رواية “مقتل الكومنداتور”.. التقاط التفاصيل الإنسانية الصغيرة وعذوبة الحب

     

    خاص: قراءة- سماح عادل

    رواية “مقتل الكومنداتور” للكاتب الياباني “هاروكي موراكامي” تحكي عن أهمية الفن وكيف يغذي روح الإنسان، وعن أهمية الأفكار أيضا، وكيف أن الفن هو طريقة الإنسان في التعبير عن ذاته، وفهم واكتشاف ذاته أيضا.

    الشخصيات..

    البطل: أحد الرسامين الموهوبين، لم يذكر الراوي اسمه، يضطر إلى رسم البورتريهات لكي يعيش ويضمن حياة مستقرة خاصة بعد أن تزوج، يظل يحتفظ بذكرى شقيقته التي توفت بمرض القلب وهي طفلة صغيرة في عمر الثانية عشر، وتهجره زوجته لأنها عرفت رجلا آخر وسيم وهي تضعف أمام الوسامة، ويضطر إلى العيش في منزل رسام شهير هو والد صديق له في منطقة هادئة وجبلية.

    صديق البطل: ابن لرسام شهير، يعاني من شهرة والده ومن ابتعاد والده عنه طوال حياته، ويفشل في أن يصبح رساما مشهورا مثل والده، يسمح للبطل بالعيش في منزل والده لكي يحميه من اللصوص والغرباء، ويتعامل مع البطل بود وإنسانية.

    زوجة البطل: أحبها لأنها بمعنى ما تشبه أخته التي توفت وهي صغيرة والتي كان متعلقا بها، يعيش معها حياة هادئة يعمل من المنزل وهي تعمل في إحدى الشركات، ثم يفاجئ بأنها تمتنع عن ممارسة الحب معه ثم تقرر في أحد الأيام أن تطلب منه الطلاق، ليعاني من ذلك حين يعرف أنها على علاقة برجل آخر.

    جار البطل: بعد أن يستقر البطل في البيت الجديد يفاجئ بأحد الأثرياء يحاول التعرف به، فيبدأ أولا في طلب عمل بورتريه له، ثم يكتشف أن ذلك الرجل الذي عمل في مجال الاتصالات كانت له شركة كبيرة لكنه صفى أعماله، واختار أن يعيش في منزل فاخر ليكتشف أسراره أكثر، وأنه يلاحق فتاة صغيرة يظن أنها ابنته، من حبيبة له قررت أن تنجب منه وتتزوج بآخر، ويحاول البطل مساعدته في رؤية تلك الفتاة والتحدث معها.

    أمادا توموهيكو:  رسام ياباني مشهور، وصل لسن التسعين، ويعاني من الزهايمر وقد أودعه ابنه أحد المستشفيات. كان بعيدا عن ابنه يركز على فنه، ولا يتواصل بشكل جيد مع زوجته وابنه لذا لا يتذكر له ابنه أي لحظات سعيدة أو مفرحة عاشها معه، وسيكتشف البطل أن في حياة هذا الرسام الشهير مأساة ويكتشف ذلك من خلال لوحة له خبأها الرسام الشهير في العلية.

    الفتاة الصغيرة: ذكية لماحة، لكنها هادئة وصامتة، لا تعرف بشأن ذلك الجار الصامت شيئا لكنها تعرف أنه يراقبها، ماتت والدتها فجأة نتيجة لحادث حيث لسعتها الدبابير وهي لديها حساسية، تتقرب من البطل وتفتح له قلبها.

    وهناك شخصيات أخرى داخل الرواية.

    الراوي..

    هو البطل نفسه الذي يحكي عن نفسه بضمير المتكلم، ويحكي عن باقي الشخصيات بضمير الغائب،  يهتم بالبطل وأحاسيسه وانفعالاته، وينقل أفكار الشخصيات مشاعرها وانفعالاتها في تقاطعها مع البطل، كما يحكي عن ماضي الشخصيات، من خلال ما يعرفه عنهم أو ما يحكوه هم، أو يحكي عنهم من قبل شخصيات أخرى.

    السرد..

    الرواية من جزأين، يبلغ الجزآن حوالي 850 صفحة من القطع المتوسط، يعتمد فيها الحكي على الفانتازيا كما هي عادة “هاروكي موراكامي” في رواياته، كما يتصف الحكي بالاهتمام الشديد بالتفاصيل اليومية وهذه هي عادة “هاروكي موراكامي” في الحكي أيضا، حيث يأسر القراء بتلك التفاصيل اليومية التي تشعرهم بأنهم يعايشون حياة البطل لحظة بلحظة. تختلط الفانتازيا بالحكي عن كوارث حدثت في التاريخ، وعن عنف شديد ووحشية، وعن فكرة إعادة اكتشاف الإنسان لذاته وفهمه لها.

