي، وقد كُتب على بابه: (الجامع مغلق لأنه آيل للسقوط)، وجامع “التكية الخالدية”، وجامع “العادلية الكبير” المجاور للبنك المركزي العراقي، حيث تُعد بناية “البنك المركزي” أعلى بناية في “بغداد”، وجامع “الخفافين”، وهو من أقدم الجوامع في “بغداد”، حيث يعود تاريخه إلى نهايات العصر العباسي.

وبين “سوق دانيال” و”سوق القبلانية” توجد محال صغيرة جدًا لرفي الملابس والعباءات المتشققة، ومع هذه المحال محال أخرى لبيع العباءات الرجالية العربية. وينتهي “شارع النهر”، قبل أن ينفتح على مقترب “جسر الشهداء” من ناحية الشمال، بـ”المدرسة المستنصرية”؛ التي بناها الخليفة العباسي، “المستنصر بالله”، في سنة 625 هجرية (1227 ميلادية).

حكايات شارع النهر وأم كلثوم..

حكايات كثيرة يحكيها “شارع النهر”، حيث قامت السيدة، “أم كلثوم”، بزيارة “العراق” للمرة الثانية، عام 1953، بدعوة من البلاط الملكي عند تتويج الملك “فيصل الثاني”، في أيار/مايو عام 1953، حتى إن أهالي “بغداد” ظلوا لساعات متأخرة من الليل يستمعون، على الهواء، إلى أجهزة الراديو التي نقلت الحفل بواسطة سيارة نقل خارجي.

وتبارى أهالي “بغداد” في تكريم السيدة “أم كلثوم”؛ حتى إن أحد وجهاء “بغداد” أقام وليمة غداء لـ”أم كلثوم” والوفد المرافق لها على أكلة “شلغم مشوي”، حيث تم شي كمية منه في “طمة” حمام حيدر في “شارع النهر”.. وقد أعجبت به.

ولعل من المؤسف أن يفقد الشارع ملامحه التاريخية وحيويته التي عُرف بها منذ عشرات السنين، فالحروب والحصارات، منذ الثمانينيات، بدأت تأخذ من رونق ومخملية هذا الشارع شيئًا فشيئًا، حتى بدا شبه مهجور لا تدل على صورته الماضية سوى بعض الأماكن التي تحفظ للشارع هيبته، لكنها لا تسعفه لاستعادة ماضيه، بعد أن تقاسمت إرثه مجموعة شوارع وأسواق في جانبي “بغداد”، (الكرخ والرصافة)، من دون أن تباريه بصورته السابقة أو مكانته.

وفي فترة الحصار الظالم؛ بدأ “شارع النهر” يفقد الكثير من معانيه في أساتذة الصنعة، (الأسطوات)، المبدعين في الفن والإبداع، خاصة في زمن النظام السابق، حيث هاجر أغلبية الصاغة إلى خارج الوطن.



الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.