سلامة حجازي.. رائد المسرح الغنائي الذي غنى في الأوبرا

الاثنين 03 حزيران/يونيو 2019
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

 

خاص: إعداد- سماح عادل

“سلامة حجازي” مسرحي ومغني مصري وأحد أعلام النهضة العربية الحديثة.

حياته..

ولد “سلامة حجازي” بحى رأس التين بالإسكندرية عام 1852، وكان أبوه الريس”إبراهيم حجازي نوتيا” يعمل في البحر وقد توفي عندما بلغ الثالثة من عمره، ثم رعاه بعد ذلك الشيخ “سلامة الرأس” والذي أرسله إلي كتاب “عبد الرحمن بن هرمز” في أحد أزقة حي الميدان في منطقة بحري”، وحفظ القرآن وتعلم فنون الإنشاد وهو مايزال في الحادية عشر من عمره، وعندما بلغ الخامسة عشر من عمره تطوع “سلامة حجازي” للآذان بجامع “البوصيري” وأحياناً بمسجد “أبي العباس المرسى”.. ويذكر أنه أثناء سفر “سلامة حجازي” إلى لبنان لعرض إحدى مسرحياته وكان وقتها غير معروف جيّدًا بالخارج، فكان خائفًا من عدم النجاح فما كان منه إلا أن ذهب إلى المسجد الرئيسي في بيروت وأذن للصلاة، مما لفت أنظار الناس وزاد إقبالهم على حضور مسرحيته “صلاح الدين” ولاقت استحسان شديد وقتها.

وتزوج في عام 1875 وتحول من مقرئ منشد إلي مطرب على التخت وظل المطرب المعمم الشيخ “سلامة حجازي” ثمانية أعوام يحي الحفلات الغنائية على التخت في أفراح الأسر السكندرية، بعد ما تعلم فنون النظم ووزن النغم على يد الشيخ “خليل محرم”.

عمل مطربا وممثلا وملحنا، كما عين شيخا للطرق الصوفية ورئيسا للمنشدين، وظل يحي الحفلات الغنائية علي التخت في الأفراح، ثم كون تختا والتف حوله بعض الشعراء والزجالين ونظموا له قصائد لحنها بنفسه وتغني بها بصوته، واجتهد أن يقدم القصائد القديمة في قالب جديد، في عام 1884 بدأ في تقديم حفلة غنائية أسبوعية علي مسرح “فرقة الخياط “.

عندما بدأت النهضة المسرحية في مصر في منتصف القرن التاسع عشر على يد كل من “يعقوب صنوع” و”يوسف الخياط” و”مارون نقاش” وزملائهم، وأصبح للمسرح مكانته انضم “سلامة حجازي” إلي فرقة “القرداحي والحداد” المسرحية عام 1885، وقام بالدور الأول الغنائي في مسرحية “مي وهوراس” على مسرح الأوبرا ونجحت المسرحية ومثلت أكثر من ثلاثين مرة متتالية .

كما انضم إلي فرقة “إسكندر فرح” وظل ممثلها الأول نحو ست سنوات، قدم مع “اسكندر فرح” ألحان وغناء مسرحيات: “الأفريقية”، “تليماك”، “الطواق”، “ملك المكامن”. في عام 1905 كون فرقته الشهيرة التي حملت اسمه وافتتحت عروضها على مسرح “سانتي” بحديقة الأزبكية، كما قام بتمثيل الروايات المسرحية في دار الأوبرا وشارك فيها بألحانه وصوته ومن هذه المسرحيات: (هارون الرشيد- المظلوم- ليلي- القضاء والقدر- شهداء الغرام- البرج الهائل). كون مع “جورج أبيض” فرقة “جورج أبيض وسلامة” وقدم من ألحانه روايات: (أنيس الجليس- أبو الحسن-علي نور الدين- خليفة الصياد). وفي عام 1909 نقل مسرحه إلي دار التمثيل العربي وقدم هناك عدداً كبيراً من المسرحيات الجديدة والسابقة وضم إلي فرقته أولاد عكاشة ( زكي وعبد الله وعبد الحميد ).

ويعتبر الشيخ “سلامة حجازي” رائد فن الأوبريت فكان صوته يناسب هذا اللون الفني، وهو أول من لحن المارشات والسلامات الخديوية التي كان يغنيها بصوته في مطلع الروايات، وهو نوع من الغناء الحماسي الذي يحث علي المبادئ والأخلاق والولاء للوطن، وهو أول من انتقل بالأغنية من مجالس التخت إلى خشبة المسرح، وجعل منها جزء أصيلا في بناء العمل المسرحي، فمهد الطريق للنقلة الكبرى التي أحدثها من بعده “سيد درويش”.

ثم قام مع فرقته برحلة إلي سوريا قدم فيها مسرحياته ولاقي هناك نجاحاً كبيراً ثم عاد إلي القاهرة عندما علم بقدوم الممثلة الفرنسية الكبيرة “سارة برنار” وعرض أمامها مسرحية “غادة الكاميليا” وعند نهايتها ألقت “سارة برنار” كلمة عبرت فيها عن تأثرها بتمثيل “سلامة حجازي” وجمال صوته.

وقد أصيب “سلامة حجازي” بالشلل لمدة عامين غاب فيها عن الساحة الفنية إلي أن تماثل للشفاء وعاد لتقديم أعماله، وفي عام 1911 عاد الممثل “جورج أبيض” من بعثته الفنية بفرنسا واشترك مع “سلامة حجازي” في تمثيل بعض المسرحيات غير أن الفرقة لم تلق نجاحاً وانقسمت إلي ثلاث فرق هي: (فرقة سلامة حجازي- فرقة جورج أبيض- فرقة عكاشة) وفي عام 1914 قام “سلامة حجازي” برحلة إلي تونس وطرابلس وسافر إلي إيطاليا ثم عاد إلي القاهرة.

وشارك “جورج أبيض” مرة أخري فرقته وسميت “جوق أبيض حجازي” ضمت هذه الفرقة مجموعة من أبرع الممثلين منهم: (نجيب الريحاني، زكي طليمات، عباس فارس) ومثلت عدداً من المسرحيات منها: (الحاكم بأمر الله- أخناتون- مصر الجديدة).

وانفصل الشيخ “سلامة حجازي” عن “جورج أبيض” 1916 وكون فرقة مستقلة، واستمر في عطائه على مسرح “برنتانيا” بجوقته إلى أن رحل عام 1917.

تغني بألحانه العديد من أشهر المطربين في مصر أمثال: “منيرة المهدية” و”محمد عبد الوهاب”، وقام بتشجيع “سيد درويش” وقدمه علي المسرح، ويعتبر “سلامه حجازي” الأب الروحي ل”سيد درويش”.

وقد قدم “سلامة حجازي” مجموعة كبيرة من المسرحيات ل: (فيكتور هوجو- وليم شكسبير- راسين- فولتير- اسكندرديماس).

كما قدم مجموعة من المسرحيات العربية منها: (صلاح الدين الأيوبي- السر المكتوم- الظالم والمظلوم- البخيل- عظمة الملوك- قلب المرأة- شقاء العائلات- غانية الأندلس- أنيس الجليس- محاسن الصدف- خداع الدهر- ابنة حارس الصيد- الأفريقية- حسن العواقب) وغيرها.

كما قدم مسرحيات كوميدية ذات فصل واحد هي (الشاعر والقبطان- فتاة العصر). ويظل للشيخ “سلامة حجازي” فضل الريادة في مجال المسرح الغنائي العربي حيث ثبت دعائم هذا الفن وأرسى قواعده وأتاح الفرصة لمن جاء بعده للتجديد فيه والإضافة إليه وعلى رأس هؤلاء جميعاً الشيخ “سيد درويش” وتأثّر به، العديد بخلاف “سيد درويش”، مثل “زكريا أحمد” و”كامل الخلعي” و”داوود حسن”، حتى إنّهم أعادوا مسرحياته بعد وفاته.

ويعتبر الشيخ “سلامة حجازي” بحق أبو المسرح الغنائي في مصر. وكان صوته قويا رخيما، كان من إعجاب الإيطاليين بفنه وبصوته، أن أقيم له تمثال في مدينة “نابولى”.

يذكر أيضا أن الشيخ “سلامة حجازي” اهتم أيضا بالقصيدة، فصبغها بطابع جديد أثار المشتغلين بالموسيقى، فلم يستسيغوا أسلوبه، واعترضوا عليه، ووجهوا إليه النقد، إلا أنه لم يأبه لذلك.  وكان من المساندين لأسلوبه الجديد المطرب الكبير “عبده الحامولي” الذي أعجب بطريقة التلحين الجديدة، وبارك هذا الاتجاه. وكانت هذه الوقفة من زميل له مكانته الفنية في الغناء، أكبر الأثر في استمرار الشيخ “سلامة حجازي” لأدائه الجديد للقصيدة. واهتم الشيخ “سلامة حجازي” بالدور والموشحات.  ولكنه لا يعتبر مجددا في فن الدور بعد “محمد عثمان”، فقد اكتفى بأداء الأدوار بنفس الأسلوب الذي اتبعه الحامولى والمسلوب ومحمد عثمان في الغناء ..!!

رائد المسرح الغنائي..

وعن بداية المسرح الغنائي في مصر يحكي أنه في عام 1884 كان الشيخ “سلامة حجازي” قد قضى حوالي ثماني سنوات يغنى في الأفراح ويحيى مع التخت الحفلات في الأعياد والمواسم، وحدث أن جاء “يوسف خياط” وفرقته التمثيلية إلى الإسكندرية لكي تعرض الفرقة بعض مسرحياتها، ونصح بعضهم صاحب الفرقة أن يسعى إلى الاتفاق مع الشيخ “سلامة حجازي” لكي يظهر كمطرب مع فرقته حتى يضمن أن تقبل الجماهير على الفرقة، وذهب “يوسف خياط” لمقابلة الشيخ “سلامة” في محاولة لضمه إلى الفرقة، لكنه فوجئ برفضه..

وقال له الشيخ سلامة حجازى: “إن التشخيص الذي تقومون به على المسرح مكروه عند الأئمة ورجال الدين، وتحرم على نشأتي وتربيتي الدينية قبول المشاركة في فرقتكم والتحول إلى مشخصاتي”.

ويرد عليه “يوسف خياط”: “يا شيخ سلامة نحن نمثل أمام الملوك والأمراء والباشوات، ولم يقل أحد من قبل أن التمثيل حرام، نحن نقدم فناً راقياً ولا يقل عما تقدمه أنت مع التخت من إنشاد أو غناء”.

ويهز الشيخ “سلامة حجازي” رأسه نفياً ويقول في إصرار: “لا تنس أنني شيخ الطريقة الراسية، وكنت مقرئاً ومؤذناً ولا يمكن أن أنزل إلى مستوى المشخصاتية”.

ويصر “يوسف خياط “على طلبه، ويقول للشيخ “سلامة حجازي”: “يا شيخ سلامة أنت تغنى في الأفراح وفى الموالد ولا تجد في هذا عيباً، وصدقني أن الغناء على المسرح أرقى وأفضل من هذا”. وأمام إلحاح “يوسف خياط” وإصراره قبل الشيخ “سلامة حجازي” أن يجرب حظه مع الفرقة على المسرح، لكنه اشترط ألا يشترك في “التشخيص” وأن يقدم أغانيه فقط بين فصول المسرحية التي تقدمها الفرقة وبطريقة تجعل ظهوره منفصلاً تماماً عن الفرقة، ونجح “سلامة حجازي” على المسرح، وأطربه الأثر الذي تركه في نفوس الناس وهم يهتزون طرباً عندما غنى لهم أغنيته المشهورة “سمحت بإرسال الدموع محاجري”.

وفى إحدى الليالي جاء إلى المسرح “عبده الحامولي”، وكان في زيارة للإسكندرية، وقد كان “عبده الحامولي” أمير الطرب في عصره، وكان المطرب الخاص للخديوي إسماعيل في بلاطه. سمع الشيخ “سلامة حجازي” في أغانيه التي قدمها على المسرح بين فصول المسرحية، وأطربه غناؤه، فاستعاده المرة بعد المرة، وذهب يقابله في كواليس المسرح ويبدى إعجابه بصوت الشيخ “سلامة” وبأغانيه وأدائه، ومنذ تلك المقابلة أصبحا صديقين، وعندما سأل الشيخ “سلامة حجازي” “الحامولي” عن رأيه فيما قدمته الفرقة، أخبره أن المسرح والتشخيص فن جميل خاصة إذا امتزج فيه التمثيل بالغناء كما يحدث في الأوبرا والروايات الغنائية التي تقدمها الفرق القادمة من الخارج في دار الأوبرا.

أثر حديث “عبده الحامولي” في نفس الشيخ “سلامة حجازي”، خاصة وقد افترقا صديقين وجمعت بينهما صداقة وطيدة في مستقبل الأيام، إلى حد أنه لم يتردد في أن يقبل عرض سليمان القرداحي بالظهور مع فرقته المسرحية التي جاءت هي الأخرى تعمل على مسارح الإسكندرية، وكانت فرقة “القرداحي” تقدم مسرحية اسمها “السر المكنون”، وفى حفل افتتاحها غنى الشيخ “سلامة حجازي” أغانيه بين فصولها، لكن ما أن أسدل الستار على المسرحية حتى بحث “سليمان القرداحي” عن الشيخ “سلامة” فلم يجده، لكنه لم ييأس وظل يطارده حتى تمكن من إقناعه بالانضمام إلى فرقته كمطرب وممثل في نفس الوقت، وكانت تلك هي البداية الحقيقية للمسرح الغنائي المصري.

حيث كانت الأوبرا المصرية حديثة عهد بالإنشاء، منذ افتتحها الخديوي إسماعيل في أسبوع الاحتفالات بافتتاح قناة السويس 1865 ولا تعمل على مسرحها غير الفرق الأجنبية التي تجئ من أوروبا لتحيى المواسم الأوبرالية الغنائية والتمثيلية أحياناً، وبذلت محاولات عديدة من الفرق المسرحية المصرية لكي تحتل موسماً من مواسم دار الأوبرا، وكانت هذه المحاولات تقابل دائماً بالمقاومة والرفض في أغلب الأحوال، ولكن حدث، أن نجح “سليمان القرداحي” في ضم الشيخ “سلامة حجازي” إلى فرقته ليغنى ويمثل ويصبح نجم الفرقة، ويجمع المؤرخون لنشأة المسرح المصري على أن ظهور الشيخ “سلامة حجازي” مطرباً وممثلاً وبطلاً لفرقة “القرداحي” كان هو البداية الأولى للمسرح الغنائي، فعلاوة على شهرة الشيخ سلامة كمطرب أصبحت له شهرته الغنائية إلى جانب “عبده الحامولي” و”ألمظ “ومشاهير الطرب.

وقد لعبت الصداقة التي توطدت بين “عبده الحامولي” والشيخ “سلامة حجازي” دورها في نجاح المساعي لدى الخديوي أن يسمح للفرق العربية، وبألحان عربية، بالعمل على مسرح دار الأوبرا، ففي عام 1885 سمح لفرقة “سليمان القرداحي” بدخول الأوبرا لتقديم مسرحية “مي وهوراس” وهى مقتبسة وممصرة عن مسرحية شكسبير الخالدة “هاملت”، وكانت أغلب مقاطع الحوار مغناه، صيغت شعراً غنائياً لكي يناسب صوت الشيخ “سلامة حجازي” كمطرب، وقد لعب فيها دور هوراس “هاملت”، وكان له فضل السبق في الوقوف على خشبة مسرح الأوبرا والغناء فيها. واستحق بهذا أن يعتبره الدكتور “محمود الحفني” في مؤلفه التاريخي عن المسرح الرائد الأول للمسرح الغنائي العربي.

وفاته..

وبرغم إصابته بالشلل في أواخر أيامه إلا أنه استمر في الظهور على المسرح حتى آخر أيامه، وتوفى “سلامه حجازي” في أوائل شهر أكتوبر عام 1917. وبجواره واحد من تلاميذه الشبان يسمعه اسطوانة له غنى فيها قصيدة لشاعر القطرين “خليل مطران” بعنوان “حديث قديم”.

 

 



الكلمات المفتاحية
الشيخ سلامة حجازي

الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.