    الفن تعبير عن جوهر الإنسان..

    أهم فكرة تركز عليها الرواية هي أهمية الفن كوسيلة للتعبير عن الجوهر الإنساني والعمق الإنساني، فالبطل رسام موهوب يشهد كل من تعامل معهم بموهبته، فرغم أنه لم يتجه إلى رسم لوحات فنية إلا بشكل نادر في حياته الفنية، وإنما اتجه إلى رسم البورتريهات ليكتسب منها رزقه، واستمر في الأمر لسنوات بسبب زواجه وحاجته إلى حياة مستقرة ماديا، إلا أنه يقدر قيمة الفن، ويتمنى أن يرسم لوحات يعبر فيها عن ما يدور داخله.

    وحينما يرسم البورتريه فهو لا يكتفي برسم ملامح الأشخاص ووجوههم وإنما يرسم دواخلهم الحقيقية، يحاول فهم الإنسان الذي يطلب منه رسم البورتريه، ويعرفه على حقيقته وكما هو في عمقه، ويظهر ذلك في البورتريه، يظهر الوجه الحقيقي للإنسان كما فهمه هو وعرفه، لذا أصبح مشهورا كرسام بورتريهات مميز وأصبح أجره عاليا بسبب ذلك. لذا حين يطلب منه جاره أن يرسم بورتريها له سيندهش من الصورة، ويعرف أن البطل قد فهمه جيدا ورسم البورتريه بناء على ذلك الفهم.

    كما أن البطل حين يطلب منه الجار رسم الفتاة الصغيرة التي يظن أنها ابنته سيحاول كشف ذات الفتاة وفهمها بعمق ليستطيع أن يرسم وجهها ويساعدها هي أيضا على فهم نفسها.

    ثنائية جمال الفن ووحشية الحروب..

    كما أن الرواية تتناول فكرة هامة أيضا وهي ثنائية جمال الفن ووحشية الحروب، فبين اللوحات الرائعة التي رسمها الرسام الشهير الذي يسكن البطل منزله بشكل مؤقت، وقدرته الفائقة على رسم لوحات بارعة يكتشف البطل لوحة مخبأة في العلية، خبأها الرسام الشهير جيدا، وحين يراها البطل الرسام ينبهر بجمالها وبموضوعها أيضا لوحة “مقتل الكومنداتور”، حيث يقتل رجل عجوز وتنظر إليه فتاة بحزن وشاب بجوارها.

    يكتشف البطل الرسام فيما بعد أن الرسام الشهير قد رسم تلك اللوحة ليودعها  مأساة حياته، حيث أنه حين كان في إحدى الدول الأوربية أحب فتاة وهذه الفتاة انتمت إلى حركة المعارضة للنازية وحكمها الذي كان قائما في ذلك الوقت، حتى أنها انتمت لجماعة سرية وكانت هذه الجماعة تنتوي قتل أحد القيادات النازية في تلك البلد، لكن كشفت المحاولة قبل تنفيذها وتم إعدام كل من خططوا لها أو اشتركوا فيها، لكن نجا الرسام الياباني بسبب انتماءه إلى عائلة غنية وذات نفوذ سياسي، وعاد الرسام الشهير مهددا بألا يفشي السر، وماتت حبيبته ومن معها وظل طوال حياته يعيش بحزنه على فتاته وإحساسه بالمأساة فرسم اللوحة ليعبر عن ذلك.

    وتتطرق الرواية بسبب تلك اللوحة إلى وحشية النازية التي تعاملت بشكل سيء مع الناس الذين احتلت بلادهم، ومع الألمانيين أنفسهم ثم تتطرق إلى وجود صلات سياسية بين السلطة اليابانية في ذلك الوقت وبين النازية.

    كما أشارت الرواية إلى مذبحة قام بها الجيش الياباني في حق إحدى القرى الصينية، من خلال حكيه عن أخ شاب للرسام الشهير والذي انتحر لأنه لم يتحمل الوحشية التي رآها في تلك المجزرة وإجباره على ذبح الناس بسلاح رديء.

    هنا يتكلم الراوي عن وحشية الحرب ووحشية النازية، وقيام الإنسان بجرائم ضد الإنسانية في أوقات الصراعات والحروب، جرائم لا يستطيع بعض البشر التعامل مع وحشيتها فيقررون الانتحار وآخرون يتعاملون معها بالية شديدة وتبلد.

    ووسط تلك الوحشية يأتي الفن ليكون بمثابة التفريغ، حيث يفرغ الرسام الشهير إحساسه بالمأساة وحزنه الشديد وفقده في اللوحة التي يقرر أن يخبئها عن العالم ويحتفظ بها بعيدا عن العين.

    العلاقات الإنسانية..

    تتناول الرواية أيضا العلاقات الإنسانية، فجار البطل لا يحب الزواج ولا يحب أن يشارك حياته مع أحد، وحين أحب إحدى النساء كثيرا ورفض الزواج منها اختارت هي أن تنجب منه وأغوته في أحد الأيام ثم تركته ورحلت بلا عودة ليعرف بعد ذلك أنها تزوجت بآخر. ثم ترسل إليه رسالة يتسلمها بعد موتها المفاجيء لكنها مع ذلك لا تصارحه بشيء وإنما تلمح له أن ابنتها هي ابنته أيضا ويظل يتعذب بالشك، ويحاول التقرب من تلك الفتاة لكنه يخاف، لأنه لا يعرف عواقب أن يعترف لها بأنه أبيها أو عواقب أن يكتشف أنها ليست ابنته.

    فيظل يراقبها من بعيد دون سعي للتأكد من كونها ابنته أم لا، ويشتري البيت الذي يعيش فيه والذي يجاور بيت الرسام الشهير الذي يسكن فيه البطل الرسام، فقط ليتمكن من مراقبتها طوال اليوم، ثم يمل من ذلك ويحاول الاستعانة بالبطل الرسام لكي يعرفه عليها من خلال أن يجلبها إلى منزله لرسم بورتريه لها، وبالفعل يساعده البطل الرسام، ويجد الجار وسيلة أخرى للتقرب حيث يقترب من عمتها التي تربيها وينتوي الزواج منها.

    يحكي الراوي عن أم الفتاة، وكيف يحتفظ الجار بكل ملابسها في خزانة خاصة، وأن الفتاة حين اختبأت داخل منزل الجار لتفهم سر غرابته اختبأت في تلك الخزانة، وأحست بألفة ما تجاه الملابس وهي بالطبع لا تعرف أنها تخص والدتها.

    التقاط التفاصيل الإنسانية الصغيرة..

    الكاتب “هاروكي مواكامي” بارع في التقاط التفاصيل الإنسانية الصغيرة, حيث يرصد كيف تشعر الشخصيات من حوله تجاه الحياة وتجاه ذواتهم، وتجاه الآخرين. كما يحكي عن تفاصيل يومية قد تبدو مملة لبعض القراء، لكنها لقراء آخرون تشعرهم أنهم يعايشون حياة البطل داخل الرواية لحظة بلحظة ويوما بيوم، وكأنهم يعيشون معه أيامه، يحضرون معه الطعام، ويغسلون الأطباق، ويختارون معه الملابس وينظفون معه البيت، ويستمعون إلى الاسطوانات الموسيقية التي يسهب في وصفها.

    عذوبة الحب..

    كما يحكي البطل الرسام عن زوجته، كيف تعرف إليها، وكيف أنها اشعرته بمعنى ما أنها تشبه أخته وذلك ما جذبه فيها، وقامت بينهما علاقة حب هادئة تقوم على الانسجام والتفاهم، وعاشا معا عدة سنوات في هدوء وسلام، إلى أن فوجيء في أحد الأيام بأنها تطلب الطلاق، وحين سألها إن كانت تعرف رجلا آخر تجيبه بنعم، فيتعذب البطل شهور يظل يتنقل  في الأماكن وينام في سيارته، ولا يتقبل فكرة أن يلمس حبيبته رجلا غيره، ثم يتقبل الانفصال بعد أن يستقر في بيت الرسام الشهير، لكن يداعبه طيف زوجته دوما، ويحن لمعرفة أخبارها. ثم يصارحه صديقه أخيرا بأنها أحبت رجلا وسيما وأنه هو من عرفها عليه لكنه لم يكن يتوقع أن تحبه، وأنه لم يعرف كيف يخبره بالأمر.

    ويفهم البطل الرسام أن زوجته والتي وافق على إتمام إجراءات الطلاق معها ستكون مع رجل آخر بل وأنها حامل منه، وتأكل الغيرة قلبه لكن يرصد الراوي ذلك بهدوء وحياد كما هي عادة الكاتب، ثم يكتشف أنه زار زوجته بخياله وأنه مارس معها الحب وهي نائمة، وأنه قد أودع داخل رحمها حيواناته المنوية، وربما تكون قد حملت منه هو، ويستمر في تلك الفكرة الخيالية حين يقابل طليقته وتخبره أنها لا تذكر أنها لم تستعمل الحماية أثناء ممارسة الحب مع صديقها الجديد، وأنها لا تريد منه أن يربي طفلها وحين يطلب هو منها أن يعودا معا توافق على ذلك.

