رواية نوبات.. فوضى المجتمع وتصارع الهويات بعد إخفاق ثورة الياسمين

     

    خاص: قراءة- سماح عادل

    رواية “نوبات” للكاتبان التونسيان “نورة عبيد ومعاوية الفرجاني” تحكي في سرد هادئ عن تحولات المجتمع التونسي بعد الثورة، وعن شعور الإنسان بالاغتراب، وعن الصراع بين الهويات في مجتمع يعاني التخبط.

    الشخصيات..

    الهادي الغالي: يعمل في المعهد الوطني للتراث، يقتل ويكتنف قتله بعض الغموض، كان محبا لوطنه لكن كانت تثار حوله الشبهات لتعامله مع السياح وانسجامهم معه، أحب فتاة فرنسية لكنه حرم منها بسبب رفض والديها زواج ابنتهما من رجل تونسي.

    إليانا: أحبت الهادي، وحملت منه في طفلة لكن تآمر والداها على حرمانها من الطفلة، وأعطياها لرجل فرنسي يعيش في تونس، ولكي يريح والد “اليانا” أوهمه أن الطفلة قد توفت، وعانت هي بعد فقدانها لطفلتها وحبيبها، والمفارقة أن ذلك الرجل الفرنسي الذي ربى الطفلة هو نفسه أحب فتاة تونسية وتزوجها وأنجب منها طفلان.

    شيار: البطلة ابنة الهادي الغالي وإليانا، تلك الطفلة التي تربت في بيت غريب عنها، لكنها شعرت فيه بالحنان والأمان. لتعود وتعمل في نفس المكان الذي عمل فيه والدها الذي لم تره أبدا، لأنه قتل قبل مجيئها، ربما تكون شخصية البطلة رمزية، تعبر عن أولئك الذين تربوا في كنف هويتين الفرنسية والتونسية، والذين يعانون من هجوم المجتمع عليهم بسبب هاتين الهويتين كما يعانون اغترابا بسبب ذلك أيضا.

    سيار: البطل، ولا يخفى على القارئ اختيار الكاتبين لأسماء متقاربة للبطلين، هو مدير المعهد الوطني لحفظ التراث، كان يعمل مع الهادي الغالي، يقع في غرام شيار، ويتعرض هو أيضا لمحاولة اغتيال.

    هيام: سيدة تعمل في التنظيف في المعهد، لها مشاكلها كفتاة فقيرة معدمة فيستغلها الأمن لتكون عين له داخل المعهد.

    ألفة: زميلة شيار، كانت تعرفها وقت الدراسة في الجامعة ثم عملت معها في المعهد، ووجدت أخيرا من تحبه وينهي وحدتها وهو عيسى أخو شيار الذي تربت معه.

    خير الله: قريب سيار وابن خالته، ينتمي إلى التيار المتشدد دينيا وهو الذي يقوم بمحاولة اغتياله.

    الراوي..

    هناك راويان هما الكاتبان، واللذان يظهر صوتهما في بداية كل قسم من أقسام الرواية تحت عنوان استطراد، لكن الرواية تعتمد على تعدد الأصوات، حيث يتم الحكي بصوت شيار، وصوت ألفة وصوت سيار وصوت هيام وشخصيات أخرى داخل الرواية، وهذا يعطي الحكاية ثرائها وتنوعها، ويغطي الجوانب الخفية من الحكي والثغرات.

    السرد..

    الرواية قصيرة تقع في حوالي 140 صفحة من القطع لمتوسط، لكنها ثرية بالأحداث والشخصيات، تنقسم إلى عشرين قسم، كل قسم نوبة، ويبدأ كل قسم باستطراد تظهر فيه شخصيتا الراوي والراوية بوضوح وصوتهما، ثم يستمر الحكي داخل الرواية، وجائت النهاية مفتوحة.

    تحولات المجتمع..

    الرواية تعتمد على لغة أقرب إلى اللغة الشعرية، وتعتمد على حكي هادئ وسلس وكأن الراويان يتفاعلان مع الشخصيات وتفرض حضورها على الحكي، أهم ما ترصده الرواية التحولات الكبيرة التي حدثت للمجتمع التونسي  بعد ثورة الياسمين، وكيف أصبحت هناك فوضى مجتمعية، وتفشت الحوادث وأعمال العنف من اغتصاب وقتل واختطاف.

    وكأن المعهد الوطني للتراث الذي يعمل فيه الأبطال رمزا للوطن، الذي يعاني من تهديدات المتشددين دينيا، الذين يتسللون ليلا ليراقبوه، والذين يقتلون من يعملون فيه، فالمتشددين دينا قويت شوكتهم بعد ثورة لم تحقق أهدافها، ولم يتحقق انتصارها على أرض الواقع، فوجد المتشددين دينا الطريق خاليا أمامهم ليبسطوا نفوذهم ويخربوا المجتمع ويملؤه عنفا وقتلا ودماء.

