سعدى يوسف.. الكتابة إعادة تشكيل الأشياء وإعادة خلق العالم بشكل ما

الأحد 13 حزيران/يونيو 2021
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

خاص: إعداد- سماح عادل

“سعدى يوسف” شاعر وكاتب ومُترجم عراقي، عمل في مجالي التدريس والصحافة الثقافية. سافر من العراق في سبعينيات القرن العشرين وعاش في لندن سنوات طويلة حتى مماته.

فاز بعدة جوائز في مجال الشعر، منها: الجائزة الإيطالية العالمية، وجائزة كافافي من الجمعية الهلّينية. في 2005 نال جائزة فيرونيا الإيطالية لأفضل مؤلفٍ أجنبيّ. في 2008 حصل على جائزة المتروبولس في مونتريال في كندا. وهو عضو في عدة مجلات، منها هيئة تحرير “الثقافة الجديدة”، والهيئة الاستشارية لمجلة نادي القلم الدولي‏، وهيئة تحرير مساهم في مجلة بانيبال للأدب العربي الحديث.

ولد “سعدى يوسف” في أبي الخصيب، بالبصرة، درس في البصرة، تخرج في دار المعلمين العالية ببغداد 1954، وحصل على “ليسانس شرف في آداب العربية”. أصدر 45 ديوانا شعريا، وترجمات عديدة لكبار الشعراء العالميين، بجانب رواية وتسعة مجاميع قصصية صدرت أولاها «نافذة في البيت المغربي» في 1974 وآخرها «يوميات ما بعد الأذى» في 2007.

“الشيوعي الأخير”..

في حوار معه يقول “سعدي يوسف”عن علاقة الشيوعية بالشعر وسر تشبّثه ب”الشيوعي الأخير” في كتاباته: “علاقة الشيوعية بالشعر متأتية من علاقة الفلسفة بالشعر، أي علاقة الماركسية بالشعر، إذ أن نظرة الماركسية إلى العالم لا تقتصر على الجانب  الاجتماعي/ الاقتصادي، هناك قضايا متصلة بالنظرية الإبداعية، واللغة، وعلم النفس، وكلّها ذات علاقة بالشعر.

كتبتُ “سلسلة” قصائد عن “الشيوعي الأخير”.. إنه شخصية جديدة، مثل شخصية “الأخضر بن يوسف”. لقد تخلّى كثيرون عن الشيوعية، لكنّ الشيوعيّ الأخير يحبّ الشيوعية، وما يزال يناضل من أجلها”.

اللحظة الحرجة..

وفي حوار آخر معه نشر في صحيفة “القدس العربي” و أجراه “حسن مخافي” يقول “سعدى يوسف” عن تقييم تجربته الشعرية بعد أكثر من خمسين سنة من الإبداع: “بعد نصف قرن من الكتابة والتجريب أجدني ما أزال في اللحظة الحرجة، وربما هذا الإحساس المستمر باللحظة الحرجة هو الذي منحني قدرة علي الاستمرار في الكتابة، ولربما في محاولة تجديد النص الذي أكتبه. أحيانا تتخذ عملية النص الذي أكتبه طابع مراجعة شاملة وقد تستغرق الانتقالة الجديدة عقدا من السنوات، أو أكثر أحيانا. لكن بعد انتهاء هذا العقد أجدني مرة أخري أمام امتحان قاس أيضا، أحاول فيه محاولة أخري وهكذا…

واعتبر نفسي محظوظا لأنه أتيحت لي فرصة الحياة أكثر من بعض الشعراء مثل بدر شاكر السياب الذي توفي مبكرا، وهناك شعراء آخرون رحلوا مبكرين. هذه الحياة الطويلة أتاحت لي فرصة الاستمرار. ومع السنوات تبين لي أنني لا أملك نشاطية غير الشعر. نشاطية أعتمد عليها وأحاول أن أطور فيها الشعر وحده. والآن حياتي الفعلية سواء في التعامل مع الكتابة أو في التعامل مع الطبيعة أو مع العالم بشكل ما، حتي في السياسة أتعامل بما تمليه علي إستراتيجية الفن أكثر من النظر إلي تكتيك السياسة بين حين وآخر وبين حدث وآخر”.

وعن المحطات الكبرى التي شعر فيها أنه حقق تحولا في كتابة القصيدة: “في معاينتي لما مررت به، يمكن أن أعتبر أن الفترة الجزائرية، أو ما أسميها الفترة المغربية عموما كانت العملية الأساسية في طبيعة انتقال النص الذي أكتبه إلي أفق مختلف، أفق فيه الكثير من التجريب، وفيه إعطاء مسافة واضحة بين الواقع والنص الشعري، وبالأخص الواقع السياسي. لقد أصبحت في هذه المرحلة قادرا علي مراقبة الأشياء.

إقامتي بالجزائر جعلتني أنجو من هول متابعة الأحداث السياسية التي كان يعرفها العراق آنذاك بقسوتها وتفرعاتها. لقد كنت من الجزائر أراقب من بعيد بشكل أدي إلي أن النص نفسه يأخذ منحي آخر. كما أن إقامتي الطويلة في الجزائر أتاحت لي أيضا تحسين لغتي الفرنسية وأخذت اطلع أكثر فأكثر علي الثقافة الفرنسية وعلي الشعر الفرنسي. وهذا شيء هام بالنسبة إلي لأنه أضاف إلي اهتمامي بما ينشر باللغة الانجليزية اهتماما بما ينشر باللغة الفرنسية من شعر. وهذه الفترة كانت هي فترة التجريب الحر واتخاذ موقف المراجع. بعد عودتي إلي العراق لم يحدث شيء مهم. ولكن عندما خرجت من العراق مرة أخري سنة 1978 وحتى الآن أخذت عملية محاولة التجدد صورة مستمرة، غير خاضعة للتحقيب، كأنها مستمرة يوميا تحدث بين قصيدة وأخري. وحتى الآن ما أزال في هذه الحمي”…

وعن ارتباط تجربته الشعرية بالمنفي يقول: “أنا لا أعتبر إقامتي في الجزائر منفي، ولا إقامتي في تونس أو دمشق أو بيروت منفي. وحتى الآن لا أري في إقامتي في بريطانيا منفي. البلاد العربية هي أرضي وبلادي ولغتي… وهذه مسألة طبيعية. ولذلك لا أشعر وأنا فيها بالغربة. ربما قد أشعر بالحنين، وهو شيء تغلبت عليه مع مرور السنين. لكني لا أنظر إلي حياتي خارج العراق بأنها منفي لأنني أحاول أن أوطن نفسي في الأرض التي أكون فيها. أنا أعتمد علي التقاط المادة الخام من الأرض، من الطبيعة.

وهذه المادة الخام هي التي أعتمد عليها في الكتابة. إني لا أكتب القصيدة المجردة وإنما أكتب نصا هو نتيجة ارتطام الحاسة بالمادة الخام. ولهذا يجب علي أن أوطن نفسي، وأن أقرأ الناس والتاريخ والجو السياسي في هذا المكان أو ذاك، وأن أساهم بقدر الإمكان فيه. ومن هنا فإني لا اعتزل السياسة. وحتى الآن أشارك ببريطانيا في المظاهرات التي تقام في الشارع وفي الندوات واللقاءات ذات الطابع السياسي”.

معالجة الحدث السياسي..

وعن تضمين الأفكار السياسية في الشعر يقول: “أنا أعتقد أنني استلهم الماركسية كثيرا في شعري، وفي ما يخص هذه النقطة بالذات، مسألة معالجة الحدث السياسي بطريقة فنية، فإني استفيد من الماركسية ومن اجتهاداتها في علم الجمال. ولكني استخدم كأداة المتناقض الماركسي في اللغة، ويتمثل في هذه اللغة التي تسمي اللغة المادية، تلك هي أداتي. ولو أردت أن أوضح الأمر قليلا حسب المصطلح العربي، فإني أقول بأني استخدم الاسم الجامد أكثر من المشتق. لا استخدم المصدر إطلاقا. لأن المصدر مجرد من الزمان والمكان، فهو تجريد.

في الفن عموما نستخدم الملموس للوصول إلي مجرد ما، ولكن عندما تصبح الأداة هي المجرد تكون العملية الإبداعية خاطئة. عملية الكتابة ستكون خاطئة لأن الشاعر مثل النحات. النحات في حاجة إلي مادة خام، الشاعر أيضا أداته هي المادة الخام، والمادة الخام هي الاسم الجامد، وهي الفعل. المادية متحركة والاسم الجامد تسمية للمادة الخام. وهذا منطلق ماركسي أفادني كثيرا في كوني استطيع أن أكتب عن كل شيء. وجنبني الرتابة وجعل عيني مفتوحتين دائما علي كل شيء. كل شيء تستطيع أن تخضعه لعملية علاقات كي تنتج قصيدة”.

وعن تحمسه لقصيدة النثر يقول: “صحيح أنا متحمس لقصيدة النثر من حيث المبدأ، من حيث أنها تضيف عنوانا جديدا إلي الشعر العربي وتفتح بابا للاجتهاد والتجديد والتغيير. ولي مآخذ علي ما تراكم منها حتى الآن. فهي لم تتوصل بعد إلي نظام موسيقي معين ولم تستطع أن تخرج من الدائرة المغلقة إلا نادرا، ولم تكتب ببيان عربي سليم في أدبها، وكثير ما يكتبها أناس يجهلون اللغة العربية إطلاقا. وهناك جانب التقليد فيها لما هو منحط في الشعر الفرنسي. تقليد فج يكون أحيانا عن جهالة.

هذه كلها مآخذ جدية. وهذا لا يغير من موقفي من أن قصيدة النثر تفتح بابا جديدا في الشعر العربي. ومن المؤسف أن يحدث هذا لأني كنت أتصور أن قصيدة النثر عندما تأخذ مداها ستكون أداة جماهيرية، أداة للتعبير الحقيقي عما يجري في هذه الأرض المعذبة التي هي أرضنا، لكن معظم نماذجها أشعرتنا بالانكفاء وبالخذلان والتقوقع علي ذات غير متكونة وتعاني من هشاشة”.

وبخصوص التركيز علي اليومي في كتاباته الشعرية يقول: “لست متأكدا إن كان ماركس أو هيجل من قال إن الحواس هي بوابات المعرفة الخمس. أنا اعتمد الحاسة منطلقا للكتابة. الحاسة هي التي تمنح البداية لعملية الكتابة عندي. ومن هنا أجد طريقة للتفصيل. البصر، اللمس، السمع…الحواس كلها تشتغل، وتقيم علاقات بين ما التقطته. ولأني أكتب الشعر كل يوم، وأحيانا أكتب قصيدتين في يوم واحد فإني لا أكتب دون استحضار هذه الملاحظة الجدية الحقيقة. هذه مثلا طاولة عليها كأس ومفرش ومنفضة سجائر، ألاحظ هذه الأشياء بدقة وأقيم علاقات بينها وأعيد تشكيلها ضمن منطق ينسف العلاقات القديمة، يفضي إلي بناء علاقات جديدة بين الأشياء.

وعن لغة شعره يواصل: “هي أقرب إلي اللغة اليومية ولكنها متعصبة للفصاحة العربية. أنا متعصب للفصاحة، ولغتي مع ذلك أقرب إلي اللغة اليومية لأنها أقرب في نظرتي إليها إلي المادة الخام، ولذلك يكثر في قصائدي استعمال الاسم الجامد. ومن هنا تأتي الفكرة بأنها عادية، ولكنها في منتهي الفصاحة. أحيانا أستخدم كلمات منقرضة كما يقال أقوم بإنقاذها واستعملها شعريا بطريقة تبدو معها عادية. وأحيانا أخري استخدم النحت اللغوي خاصة في الفعل المزيد والاسم … مثلا أتذكر أنني استعملت في إحدي قصائدي الكنيسة ناقوسها يرترن بدل يرن . وهو فعل غير موجود في اللغة العربية، ولكن استعماله بهذا الشكل أضفي عليه دلالة أخري”.

وعن النزعة السردية يضيف: “النزعة السردية، أو لنقل المسحة القصصية هي مبدأ أساس لدي. وهذا يكشف عن جزء من جهدي في أن يشاركني القارئ ما أكتب. وفي هذا أخذ بيد القارئ كي يتاح له تتبع النص، فأنا بشكل ما أساعده علي المتابعة. فالمهم في القصيدة في النهاية هو القارئ والمفروض أن يفتح المبدع أعين الناس علي الجمال وعلي الحياة.

أنا قارئ نهم للرواية، وربما أقرأ الرواية أكثر من الشعر. وأهتم بشكل خاص بالرواية الإفريقية. و مثلث الدائرة هي جهد روائي نشرته، وأصدرت قبل ذلك مجموعة قصصية هي نافذة المنزل المغربي” .

احتلال العراق..

وعن توقعاته بعد مضي ثلاث سنوات علي احتلال العراق، وقت إجراء الحوار، يقول” سعدى يوسف”: “عندما تم احتلال العراق كتبت مقالة تحمل عنوان مائة عام من الاستعمار. هذا ما أتوقعه، قرن من الاستعمار. عندما دخلت بريطانيا العراق إبان الحرب العالمية الأولي، لم تخرج إلا بعد نصف قرن. وما يحدث ويحدث الآن شيء شبيه بذلك. وطيلة نصف قرن علي الأقل، سيعاني العراق وطأة الاحتلال والحماية والأشكال المختلفة من الحكومات العميلة. وستبدأ من جديد التظاهرات في الشوارع والمطالبة بإغلاق القواعد الأجنبية…

ويؤكد: “عندما تركت العراق تركته احتجاجا علي اضطهاد الناس والحكم الديكتاتوري الذي كان موجودا والذي اعتبره استعبادا للبشر. ولم اترك هذا لأعود إلي عراق مستعمرا أشد هولا”.

القصائد السردية..

وفي حوار ثالث معه نشر في صحيفة “طنجة الأدبية” يقول “سعدي يوسف” عن السرد لديه وتداخل الأجناس في شعره وكل كتاباته، بما أنه كتب أيضا القصة والرواية، وهناك مؤلفات له غير مجنسة ك «يوميات الأذى» و«يوميات مابعد الأذى» و«يوميات المنفى»:

” أنا أقر حول مسألة السرد.. السرد أساسي في كتاباتي وبإمكانك أن تطلق على قصائدي لفظ القصائد السردية وهذه هي طريقتي في الكتابة، أما كيف؟ فالمسألة أصول، أنا أهتم بالقصة القصيرة تماما وحاولت أن أكتب القصة القصيرة في المجموعة القصصية «نافذة في المنزل المغربي».. وأقرب الأنواع الأدبية إلى القصيدة كما أراها هي القصة القصيرة. السرد قيمة إيجابية لأنه يقرب النص من القارئ، السرد يجعلك تهتم بالحقائق، ليس التهويم فقط، التهويم ليس الطريق السليم أو الأساس للنص كما أرى، السرد يساعد في قراءة الأرض حقيقة.

أتذكر في وقت مبكر من حياتي قرأت لكاتب قصة أمريكي شهير يقدم نصيحة لكاتب شاب، قال له: «أنت في غرفة نوم تستيقظ، تخرج من غرفة النوم إلى باب بيتك في الخارج، تعبر ممر المشاة إلى رصيف آخر..»، قال له: «هذا هو الامتحان الأول»، هاهو يوصيه إذن بدراسة الأرض، بدراسة التفاصيل، بأن يخرج ويعبر الرصيف إلى الناحية الأخرى، «بعد ذلك ستتعلم كيف تكتب»، وهكذا أنا تعلمت بالتدريج كيف أكتب، وقد أفادتني هذه النصيحة كثيرا، ولهذا فالتفاصيل التي ذَكرتها موجودة في نصوصي، أنا أراقب الأشياء وفي الحقيقة أنا في معظم حياتي أراقب الأشياء لأدخلها في القصائد، غير مستريح، أمشي في الشارع وأنا أفكر هل بإمكاني إدخال هذا الشيء في نص مقبل، أحيانا يتعبني الأمر، لأني لا أريد أن أكون دائما براغماتيا ومستغلا حتى متعتي، أظل في موضع المراقب ولست في موضع المستمتع”.

وعن حال الشعر الآن في العالم العربي يقول: “صار هناك تباعد أو قطيعة بين النص والحياة وهذا مقتل للنص، بعض الناس يخافون، لا يكتبون خوفا، ليست هناك حرية تعبير، والمسألة شائكة ومرتبكة ليس فقط من جانب الحكومات لكن أحيانا تيارات من المجتمع نفسه تمنعك من الكتابة. صحيفة «الحياة» اللندنية مثلا تمنع استعمال كلمة خمر أو نبيذ على الإطلاق، مرة أرسل إليهم حسونة المصباحي في «الحياة» قصة بها شخصية دخلت إلى حانة بألمانيا ففوجئ بعد نشر القصة أنهم بدلوا البيرة بالشاي (ويضحك).”.

الحنين عدو..

وعن اعتباره في أحد أحاديثه الحنين عدوا يقول: “أنا في رأيي أن الفنان يجب أن يتمتع بقدرة السيطرة على مادته، لأنه مكلف بإعادة تشكيل الأشياء، بإعادة ترتيب الأمور، بإعادة خلق العالم، بشكل ما، ولهذا عليه أن يكون متوازنا حتى يستطيع أن يقوم بهذه المهمة المعقدة.. النوستالجيا تخل بالتوازن، مثلا هناك شجرة صنوبر في النوستالجيا أنت تراها نخلة، النوستالجيا تمنعك من الاشتغال على الصنوبر أو تجعلهما شجرتان تتناوبان، ومن هنا أعتبر الحنين عدوا…

بالتدريج أستطيع التخلص منه ، فمثلا «الديوان الإيطالي» ليس فيه كلمة واحدة عن العراق، «قصائد نيويورك» ليس فيه أي شيء وهكذا، الآن كتبت ديوانا سيصدر قريبا «صورة أندريا» ليس به أي كلمة عن النوستالجيا”.

 

 

وفاته..

رحل “سعدى يوسف”، صباح اليوم الأحد، 13 مايو- أيار 2021 عن عمر 87 عاما بعد صراع مع المرض.

قصائد ل “سعدى يوسف”..

قرنفل..

من أين رائحةُ القرنفلِ؟

شَعرُها؟

أم إبطُها؟

أم ثوبُها الملقى على سجّادةِ البوشناقِ؟

ليلى

منذُ ثالثِ خطوةٍ في البيتِ

تجعلُ كلَّ ما في البيتِ ضَوعَ قرنفلٍ؛

ليلى

هي البستانُ رَطْباً

وهي ما يتنفّسُ البستانُ مَسْقيّاً وليليّاً،

وليلى الآنَ

تعرفُ أنني ثَمِلٌ برائحةِ القرنفلِ

فهي تَرتقُ ما تناثرَ من غيومي ثم تنشرُها سماءً

كالمُلاءةِ …

إن ليلى، وهي مطْبِقةٌ،

تحسُّ بأن أناملي خدِرَتْ على الكُثبانِ

تعرفُ أنّ نبضي نبضُها

وصَبيبَ مائي ماؤها…

…………………….

…………………….

…………………….

ليلى

ستتركني أنامُ مهدهَداً بين القرنفلِ والغمام!

_______

مساءَ انتهت اللعبة..

في صمتِ مســاءٍ ما،

سـوفَ تفارِقُ هذي اللعبةَ

السنواتُ تـمـرُّ على ألواحِ زجاجِ الشبّـاكِ

وعقائدَ

سوف تكونُ سعيداً لحظاتٍ …

سوف تكونُ الطفلَ الأوّلَ

ملتحقاً بالكونِ

واستحضارَ مَـشــاهدَ؛

سوف تكونُ سعيداً لحظاتٍ…

سوف تكونُ خفيفاً، محمولاً فوقَ بساطٍ من ريشِ البجعِ الأولِ

 

سوف تكونُ الطفلَ الأوّلَ

ملتحفاً بالغيمةِ

ملتحقاً بالكونِ

يفارِقُ هذي اللعبةَ حتى الأبــدِ!

——————

ايُّـهذا الحنينُ، يا عـدوِّي..

لي ثلاثونَ عاماً معكْ

نلتقي مثل لصّينِ في رحلةٍ لم يُـلِـمّـا بكلِ تفاصيلها؛

عرباتُ القطار

تتناقصُ عبرَ المحطاتِ

والضوءُ يشحبُ،

لكنّ مقعدَك الخشبيّ الذي ظلَّ يَشغلُ كلَّ القطاراتِ ما زال محتفظاً بثوابتهِ

بـحُزوزِ السنين

بالرسومِ الطباشيرِ

بالكامراتِ التي لم يعدْ أحدٌ يتذكرُ أسماءَها

بالوجوهِ

وبالشجرِ النائمِ الآنَ تحت الترابِ…

استرقْـتُ إليكَ النظرْ

لحظةً

ثم أسرعتُ ألهثُ نحو المقاعدِ في العرباتِ الأخيرةِ،

مبتعداً عنكَ…

 

……………

……………

……………

قلتُ: الطريقُ طويلٌ؛

وأخرجتُ من كيسيَ الخيشِ خبزاً وقطعةَ جبنٍ…

وإذْ بي أراكَ

تقاسمني الخبزَ والجبنَ!

كيفَ انتهيتَ إليَّ؟

وكيف انقضضْتَ عليَّ كما يفعلُ الصقرُ؟

فاسمعْ:

أنا لم أقطعْ عشراتِ الآلافِ من الأميالِ

ولم أطَّـوَّفْ في عشراتِ البلدانِ

ولم أتعرَّفْ آلافَ الأغصانِ

لكي تسلبني أنتَ… الكنــزَ

وتحبسني في زاويةٍ!

فاترك المقعدَ الآنَ، واهبطْ!

قطاري سيســرعُ بي، بعد هذي المحطةِ؛

فاهبِـطْ

ودعنيَ أمضي إلى حيثُ لن يتوقّفَ يوماً قطارْ …

———–

تعشيق..

ليس بالمعنى الدقيقِ، القولُ:

إنّ امرأتي (أعني فَـتاتي) هجرتْــني فجرَ هذا اليومِ…

حقّـاً، خطفتْ ســروالَها والصُّـدْرةَ الصوفَ، من الكرســيّ

ثمّ اندفعتْ، مُـطْـبِـقةً باباً، لكي تهبطَ كالبرقِ

على السُّــلَّــمِ…

كانَ المطرُ استجمَعَ ما يَـهوي به فوقَ الزجاجِ ؛

الريحُ

لم تتركْ على الأشجار إلاّ بضعَ أوراقٍ

كأن الأرضَ كانت، منذُ كانت، ورقـاً أصفرَ مبلولاً ومبذولاً…

أقولُ: المرأةُ – القطّــةُ

حقــاً غادَرَتْـني… وهي لم تعبأْ بما يعصفُ

لم تعبأْ بما لا يوصَفُ: الرعدِ، وهذا الوابلِ الــمُـنْـهَــلِّ…

والرجفةِ؛

طولَ الليلِ كانت طائراتٌ تَـعْـبـرُ الأعصابَ نحوَ البصرةِ .

الريحُ هديــرٌ مَــعـدِنـيٌّ

شــاحناتٌ هي إيكاروسُ ليليّــاً

ومَــعنى القولِ …

لم أعرفْ لماذا لم أقُلْ للمرأةِ: اسْــتَــأني رجاءً!

ولماذا لم أَقُــمْ من مضجعي أَتبَـعُــها…

أنا شخصٌ ساذجٌ

في منتهى التهذيبِ…

يشـــتدُّ هديرُ الطائراتِ

الريحُ لا تحملُ إلاّ الطائراتِ

الطائراتِ

الشاحناتِ الجُــنْــدَ في الليلِ إلى البصرةِ .

إن امرأتي أطبقتِ البابَ

لكي أُصغي إلى صمتي وحيداً…

————

تحَــقُّـقٌ..   

قد كنتُ …

يا ما كنت آمُـلُ

والخريفُ يلوِّنُ الغاباتِ بالذهبِ

وبالجوزيّ

أو بالقرمزِ المكتومِ …

يا ما كنتُ آمُـلُ أن أرى وجه العراقِ ضحىً

وأنْ أُرخي ضفائرَه المياهَ عليّ،

أنْ أُرضي عرائسَ مائهِ بالدمع مِـلْـحاً

أنْ أُطَـوِّفَ في شطوط أبي الخصيبِ، لأسأل الأشجارَ:

هل تعرفْـنَ يا أشجارُ أنّـى كان قبرُ أبي؟

…………..

…………..

…………..

ويا ما كنتُ آمُــلُ !

خَــلِّـها…

خَــلِّ الخريفَ يُـتِـمُّ دورتَــهُ

فأشجارُ العراقِ تظلّ عاريةً

وأشجارُ العراقِ تظلُّ عاليةً

وأشجارُ العراقِ، أنيسُــها  في السـرِّ وجهُ أبي …

 



الكلمات المفتاحية
الشاعر الكبير سعدى يوسف

الانتقال السريع

النشرة البريدية