    حيث تصور الرواية علاقة حب هادئة بعيدة عن الصخب في العلاقات ينفصل هو عنها بهدوء وهي تعرف رجل آخر لكن لا يدور بينهما صخب، وحين تفكر وتكتشف أنها لا تريد منه مشاركتها في تربيه طفلها تتركه وتعود لزوجها لأنها تحبه وتحب العيش معه.

    ويصبح البطل الرسام مثل جاره يظن أن الطفلة التي أنجبتها زوجته هي طفلته هو ولا يهتم بإثبات ذلك وإنما يكتفي بالاستمتاع بتربيتها ومرافقتها.

    وهنا يصور الكاتب كيف أن علاقة الحب عذبة ورقيقة وناعمة حتى في وقت الخلاف والفراق، وحين العودة تسير بسلاسة وهدوء بعيدا عن العقد والأمراض النفسية والرغبة في التسلط أو وجود صراعات بين الطرفين. كما يصور كيف يحتفظ الجار بملابس حبيبته حتى بعد موتها وفراقها، وحتى في علاقة البطل الرسام بسيدة أخرى متزوجة، نجدها علاقة سلسة دون أي مشاكل أو عقد، يقابلها لميارسا الجنس لأنهما يرتاحان لذلك، ثم تقرر هي إنهاء العلاقة فيحدث الأمر ببساطة، ودون تعقيدات، الحب في روايات “هاروكي موراكامي” يسير في سلاسة ورقة وعذوبة.

    الفانتازيا..

    يتضح من الرواية ومن روايات أخرى للكاتب كيف أنه مولع بالفانتازيا، يضفرها داخل نسيج الأحداث وكأنها أمر طبيعي، فهي تدور جنبا إلى جنب مع الأحداث الواقعية التي تدور في الرواية، ويتخذ من الفانتازيا مكونا أساسيا من مكونات الرواية، تؤثر على الشخصيات ويتعاملون معها وتكون وسيلتهم في اكتشاف ذواتهم وفهمها ويعودون بعد بعض الأحداث الخيالية إلى فهم ذواتهم بشكل أعمق ويعرفون أنفسهم جيدا.

     

    الرواية..

    “مقتل الكومنداتور” صدرت في 24 فبراير 2017 على جزأين، الجزء الأول بعنوان “فكرة تظهر” والجزء الثاني بعنوان “مجاز يتنقل”. في مجلّدين باللغة اليابانية، وقبل نهاية العام التالي، تُرجمت إلى الإنجليزية في كتاب واحد يضمّ أكثر من 700 صفحة بتوقيع “فيليب غبريل وتيد جوسن”، ثم جاءت ترجمة الجزء الأول منها إلى العربية عن دار الآداب البيروتية، بواسطة المترجم المصري “ميسرة عفيفي”. وتعد هذه الترجمة الأولى لعمل ل”هاروكي موراكامي” التي تُتَرجم من اليابانية إلى العربية مباشرة وليس من خلال لغة وسيطة.

    أحدثت الرواية ضجة كبيرة في اليابان فور نشرها واعتبرت “غير ملائمة أخلاقيا” لأن الرواية (في الجزء الثاني) ناقشت مذبحة نانجينغ التي ارتكبها الجيش الياباني على مدينة صينية عام 1937، والتي تسببت في مقتل حوالي ربع مليون شخص.

    الكاتب..

    “هاروكي موراكامي” من مواليد 12 يناير 1949، كاتب من كيوتو، اليابان. حققت أعماله نجاحا كبيرا لدرجة أنه تصدرت قوائم أفضل الكتب مبيعا محليا وعالميا وترجمت إلى أكثر من 50 لغة. كما فاز بالعديد من الجوائز الأدبية الدولية، بما في ذلك عالم الفنتازيا (2006) وجائزة فرانك أوكونور العالمية للقصة القصيرة (2006) وجائزة فرانز كافكا (2006) وجائزة القدس (2009).

    من أبرز أعماله رواية “مطاردة الخراف الجامحة” (1982) و”الغابة النروجية” (1987) و “كافكا على الشاطئ” (2002) و”إيتشي كيو هاتشي يون” (2009 – 2010). ويَظهر تأثر “موراكامي” بالكُتاب الغربيين، مثل رايموند تشاندلر و كورت فونيجت، واضحًا بشكل جَلي.

    دفع هذا ببعض مؤسسات الأدب الياباني إلى انتقاد المسافة بين بعض أعماله ودورات الأدب الياباني. عادة ما تتميز أعمال “موراكامي” بالسريالية والحزن والقدرية، ومعظم رواياته تتضمن التباعد الاجتماعي والوحدة والأحلام.و”موراكامي” هو أحد أهم رموز أدب ما بعد الحداثة. بسبب عمله وإنجازاته، وصفته صحيفة الغارديان أيضًا بأنه “أحد أعظم الروائيين اليوم”.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا