سعد الصالحي.. كتب سيرة حياته في نص يبعث على الدفء

الأربعاء 31 تموز/يوليو 2019
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

 

خاص: إعداد- سماح عادل

“سعد الصالحي” شاعر وقاص وروائي وموسيقي عراقي، وهو أحد كتاب صحيفة المثقف، وأحد أعضاء منتدى المثقف، كتب القصة وقصيدة النثر، وله سلسلة “مراثي غيلان”، وهي سلسلة حكايات وقصص يسجل فيها مذكراته، وأحداث مهمة مر بها العراق.

الحداثة وما بعدها..

في حوار معه أجراه “عدنان الفضلي” يقول “سعد الصالحي” عن الحداثة ومابعدها: “لم تكن الحداثة وما بعدها مشكلة أدبية حسب، وإنما مفهوما ً فلسفيا بالدرجة الأولى، أي بمعنى آخر، نحن نخوض في سؤال لا يعني الأديب الشاب المغيب قدر ما يعني المؤسسة الفكرية كانعكاس مباشر لما ينبغي أن تترجمه هذه الفلسفة في صلب جسدها الاجتماعي. من هنا يكون الشباب جميعا ً وبلا استثناء تحت طائلة هذا القدر الذي يخترق الجسد الثقافي – إن كان أدباؤنا الشباب أصلا ً من ضمنه – ..! وعليه فإن المؤسسة الفكرية بكل تمثلاتها، هي المعنية بالدرجة الأولى بتحقيق الانتقال من خانة العصور الوسطى التي تبتهج بها الآن إلى ما يمكن أن يكون لحاقا ً بأذيال الحداثة التي غادرها المجتمع العالمي منذ قرون..! ترى هل يمكنني الحديث عن فصل الدين عن الدولة وترسيب العقائدية و ترسيخ الذات المبدعة عبر استقبال غير ملوث بنوايا الاحتواء وإعادة إنتاج التراث على وفق مفاهيم القرن الحادي والعشرين و..و..و..و..و..و..إلغاء  مقولة (أدب الشباب)..أعني أن الأدب هو الأدب ولم يكن يوما ًما بطاقة أحوال مدنية كذلك الشعر هو الشعر ولا علاقة له بالليل والبيداء أو الحداثة  حسب بل وبكل ذلك”.

ويواصل عن ما يعنيه له مصطلح أديب الداخل وأديب الخارج: “تناسخ مصطنع للأدب ببطاقة الأحوال المدنية، مسقط الرأس، وربما سوف نستفيق على أدب على وفق فصيلة الدم..!”.

وعن تقييمه للواقع الثقافي الحالي يقول: “مدهش على نحو يثير الإعجاب ويستدعي التأمل، فقد انطلقت خيول الرغبة بلا قيود. هناك من يكتب.. هناك من يتساءل.. هناك من يسائلك.. هناك هناك الكثير والكثير، خشيتي أن غياب رقيب المؤسسة يفلح في ميراثه إلى رقيب العقائدية وثم.. لا حول ولا قو…ل َ في كف لا تشير”.

وعن روايته (مراثي غيلان) وتجربة السيرة يضيف: “هي انقطاع أزعمه واتصال أدعيه، أتذكر وأكتب كما رأيت وكما لو كنت ُ أتمنى نفسي وبلدي.. أليس كل ذلك بين يدي؟! فلتكن (براءة افتعال).. كنت ُ فيها (أبو بولة تحتو… فرشوله وحدو) ووجدت ُ نفسي كذلك فيها على موقع الشاعر قاسم حداد (جهة الشعر) في ملف يزعم إليه ِ (نص يبعث على الدفء).

مراثي غيلان..

في مقالة بعنوان (قراءة في “مراثي غيلان”  لسعد الصالحي” يقول “جمعة عبد الله”: “(مراثي غيلان) للأديب سعد الصالحي, تفتح صدرها,  وقلبها بكل شفافية مشوقة وممتعة. في اختيار عينات حكائية, في أسلوب السرد المتع والرشيق, يحمل البساطة والتواضع, والأهم أنها تحمل الصدق الوجداني في التدوين, دون تمجيد الذات بل تركها على سجيتها دون زيف وتمويه, بل يجعلها تنطق نفسها بنفسها. وهي تقدم شهادة حياتية ممتعة, تجعل القارئ, في حالة إثارة وانفعال وعاطفة, مشوقة يتعاطف معها, وتجعله في حالة مقارنة, الحياة والظروف في ذلك الزمن. بالمقارنة مع الزمن والظروف الحالية, المسمومة بالقهر والعذاب والاستلاب المحطم, ومسخ إنسانية الإنسان. لمقارنة أيضا, بين أخلاق ذلك الزمن, الذي عرف بالبساطة والتواضع, وأخلاق هذا الزمن الحالي المزيف والمنحرف في كل شيء, حتى داخل دخيلة الإنسان نفسه”..

ويضيف: “هذه القراءة ترصد النسق الزمن في (مراثي غيلان) وتقسيمه  إلى قسمين: مرحلة الطفولة والبدايات الأولى, ومرحلة الشباب وما بعدها.. 1- الطفولة والبدايات الأولى: أول شيء, هي  البداية, الصراخ ليثبت وجوده مخلوق كائن حي, وفي تفهم الأشياء التي حوله (كنت أحبو, وكان أول الأشياء صراخي ساعة رأيت وجه ابن عمتي (رياض) مبتسماً وهو يهدهدني) ص3.. حالة تذكر بطعم الشوق اللذيذ, في مذاق الطفولة في السفرات والجولات العائلية, التي تنعش حياة الطفولة ومرحها ( كلما سافرنا إلى بغداد, وانصرفت أمي لرص لفات الخبز بالبيض المسلوق و(العروك) والخضرة, كان هناك كرنفال وجبة  بفرحة ذهبية لحلم لهن بالأكل والحديث عن متاعب الطريق والسفر) ص10. وعن زعرنة الأطفال ومخاطرها. في إحراق أثياب جدته (أخرجت علبة الكبريت من جيبي, بيد أن الثوب المشجر بالوردات الصغيرة, ما كان لينتقد من عود واحداً وآخر, جمعت عودين معاً فانقد الثوب بلهيب, يأخذ كل الأثواب في مهرجان أحمر, يتسامق صوب الأعالي,  بالدخان الأسود) ص20 “.

يواصل:” في جبهات الحرب المجنونة مع إيران. كان امرأ في احى الوحدات الطبية, عام 1985. توثقت علاقته الحميمة في جبهات الحرب, مع عازف الكمان الأول في الإذاعة والتلفزيون, ليخدم جندي في الخنادق الأمامية لجبهات القتال. لكنه بعد انتهى الحرب, حياته تدمرت بفعل المشاهد الدموية ونزيف الدماء, فصار أسير الإدمان والكحول وطلق زوجته, وبعد عشرون عاماً (قيل أنهم وجدوه في عام 2002, في صبيحة صيف, مرمياً على الرصيف, جثة شديدة الهزال, غارقة ببحر القيء والكحول, لم تكن تلك الجثة, سوى جثة الفنان الكبير, وأستاذ آلة الكمان الأول في العراق, الموسيقار العظيم, الذي ألف اللحن الخالد (بالسلامة يا وطن……. ما هزتك ريح ) ص43 .. من مفارقات الزمن الأرعن: كان في وحدته  العسكرية في خنادق القتال, جندياً استشهد في الحرب المجنونة (بيد أن راتبه بوصفه شهيداً, حجب بعد عشرين عاماً, لأن مثل هذا الموت, لم يعد كافياً, ليتذكر في قاموس وطنه) ص86. إن (مراثي غيلان) للأديب سعد الصالحي,  متعة مشوقة في رحلتها, وهي تتوقف في محطات كثيرة تستدعي القراءة والاهتمام”.

 

قصة قصيرة لسعد الصالحي..

 بكاء كالغجر ..

( لكركوك 1991 وأشير ُ إلى:

1-  فاضل ناصر أكبر: شيوعي تركماني عراقي، أسر في لبنان من قبل القوات الخاصة السورية وأودع في سجن المزة عام 1976 حيث شهد خلالها إعدامات قادة حزب البعث المؤسسين وآخرين.. أعيد مطلق السراح والعقل متروكا على الحدود العراقية – السورية ليلتقطه بعض السيارة عام 1994، ثم غادر كركوك مهاجرا.. بصمت.. من مشاهير التشكيليين في السويد ومتزوج من فنانة سويدية أنجب منها طفلة.. ثم أنفصل عن زوجته.. بصمت.. بل وفقط.

2- إسماعيل شاكر الرفاعي: روائي عراقي إشتهر بروايته (النهر في سماء المدينة).. يقيم مهاجرا في أريزونا / الولايات المتحدة منذ العام 1995.

3- ( زليخا.. البعد يقترب)، (صهيل المارة حول العالم)، مجموعتان قصصيتان متميزتان للأديب العراقي الكبير جليل القيسي، الذي يقيم في مدينة كركوك في العراق).

يالتلك الغجرية (سورية) التي علمته العشق، كانت أنبل من أن تبقى ولا مفر من موت لأجله، لكن الماء تعكر خاكي اللون، وعكس على صفحة السماء لونا خاكيا، وليتها ما رأت من ذهب إلا ليعود مرتديا الخاكي، فإنها ما علمت أن الأشجار ستبدو بلون (الأنذار  جـ)، بيد أنها حين سحبت إصبعها وراحت في استغراقة لذيذة تذكرت لمس الطبيب مهترما بردفيه على عري الصدر ينحني مستمعا لنبضها السليم مؤكدا أنها فقدت (شيئا ما) لكنها إستعادته بلمس أرق وأنعم، فقد ذهب لقلب الليل في كركوك وأردف صمت الخيمة صدى ضوضاء الأمس من بعده وعلى وشك النوم ثانية كانت لولا قرع درابك المجون التي استافت هدأة الصباح لأجل مصر على نحر فجر الغجر في خيمة قريبة، ولا بأس فقد مارست حب الأمس على الأوحال تحت احتفاء قمر راود اكتساء السماء بديم مطير، ذلك أنها تعلقت به من دبر وقد طوقت جذعه بفخذيها كي تطوق الرأس والصدر بساعديها ويجتاز بها بركة الماء لولا فجور اللحظة وهول الشبق الذي انبثق بارتطام الجسدين فأوقد دفق الرغبة وألقاهما على دثار وحل يلتاث بالعري والحب ويطفئ الشمس .

لكنه الليل ووقع القطر وشد الطبيب لاسترخائها مستسلمة بكل إصرارها على أثرة به، فإنه ما كان ممن يرغبون في هون ابتذالهم للنقود أو يربك الأطفال بلعلعة الرصاص ليرتمي شيوخ الغجر يلعقون صفاء مستحيلا منه ومن نزق جمع الآخرين في هذه الخيام، فلكم قدموا كالقدر العاجل يغتصبون عرف الريف وحياء توارى بين رشفات الكؤوس وطي عباءات غادرها الوقار حتى أن السوي منهم ما أصطفى إلا قيئا تعود رجعه كل ساعة وما لديه مفر أوسع من البقاء بدونه فتردى زائغ البصر بين ابتسامات الكهول وعطف العجائز مصرا على التماسك بسالة وكبرياء بلا جدوى .

أما الطبيب فما أسرف إلا تحت ضجيج السماء بصفير القذائف، مقتحما لهيب الليل في عارم السيل بنهر لأجل ثلاث سمكات كانت في جوف تلك الإسعاف التي أنقذها من الغرق، غانما هيبة الوصول منتصرا قبل أعوام، حافظا ماء الوجه (لموقع جمع الخسائر) بوجبة تداركتها الأفواه من زملائه الأطباء المجندين بشهية ضمير متقد كدأبه الذي ظل كذاك حتى وضعت أوزارها الحرب ، متنقلا بين خندق في الذاكرة وخيمة على أطراف المدن وأن لا دهشة لتفاصيل الشوارع بينهما، فما لحد النار غياب لاقتراف الضياع وهي ترتاض بانتفاخ بطنها غجرية تنوء بحملها مصفقة ما تشتهي إلا قبلة من فمه فداء  لخيط الدم والرحم المملوء بنسله.

قعيدة الدلال تقئ وتثقل يوما بعد يوم ما يجرؤُ على مسها طرف ولا طرف الطبيب العقيد الحاكم لأمر المضارب بالبقاء والرحيل بلا سطوة أو استبداد لكنما بغمازتي دعة على محياه الآسر لأولئك الغجر.. حتى قــُلــِـب َ الليل في كركوك بطلائع الجند التي عرفت وجوه الدخلاء وراح الناجون يجوبون صمت الطرقات يبحثون عن بقايا الأجساد المقطعة في عنف الليالي السود كأن كل شيء بروية الضمير الساقط لاقى حتفه، عندها علــِمــَت ْ أن البعيد البعيد سيؤذن بالرحيل إليه، وأن لن يقوى ألف مبرر لإبقاء أنف عمتها المشروم يستنشق عبير الربيع في كركوك وتلك بغداد آمنة تغفو على أوراق نقدها الخضر منثورة بين أقدام الصبايا وهزج الشيوخ بجديد القبائل والأرداف اللقاء . يناكدها شعبان قائلا سحقا له أما كان لا يقتات إلا بصحبة الوجهاء على حساب الضحك وهز الأكتاف بلا اكتراث؟ أما ادخرتموه لمثل هذا اليوم فصار بطي السحاب؟ وآب الركب يجتر أنين العجائز:

-أوف يمة جكارة جكارة نكون قريبا في بغداد.

يروى عنه يجوب وحيدا عند السحر، يتراخى من فرط إعيائه، فالمستشفى أحرق بابه، والسفهاء اغتصبوا كل فتاة تمرق عبر الشارع . أما الأنكى، بعد ليال ٍ، فتحت أبواب الإنعاش وكانت خمسا في عفن الظلمة فتيات حبلاهن ونفقت نزفا بوليد بين الأفخاذ، فقاء وقاء وقاء وأخرج كل ذهوله حتى نادى (سورية… سورية) لن يأخذك موت مني!.. وكذا سلمت رغم رماد يتناثر بين الأرجاء صالات العمليات الكبرى، ظل جهاز البنج سليما وكذاك عديد للأدوات..

فأبصرت َ في دفق الأسى ألف من يساعدك َ لعلاج من رأيت َيجرجر الجراح منزلق المعي تحته أمام الذي بزهو الفاتحين تخير غرفة الإنعاش يقود منها أرتال (التحرير) في المدينة الصماء ويسألك أن تجتر من منهم معنا ومن منهم علينا؟

– لست ُ إلا طبيبا لا أعرف ُ أكثر.

وآثرت َ صمتا بعيد ما آل وجه (العميد) إليه من علائم

– أما مأفون آخر ؟!

قال َ وقلت:

– كلا بل عشرات قد أنقذت ُ وأيضا منهم.

كلا ً كنت ُ فعلت ُ ونحن نردد جذلا قسم المهنة عشرات ٍ أيضا أن لا نخن أنفسنا وأن لا ولاء بعد إلا للحياة.

في طبلات الجرحى ســُـجـٌـل َ مسبوقا بــ ِ (د.) ولقد ســُـجـِـل َ مسبوقا بالرتبة أسمـُه، ذلك أن الدال سيعني فردا من جرحاهم أما ألآخر فلمن جرح وصمد وصمت وأومأ أني منكم، فنجا الجند ُ وراح الدال يدل لشئ آخر، (عبوهم ببطن الأيفا) أمر القائد ، ومضت (أيفا) بعد الأخرى حتى قضي بأمر (الدال). عند جدار للمستشفى  ظل يدور ويسأل نفسه (يمة أرد أتيه الروح وبعاصف الريح ) كور نفسه قفز وصار بعرض الشارع. من هوام الأثير أبصر ُتوقا يسبقني يورق في جثث الأموات خطوا، أتساءل ُ أين تكون العاهرات في مثل هذه الساعة؟ صرخت سوسن لجأ إلينا، تتحسس أطراف يديه، تتلمس شعره وجبينه، تلثم  كل مكان فيه.. تصرخ:

– كيف اجتزت َ مواتا؟ يارباه.. يا أماه.

هرعت تلك الأم القحبة صاحت لطفك يا رب الأرباب هل هو حي سوسن؟ من لم يقتل مثله بعد، الضباط لبئس المثلة . واحتضنتاه بشوق العهر لقلب الدار وأصاخا سمعا للهاثه أين وفاء أين وفاء؟ ووفاء انتفخت في الشارع قرب الصاغة، عارية الجسد فيها ألف مكان كان بطلق، سحبوها أوغاد وتوالوا في شبق اللذة. ذئابا ينتشرون خراف الأمس يـُـقطـٌـِـعون الوطن أشلاء عبر الخطوط، حفاة عراة على الجنوب يستلبون السفائن ويقتلون على الهوية، ثم أوغاد وأنصاف أحزاب ٍ تسمسر الله والوطن على الشمال تمارس ُ الحب أي (تانسو شلر) أيتها الرائعة الشقراء..!

تراك َ بينهم انبثقت َ من مصب الفرات؟ من قمم الجبال ؟ من تحت التراب؟ تنوح كركوك بك تفتقدك (العرصة) مسائلا في حلكة السواد عن غجرية مرت حذو التخوم أم منتظرا لأعوامك الخمس بعدما حال الحال ُوصرت َ تدور تغني فتجمع العمداء والألوية الحمر مشرئبة القضب نحو الصبايا التي تلتهمها الشهوات على وقع من يكتملون بالضجيج مأججين نزف الجيوب بقرع الكؤوس الماجنة مستذكرا (حبيبي.. طر الفجر.. ردني) وهي تندس نحوك مذ (حبيبي.. طر الفجر.. دِجـنـي).

تلك أيام لها ما عليها ولها في ذاكرة الأفول ألف صديق كذاك الذي أولجه السوريون غرب البلاد متمما فيك الأسى ومقررا ماضيا لم يكن أكيدا، كفاضل بن الناصر أكبر من صلب كركوك، معصوب العينين بعد أسر عقد ونصف تحت الـ (دمشق) متمنيا ألف موت على حساب تلك السنين العجاف في (المزة).. فأي عدل يرتب النزق على جبين الطغاة (وكل تزيا بأسماله وأرتحل ؟ كأبن الناصر أكبر كان الآن يجوب الشوارع يشحذ خمرا للنسيان ِ، بل آثر َالجسد مغتربا على اغتراب العقل فغادر المواطن من طفولة إلى رجولة في أزقة بلاد الروس بين المتاحف ودور العرض والأزياء ورقص على أنغام الهوام لموسيقى وأسماء ترن في صدى الوعي أن لا بقاء أسمى من حياة بلا هوية..

فأسرجت َ الذكريات ورحت َ تولول في علب الصمت المقفلة أن وداعا يا بن الناصر أكبر تلك الغجرية أضحت بعلقة الدم مني قمرا تتريا يقترف العناء مغنيا ومازلت ُ أوصد بابي كل يوم منتظرا اغتصاب الشبابيك حتى راح البعض يسألني إلام تظل في ورائك تلاحق صدى الشظايا وصور المهاجرين، وهي مؤكد شوهدت كما قال (الرفاعي) و (نهره في سماء المدين ) في بطاح البصرة يحيط بها الـ (بدون)..

أما آن لك السبات وقد فقدت َ كل الدروب وصرت َبلادا من رفوف تكلس عليها الدخان ُ؟ ينقلون الحكايا بعض قوم من (غزي) أنها تسأل عنك الدرك والعسكر والضباط حتى التقت برجل من أصلاب المغول يشبه (النار الأزلية) ويرتدي ذراعا من كركوك، يكركر وهو يمد يدا نحو انعطافات التكور في جسدها المتذابل وفي خده لمحت ْ(أختا من بغداد)، فقرفصت ِ شوقا لغمازة تسألين من يتحمل كل هذا الخراب؟ فأجاب ونبض الغضب ينفجر من بين فخذيه منخذلا (كحبة .. متستحي)!.. قلت ِ هناك من يحمل غمازتين بلا أختين تأسر كل غجر العالم، ثم من لثغات ليست إلا لفمه، وحروف أربكها نطقه، سألت ْ فيه النزق الماثل وبعين توشك أن تخبو، أين وجدت َ صديقا يعلم أسرار الفتيات، يدنو نحو الغجر بكـِـبر، يعظ الكل بغير كلام، يعرف ماخلفك كركوك، قالوا عنه سبي الليل وقالوا هو أدرى من أي حويجة، تقريه خيام ألأسمال ليال ٍ وهو حكيم ؟ فأجاب ذراع الأصلاب أني أعرف هذا الواحد. فألتمعت ْ ذكراك بكلمة (آرابخا).

إن المدينة مازالت قائمة على بقايا عناد ألأجيال. أرنو.. ظلال الشمس تحتفي بتلك الأيام المعمورة بمضاربها.. الكـُـتابُ واليباب والنار وبقع الزيت ترسم على وجه الأرض فيها صورة العبيد بأنفاس (زليخا) .. و (صهيل من يمرون) حول الآبار.

25-12-1994

مستشفى كركوك العسكري

وفاته..

توفي “سعد الصالحي” في 31 يوليو 2019 بعد معاناة مع مرض سرطان الحنجرة.

 

 

 



الكلمات المفتاحية
الكاتب العراقي سعد الصالحي

الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.