    وهذا ما حدث مع الهادي الغالي الذين قتلوه لتعامله مع السياح والأجانب، واهتمامه بتاريخ بلاده ومصلحتها، كما حالوا اغتيال سيار، الذي لا نعرف هل مات أم عاش فلم تخبرنا الرواية بذلك، لكنهم قتلوه لأنه مختلفا عنهم ولأن المتشددين دينيا يحكمهم الجهل والتخلف، يكرهون كل مختلف ويعادونه ويحاولون محوه من أمامهم، وللأسف هم داخل نسيج المجتمع التونسي، هم أقرباء لمن يغتالونهم، فخير الله هو ابن خالة سيار لكنه اختار طيرق الجهل والظلام. ولا يخفى على القارئ ميله إلى العنف منذ طفولته، حين كان يصطاد الحمامات ويتركهن يمتن ببطء.

    التنازع بين الهويات..

    تحكي الرواية أيضا عن التنازع بين الهويات، وشعور الإنسان التونسي بالاغتراب، هوية فرنسية فرضت وجودها بوجود المستعمر، وتغلغلت داخل المجتمع التونسي، واندمج بعض التونسيين بحكم الاستعمار مع أشخاص فرنسيين ونشأت علاقات اجتماعية وعلاقات حب بين التونسيين والفرنسيين ولا سبيل لمنع حتمية حدوثها،  منهم من نجح في الفوز بالحب والزواج مثل “فالو” الذي تزوج من “نعيمة” اللذان ربيا شيار ولم يسلم أولادهما أيضا من انتقاد المجتمع لهما والتفتيش عن ديانتهما وخصوصياتهما.

    ومنهم من فرقته الظروف والعصبية مثال إليانا والهادي الغالي حيث رفض والدا إليانا زواج ابنتهما من تونسي واختلاط الدماء، رغم أنهما نفسهما قد تزوجا عن حب رغم اختلاف الديانة، تحكي الرواية عن الحب الذي تصارعه العصبية والعنصرية والظروف الاجتماعية القاهرة، وعن تداخل الهويات الذي يشعر بعض الناس بالاغتراب والوحدة.

    الجميع يعاني..

    كما تحكي عن الوطن وما قد يصيبه من تهديدات نتيجة حدوث ثورة غير مكتملة، فالجميع يعاني في ذلك المجتمع، المثقفين والمتعلمين، الذين يشعرون بالتهديد، والفقراء الذين يشعرون بالتهديد أيضا لكنه تهديد من نوع آخر وهو تهديد فقدان الرزق، تهديد العيش في حرمان وعوز.

    مثل ما حدث مع هيام، التي اتاحت الرواية لها حرية التعبير عن نفسها بصوتها، فقد عبرت عن مخاوفها من فقدانها للقمة العيش وهي تربي شقيقين لها بعد وفاة أمها، وتعاني من والدها الفاسد الذي تتحمله لتربي الشقيقين، فيدفعها والدها أن تصبح عينا للأمن، الذي يراقب كل شيء، كما ترصد الرواية شعورها بالدونية، وأن المثقفين يعاملونها بازدراء، شعورها أنها ليست مثلهم وأنها مهضومة الحقوق وضعيفة.

    ما يميز الرواية أنك لا تشعر أن شخصان قد كتباها فهي محكمة البناء والسرد فيها يسير بهدوء وسلاسة وبتكامل.

    الكاتبان..

    “نورة عبيد” كاتبة وشاعرة تونسية. ولدت في 15 فيفري 1973 بقرية حارة الشعراء معتمدية حمام الأغزاز من ولاية نابل. درست المرحلة الابتدائية بحارة الشعراء ودار علوش المرحلة الثانوية بمعهد عبد العزيز الخوجة بقليبية. ثم العربية بكلية العلوم الانسانية والاجتماعية 9 أفريل.  تعمل حاليا أستاذة لغة وآداب عربية.

    من مؤلفاتها:

    . مرايا التّراب قصص التّفاصيل المنسيّة

    . بحث في أدب الرسائل: صورة العاشق في رسائل غسان كنفاني لغادة السمان.

    . بوابات على ديدان النّسيان :مجموعة شعريّة.

    . نوبات: رواية تشاركيّة مع معاوية الفرجاني.

    الجوائز:

    تحصلت على جائزة الطاهر الحدّاد لأدب المرأة سنة 2018.

    “معاوية الفرجاني” كاتب تونسي.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا