روبرت فلاهرتي.. رصد في أفلامه صراع الإنسان مع قسوة الطبيعة

الجمعة 20 تشرين ثاني/نوفمبر 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

 

خاص: إعداد- سماح عادل

“روبرت فلاهرتي” مخرج أفلام، ومونتير، وكاتب سيناريو أمريكي، ولد في “آيرون ماونتن”، وكان عضوا في الجمعية الجغرافية الملكية. وهو سينمائي مبدع، وأحد كبار عباقرة السينما في العالم، والأستاذ الأول للاتجاه الرومانسي بالسينما التسجيلية. كان “فلاهرتي” مستكشف أراض مجهولة، ينشد الوصول إلى رومانسية الإنسان البدائي، وغرابة المشهد الطبيعي المدهش في الأصقاع البكر.

أبو السينما التسجيلية..

ولد “فلاهرتي” في 16 فبراير 1884، في متشيجان في الولايات المتحدة، وأمضى زمناً طويلاً في ملاحظة ورصد الواقع.

يعتبر الباحث الأمريكي “روبرت فلاهرتي” هو “أبو السينما التسجيلية” في العالم بفيلمه الكبير “نانوك الشمال” والمصنوع عام 1922. حيث ذهب في 1910 إلى الشمال الكبير في كندا، حيث أقام علاقة وثيقة مع عائلة الصياد “نانوك” من الإسكيمو، وقرر تصويرها من دون أن يدري الصياد حتى عام 1913 حيث عاد وفحص مادته التي صورها وقرر حينها أنه يريد تمضية وقت أطول في هذا المكان لنقل طبيعة الحياة والبشر بشكل عاطفي وليس فقط بشكل تقريري.

طوّر “فلاهرتي”، منهجاً استخدمه علماء الإثنولوجيا والأنثروبولوجيا فيما بعد. فقد عاش مع أبطال فيلمه مدة طويلة قبل أن يصورهم. كان يحدد معهم يوميا المشاهد التي يريد تصويرها، ثم يظهّر المادة في مختبر صنعه في المكان نفسه، ثم يعرض الصور على الأبطال، قبل أن يقرروا معاً برنامج التصوير المقبل. عرض الفيلم عام 1922 وحقق نجاحا كبيرا في صالات السينما.

وكانت ابتسامة “نانوك” قد حظيت بين ليلة وضحاها بشهرة توازي شهرة مشية تشارلي تشابلن. ولكن، إضافة إلى تحول “نانوك” إلى نجم، برزت حقيقة أخرى مآساوية، فالأحوال المناخية في الشمال الكندي الكبير، وأحوال الصيد هناك، لم تعد تسمح للبطل نانوك بسد رمقه، فمات جوعاً فيما كانت ابتسامته تملأ الشاشة!

قام “فلاهرتي” برحلات استكشاف إلى المحيط الشمالي المتجمد وشمال كندا والمحيط الهادئ، ليتابع بعين الباحث وقلب الشاعر تفاصيل الحياة اليومية للإنسان وسط بيئته الطبيعية التي لم تتشوه بعد.

تعدُّ دراما “فلاهرتي” دراما الزمن المتجدد، ودراما المواسم والفصول المتغيرة على مدار السنة التي تتصاعد في أثناء الصراع الذي يخوضه البشر من أجل العيش تارة، أو من أجل منح حياتهم الجماعية صيغاً تجعلها قابلة للاحتمال تارة أخرى، أو بعملية المجابهة والدفاع عن انتمائهم للطبيعة، وتمسكهم بتقاليد وعادات القبيلة التي ينتمون إليها. وتمتاز أعماله بفن الإيقاع المتوازن، والربط الموفق بين عناصر الوجود الحية والجامدة وسط الطبيعة برؤية شاعرية واقعية.

وعلى عكس السينمائيين التسجيليين الذين ينظرون إلى الفيلم التسجيلي على أنه أداة في المعركة، ووسيلة تأثير في الجماهير، فإن “فلاهرتي” لا يضيف شيئاً إلى الوثيقة التي يستخرجها من الواقع بل يرفض أن يفعل. كما أنه لا ينحاز لهذا الطرف أو ذاك أياً ما كان ذلك، كما لو أنه يحضن الأثر الفني في داخله، رغماً عنه، حيث يتنامى الأثر وينضج كاملاً بفعل حرارة المشاعر، ذلك أن فلاهرتي شاعر قبل كل شيء.

بالنسبة لـ”فلاهرتي”، فإن الغاية كانت تصوير عائلة الصيّاد نانوك لمدّة عام واحد، والفيلم يتابعه وأفراد عائلته في حياتهم داخل البيوت الثلجية تلك وخارجها. يرصد عاداتهم.. يقف على طريقتهم في الحياة ويلحظ كيف يصطادون وماذا يفعلون بصيدهم ولا يغفل عن إظهار قدر اعتمادهم على كلابهم ورعايتهم لها.

نجح الفيلم “نانوك – رجل الشمال” 1922 نجاحاً عالمياً، مما دفع شركة بارامونت، إحدى شركات هوليوود الكبرى، إلى التعاقد مع “فلاهرتي” لإخراج فيلم تسجيلي طويل من الطراز ذاته. مهتمين باستغلال عناصر الإثارة التي يقدمها صراع الإنسان البدائي من أجل العيش.

موانا..

سافر “فلاهرتي” إلى جزر المحيط الهادئ حيث عاش وسط السكان البدائيين مدة عامين كتب فيها فيلمه الرائع “موانا” في 1926 وصوّره، حيث استخدم نفس الأسلوب، فقد سجل حياة قبائل (ساموا) التي تسكن جزر ساموا في المحيط الهادئ، ونجح دون اللجوء إلى التمثيل أو اصطناع الأحداث أن يسجل بوساطة آلة التصوير وحدها الخط الرئيسي لحياة تلك القبائل، فجاء فيلمه “موانا” معبراً عن رؤيته السينمائية الخاصة. قليلة جداً الأفلام السينمائية التي عرفت كيف تنقل إلى المشاهد مثل هذا الانطباع عن الجمال النقي. وقد أحل “فلاهرتي” محل شعرية الصور الفوتوغرافية كلياً تقريباً حتى ذلك الحين، قصيدة صور أصلية. إلا أن الفيلم الذي سجل أول مرة في شريط سينمائي يبلغ طوله 1847، (90) دقيقة عندما عرض كاملاً على الجمهور، اختصر فيما بعد إلى 1200 (60 دقيقة). وهذه النسخة الأخيرة هي الوحيدة التي يمكن أن تشاهد اليوم.

ولكن على الرغم من النجاح الحماسي الذي استقبل النقاد به الفيلم، لم يأت الفيلم بالإيرادات التي كانت تتوقعها الشركة، وعاش “فلاهرتي” بعدها فترة عصيبة، بعدها سافر إلى إنكلترا حيث أخرج هناك فيلم “رجل أران” 1934  تمجيداً لبلده الأصلي أيرلندا، وصور فيه حياة صيادي سمك القرش وشجاعتهم في مواجهة مصاعب الحياة من أجل الحصول على الرزق.

عاد “فلاهرتي” إلى أمريكا في أوائل الحرب العالمية الثانية. وفي فترة عامي 1939-1942 أخرج لحساب وزارة الزراعة الأمريكية فيلم “الأرض” الذي صور فيه تآكل التربة بسبب عوامل التعرية المختلفة، إذ تحول وسط الولايات المتحدة الذي كان خصباً إلى صحراء. غير أن الوزارة منعت عرض الفيلم فقد عدَّته شديد الكآبة وله تأثير سيئ في نفس المشاهد!

لويزيانا..

كان فيلم قصة “لويزيانا” 1948 آخر أفلام “فلاهرتي” الرائعة، الذي أنتج لحساب شركة “ستاندارد أويل”، والذي يصور الحياة الطبيعية في مناطق لويزيانا، وتدميرها بحثاً عن النفط فيها. ويحكي الفيلم صراعاً قوياً بين صبي، ابن الطبيعة، من قبيلة الكاجون يسانده أحد عمال حفر آبار النفط، وبين أبراج النفط التي أقيمت إثر تدمير البيئة الطبيعية هناك، وذلك في لغة تعبيرية طبيعية. وقد جعل “فلاهرتي” من الصبي بطلاً بانتصاره على الرغم من حيائه المعبر الصامت.

ويقول “فلاهرتي” عن أفلامه: “أفضل أن يؤدي أفلامي التسجيلية أناس طبيعيون غير محترفين من أن ألجأ إلى عباقرة هوليوود”. وقد صور فلاهرتي مئة ألف متر شريطي من الفيلم ليستخرج منها ألفي متر فقط لتساوي عرضه الذي يستغرق خمساً وسبعين دقيقة، وقد كلّف إنتاجه أكثر من ربع مليون دولار وقتئذ.

حكاية..

حكي المخرج الأميركي “روبرت فلاهرتي” حكاية يقول أن صيّادا من الإسكيمو رواها له حين التقى به في أحد الأسواق. قال الصيّاد، أنه قرر وعائلته الكبرى، من زوجات وأولاد وزوجات أولاده وأولادهم وكلابهم جميعاً، الرحيل من الموطن الذي كانوا يعيشون فيه وذلك بعد كثير من النقاش. فالبعض منهم لم يكن مع هذا الرحيل، عارضه لأن أحداً لا يعرف ما الذي سيؤتيه ذلك،  لكنهم في النهاية استجابوا للدواعي بعدما أخفقوا في إيجاد الطعام اللازم لهم ولكلابهم التي أخذت تنحل وتتساقط ميّتة بفعل الجوع، تلك الكلاب، يقول الصيّاد: كانت تُطعم للكلاب الحيّة لعلها “تسند بطنها”، لكن خطر الجوع بقي ماثلا والصيد لم يعد متوفرا ما استدعى قيام الرحلة.

وصل الصيّاد إلى الساحل بعد عاصفة ثلجية كبيرة ومن هناك استقل وأفراد عائلته الواسعة قاربين وانطلقاً صوب موقع تردد أنه جزيرة أخرى يتوفر فيها الطعام والماء، الرحلة استغرقت بضع أيام وقبل الوصول غرقت إحدى المركبتين بمن فيها وماتوا.

الصيّاد ومجموعته وصلوا إلى اليابسة البيضاء حيث وجدوا أمامهم أرضاً قاحلة، لكن وجودهم عند الشاطئ جعلهم يقتاتون من طيوره وأسماكه والحيوانات البرمائية التي عليه، ثم بدأ التقشّف مرّة أخرى، وعانى الجميع من اختفاء الطعام من جديد، ومن عواصف أودت ببعض الأفراد ما دفع الصياد ومن بقي من عائلته إلى العودة من حيث جاؤوا.

عند وصولهم إلى الساحل حيث سوق البلدة التقى بـ “روبرت فلاهرتي”، الذي يقال عنه سيّد السينما الوثائقية وأوّل من عمل لها وقصّ له ما حدث له.

“فلاهرتي” لم يشك فيها ونقلها بأسلوب القصّاص نقلاً عن الصيّاد، لكن ليس القصّاص الروائي، بل القصّاص التسجيلي، ذاك الذي يرصد الأحداث بتفاصيل ويؤمها كأحداث واقعية.

الأفلام التسجيلية..

فكرة “فلاهرتي” عن صناعة فيلم تسجيليّ، هو أنّه لا بد للمخرج من دراسة البيئة الثقافية والاجتماعية، والتعرّف عليها لعدّة شهور قبل تصوير أي جزء من الفيلم، ثم لابدّ أن تنقضي بعد ذلك عدّة شهور أخرى في إعداد الفيلم ببطء قبل أن يظهر على الشاشة، ويتمّ ذلك على مرحلتين إذ يستخدم فلاهرتي الكاميرا أولاً لتصوير مادة فيلمه وتسجيل شخصياته، ثم يترك لعمليات المونتاج أن ترشده في كل مرحلة إلى الاتجاه الدرامي للفيلم.

أما عن الصوت، فيتوجه “فلاهرتي” أن يستخدم الميكروفون كما استخدم الكاميرا، متخذا منه زميلاً وثيقاً للحركة، يسجل من الأصوات والهمسات والصيحات المصاحبة أفضل ما يعبر عن هذه الحركة. وهو يقول أنه لا أهمية للغة أو حتى للكلمات، إذا كانت روح الحركة واضحة. وفي هذه النقطة وفي غيرها تختلف نظرة “فلاهرتي” للسينما عن النظرة المسرحية التقليدية اختلافاً شاسعاً. فالشاشة عنده ليست مسرحاً تدور فوقه الحوادث، بل إنها عين سحرية يمكن أن ينظر المرء من خلالها إلى العالم الفسيح ليرى ويسمع دقائق الحياة التي نعيشها والتي يستطيع أن يكشفها لنا الفنان السينمائي مستعيناً في ذلك بالكاميرا والميكرفون.

وفاته..

توفي في دوميرستون، عن عمر يناهز 67 عاما.

 



الانتقال السريع

النشرة البريدية